عبدالوهاب الأسوانى.. روائى وقاص وباحث فى التاريخ العربى من الطراز الرفيع، روايته الأولى "سلمى الأسوانية" كانت فتحا إبداعيا وثقافيا، شهد به الكبار يحيى حقى وسهير القلماوى ونجيب محفوظ.. ووجذب عالمها صلاح أبوسيف المخرج السينمائى الرائد وفكر فى تحويلها إلى فيلم سينمائى.
وتوالت أعمال "الأسوانى" واستطاعت أن تحجز له مكانا بارزا فى سجل الرواية العربية، وكان نجيب محفوظ يعرف قدره ويضعه فى مقدمة جيل الستينيات الأدبى، وعندما تحولت روايته القصيرة "اللسان المر" إلى مسلسل تليفزيونى، لاقت إعجاب كل أهل الصعيد، لأنها عبرت عن مجتمع الصعيد أصدق تعبير. وفى القصة القصيرة قدم الأسوانى مجموعات قصص رفيعة المستوى نذكر منها "شال من القطيفة الصفراء" على سبيل المثال، وعندما طرق - رحمه الله - باب التاريخ العربى كتب عدة كتب عن رموز خالدة فى تاريخنا، نذكر منها خالد بن الوليد وأبوعبيدة بن الجراح وغيرهما. وجعله الصدق الفنى والإبداعى الذى تمتعت به أعماله ـ رحمه الله ـ حاضرا فى قلوب وعقول أجيال المبدعين الأحدث، فهو صاحب لون مميز وصوت خاص، وهو بحق راوى حكايات الجنوب المصرى بوعى وجمال وانحياز للناس، وتفرد فى الأسلوب والرؤية، وهو يستحق أن نقرأ أعماله مرات ومرات، فهو جدير بكل اهتمام وجدير بكل احتفاء وتقدير.
الثقافة تحيى ذكرى الأسوانى فى مسقط رأسه بأسوان
احتفت وزارة الثقافة يوم الخميس الموافق 10 أكتوبر الحالى بالروائى الكبير الراحل عبد الوهاب الأسوانى فى مؤتمر أدبى بعنوان "عبد الوهاب الأسوانى.. إبداع يتخطى حدود الزمن". أقيم المؤتمر تحت رعاية الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، ونظمته الهيئة العامة لقصور الثقافة، بإشراف الكاتب محمد ناصف، نائب رئيس الهيئة، بالتعاون مع إقليم جنوب الصعيد الثقافى برئاسة عماد فتحي، والإدارة المركزية للشئون الثقافية، برئاسة الشاعر د.مسعود شومان، وأشرف على تنفيذه يوسف محمود رئيس فرع ثقافة أسوان.
حفل المؤتمر بمشاركات بحثية متنوعة حول عالم الروائى الكبير، من بينها أبحاث جاءت تحت عناوين "النص بين المعنى والمفهوم فى رواية عبدالوهاب الأسواني" للدكتور عبدالرحمن أبوالمجد، و"حضور القبيلة وتفاصيل المكان فى إبداع عبد الوهاب الأسواني" للكاتب أحمد الليثى الشروني، و"مسرحة الرواية وغنائية النص.. عبد الوهاب الأسوانى نموذجا" للكاتب أحمد أبوخنيجر، و"المشهد السردى بين التثبيت والتحريك فى إبداع الأسوانى" للكاتب أحمد علاء الدين.
وشهد المؤتمر الذى تولى أمانته الأديب طه الأسوانى مائدة مستديرة بعنوان "السيرة الذاتية للكاتب والنص.. شهادات فى حضرة الأسواني" قدمها الزميل والكاتب الصحفى سامح الأسوانى ؛ نجل الكاتب الراحل ونائب رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون. كما حفل بحضور كبير من أهالى جزيرة المنصورية والقرى المجاورة. وقد استضافت قبيلة السماعيناب بالمنصورية جلسات المؤتمر فى منادرها؛ مما دفع كثيرا من الأدباء للتعبير عن امتنانهم لفكرة إقامة المؤتمر فى مسقط رأس الكاتب الكبير الراحل، وقد ذكر الأديب أحمد الليثى الشرونى أن "المؤتمر كان مختلفا ومتميزا، وقد استقبلنا الصديق سامح الاسوانى وأبناء عمومته بالترحاب؛ وهم ناس كرماء ونبلاء ذكرونى بشخوص عبد الوهاب الاسوانى الذين صنعوا أحداث رواياته الممتعة، حتى المكان المدهش الذى عبقت روائحه الطيبة أوقاتنا التى قضيناها بينهم". وشكر أعضاء أمانة المؤتمر وفرع ثقافة أسوان على تلك الفكرة الجميلة.
"مجلة الإذاعة والتليفزيون" تفخر بأن الروائى الكبير الراحل كان واحدا من أبرز ركائزها، وتنشر فى الصفحات التالية بعضا من أبحاث المؤتمر.
القبيلة وتفاصيل المكان فــــــى أعمال عبد الوهاب الأسوانى
كتب: أحمد الليثى الشرونى
اهتم الروائى العم عبد الوهاب الأسوانى بالقبيلة والمكان الجنوبى فى معظم أعماله السردية إيمانا منه بسطوة القبيلة فى تشكيل وعى أبناء الجنوب، ففى أوقات كثيرة تكون القبيلة هى المرجعية لاتخاذ أى قرار حتى الانتخابات البرلمانية والعمودية تديرها القبيلة وتحسم نتائجها، والقبيلة بمفهومها المعروف هى جماعة من الناس ينتمون لنسب واحد ويعيشون فى بقعة مكانية معروفة تجمعهم تقاليد وعادات ولهجة واحدة، وما تتميز به القبيلة هو التكاتف والتماسك فيما بين أفرادها حتى مع التغيير السريع الذى طرأ على المجتمع من تكنولوجيا وتقنيات حديثة، فما زالت القبيلة حاضرة بقوة فى نسيج المجتمع الجنوبى، والكثير من كتاب السرد كتبوا عن القبيلة وعن سطوة العادات والتقاليد، إلا أن عبد الوهاب الأسوانى كتب عن القبيلة كونها المركز الرئيسى والداعم الأساسى لتكوين المجتمع، وتشعر بأن أبطاله يفتخرون بالقبيلة فنلاحظ مثلا فى رواية "اللسان المر" كانت القبيلة حاضرة عندما أنقذ شمرخ شرف القبيلة وهو واحد من زعمائها حتى إنه كان يلقب بشيخ العرب "السوالم ناس عمد من زمان، وشيخ العرب شمروخ رجل عظمان".. استطاع بدهائه أن ينقذ البتول الخاطئة وقام بعمل خطة حيث جمع بينها وبين العاشق معوض، وتم الزواج بعقد رسمى وشهود "دخل شمروخ بيته آخر الليل مرتاح البال.. أخيرا ستر الله بتول ذات الوجه المبارك وستر قبيلة السوالم العظيمة ".. اختطف والدها الذى كان يرفض زواجها حتى مات متأثرا بالضرب والسحل من شمروخ، بعدها تم الحكم على شمروخ بالسجن "ومغربية بنت كداب القبيلة تولول وراءه: لا غيب الله صوتك يا عمود قبيلتنا".. تكررت لفظة القبيلة كثيرا خلال أحداث الرواية الدرامية والمكان بارز من خلال دراو وليلة الشيخ عامر أحد الأقطاب.. "هذه ليلة النصف من شعبان التى ترحل فيها القرى بنسائها وأطفالها إلى قرية دراو".. وكذلك يقول الراوى كاشفا المكان "هبطت البنات إلى النيل بثيابهن الزاهية وشيلان القطيفة تبرق فوق رؤوسهن".. أحداث الرواية تدور فى المكان نفسه بجغرافيته وتفاصيله الدالة عليه.
وفى رواية "سلمى الأسوانية" البديعة التى أحدثت هزة فنية بديعة على مستوى السرد حال صدورها، برزت لنا قبائل الجعافرة والأنصار بصورة مباشرة.. إنها قبائل حقيقية تعيش فى الجنوب يربط بين أبنائها رباط وثيق، متمسكة بالعادات والتقاليد والحفاظ على نسائها.. شرف البنت هو شرف القبيلة، زلزل سلطان القبيلة هذا الحدث، بعد أن طُلقت سلمى فى اليوم التالى بعد زفافها.. اتهمها زوجها بعدم العذرية، انتشر الخبر فى النجوع وبين القبائل، وبدأ الناس يتناقلون حكاية سلمى.. المجتمع مغلق على نفسه والخبر ينتشر كالنار فى الهشيم مما دفع عمها لمراسلة ابنه مصطفى الذى يقيم فى الإسكندرية منذ طفولته بأن يعود إلى البلد ويتزوج ابنة عمه سلمى لإنقاذ شرف القبيلة، لكن الولد المتعلم والمثقف رفض هذا الأمر فى البداية لأنه يحب زميلته المثقفة فى الإسكندرية.. ظل الصراع يدور فى داخل البطل/ الراوى مصطفى، سلمى التى تمثل الجنوب والقبيلة، ونادية التى تمثل الشمال والمدنية، لكن فى النهاية تنتصر القبيلة ويتزوج سلمى لكى ينقذ شرف القبيلة، ونلاحظ ايضا أن مصطفى نفسه ترك القرية منذ طفولته بسبب صراع بين قبيلته وأخرى، فخاف عليه أبوه وأرسله عند أحد أصدقائه فى الإسكندرية وتعلم وعاش هناك، أى أن صراع القبائل هو سبب إبعاده عن قريته، لكن تظل القبيلة متجذرة فى قلبه ولا يستطيع أن يخالف أوامر أبيه وأعمامه داخل القبيلة.. ويبدو لنا المكان من خلال الشخوص المرسومة بعناية والخيمة والقبيلة والنيل، حتى اسم الرواية يدل على المكان بصورة مباشرة .
رواية "كرم العنب" تظهر لنا الصراع القبلى بين قبيلتى البواهى والعواصم.. تحالفت قبيلة البواهى مع قبائل أخرى مثل المراشيد والمقاليع وغيرهما حتى وصل رشوان من قبيلة البواهى لمنصب العمودية.. ويبدو نفوذ القبيلة عندما أجبروا والد رشوان على الزواج من أمه بعد أن حملت منه سفاحا، لكنه ورث عن أبيه إرثا كبيرا من والده وأصبح من الأثرياء على الرغم من اعتلال نسبه من أمه التى كانت تعمل خادمة فى بيوت البواهى عندما اغتصبها أبوه.. الرواية بها تفاصيل وأحداث كثيرة تدور فى قرية كرم العنب التى تبدو فى الجنوب بحدودها وتفاصيلها وصراعاتها وموروثها، حتى الشخوص مرسومة بعناية، وتقع هذه القرية فى جزيرة وسط بحر النيل بالجنوب وهى مسرح أحداث الرواية، و تتكون من عدة نجوع، أى أن القبيلة هى المتحكمة فى مصير القرية.. منصب العمودية هو المنصب الذى يرفع من شأن القبيلة ولذا فالانتخابات تكون ساخنة، تحالفات وتربيطات وصراعات من أجل الحصول على المنصب، ثم تدور الدائرة ويحصل مراد ابن قبيلة العواصم على منصب العمودية بعد موت العمدة رشوان الذى تزوج ابنته الوحيدة عطيات.. "ولذلك زوَّجها من مراد وهو شاب فقير من عائلة أخرى هى العواصم". الرواية زاخرة بالصراعات والأحداث التى يخيل للبعض أنها صراعات واهية حول أشياء تافهة ولا قيمة لها، لكنها ذات قيمة كبيرة فى مجتمع تتحكم فيه القبيلة بطريقة مفزعة وتسيطر عليه أوضاع سياسية قاهرة وديكتاتورية على هذه المجتمعات.. من أجل ذلك بدت لنا الأحداث ضخمة وتستحق كل هذا الصراع الذى هو أشبه بصراع أبناء الدولة الأموية على عرش الخلافة. القبيلة القوية هى التى تحمى أبناءها مثلما جاء على لسان أيوب العواصمى "ولو كانت قبيلتك قوية لفردت عليك جناح حمايتها"، كل فرد ينتمى لقبيلته ويدافع عنها وينحاز إليها.. وقد جاء على لسان الشيخ عطوان متحدثا للعمدة: "قبيلة البواهى قبيلتك يا حضرة العمدة، لا يصح أن ترشح شخصا من خارجها لمنصب من مناصبها". بدأ الكاتب روايته بعبارة أدبية بليغة تدلل على المكان "شمس الأصيل صبغت الكون بلون الحناء، تلملم أجنحتها من هامات النخيل، تتهيأ للرحيل بعد أن شاخت".. كل الأحداث والشواهد داخل الرواية تشير للمكان داخل قرية كرم العنب بالجنوب.. "العمدة وحوله المشايخ والأعيان وعدد كبير من أهل البلد يلغطون حول الحادثة".
فى المجموعة القصصية "شال من القطيفة الصفراء" يبدو لنا المكان ظاهرا من خلال اسم المجموعة، والبنت التى كانت ترتدى شالا من القطيفة الصفراء، والتى فعلت العيب واصطحبها أخواها وعمتها للتخلص منها دون شفقة أو رحمة.. فلا بد من غسل العار الذى لحق بهم.. "هذه البنت شقيقتهم عابت وهم يستأذنون منا فى لملمة الموضوع".. وفى قصة " الصدأ " يبدو الصراع بين القبيلتين بسبب نزاع على أرض، القصة مشحونة بالغضب وكل قبيلة تتباهى بكثرة وقوة أبنائها.. "أولاد عمنا القحاطنة جاءوا لنجدتنا.. إذن نحن لسنا قلة كما ظن الصقور الذين أذلونا بكثرتهم العددية يوم السبت".
وفى رواية "وهبت العاصفة" كان للقبيلة وجود ودور مهم فى تشكيل الأحداث داخل الرواية "ها قد جاءت اللحظة التى طالما حذرنى منها أبناء قبيلتي.. كلهم عارضوا زواجى من بلدة السبيل، هم لم يعارضوا فى مصاهرة الشيخ صالح".. وفى مشهد آخر يقول البطل "ها قد وقع المحظور وتعقدت الأمور.. غدا تثأر قبيلتى من السبيل وتتوقف الحياة تماما بين البلدين".. حتى البلاد جاءت بأسمائها الحقيقية مثل بلدة السبيل وهى موجودة غرب بندر كوم امبو.
وفى رواية "النمل الأبيض" هناك وجود واضح للقبيلة حيث توفيق بك الذى ينتمى لقبيلة الزوايدة التى استمدت نفوذها من السلطة حينذاك، فأصبحت قبيلة قوية بالرغم من أن أهالى القرية يرفضون ذلك.. أجبر توفيق بك المدرس عامر ابن القبيلة الأخرى أن يطلق زوجته الجازية التى تعمل معه مدرسة من أجل أن يزوجها لابنه المريض والذى هام بها "يعنى أطلق زوجتى ليتزوجها ابنك؟".. هكذا كان رد عامر على توفيق بك الذى فاجأه بكل جرأة "إياك أن تغضب، نحن نتكلم كأهل، الأفدنة الخمسة ستكون لوالدك بالمشاركة، لكن دون مقابل لعشر سنوات، ولا تنس الوظيفة المحترمة التى تنتظرك، اقعد".. لجأ توفيق إلى أساليب مراوغة حتى حقق ما يريده، لم تستطع قبيلة عامر أن تقف فى وجه قبيلة توفيق بك، إنه صراع النفوذ السياسى، مما أدى إلى انهيار البيت الذى يسكن فيه عامر متأثرا بالنمل الأبيض، وفى ذلك إشارة للواقع المرير الذى يحياه ناس القرية فى ذلك الوقت من قهر وظلم. الرواية تدور بأحداثها فى نفس المكان الجنوبى "الأعمام وأولاد الأعمام متناثرون فى الحقول، يغيرون مرابط البقر والأغنام لتنظف الأرض من الأعشاب الضارة".
فى رواية "أخبار الدروايش" استبدل القبيلة بالنجع، نجد النجوع الشرقية والنجوع الغربية ويفصل بينهما النجع الأوسط، صراع بين أبناء النجوع الشرقية والغربية "التقت جماعة من شباب النجوع الشرقية بجماعة من شباب النجوع الغربية فى أحد الأفراح، اشتبكوا فى مناقشة حادة انقلبت إلى معركة، كادت تتسع لولا أن سيطر عليها العقلاء". لم يقتصر الأمر على الشباب إنما امتد هذا الصراع ليصل إلى ذروته بعد أن رشح السيد حمدى الأزرق رجل النجوع الشرقية نفسه لمنصب العمودية ضد العمدة هارون ابن النجوع الغربية "بدأت الدعاية الانتخابية وكان شعار العمدة هارون هو الجمل، وكانت النخلة هى شعار السيد حمدى الأزرق، ودارت المساجلات بين النخلة والجمل".. صور لنا الكاتب هذا الصراع وكأنه حرب مشتعلة، جسَّد صراع الواقع كما هو، يروى لك التفاصيل وتشعر كأنك موجود فى المكان نفسه حيث المندرة والدكك والخيزرانة والعمَّة التى تزين رؤوس الرجال "امتلأت الدكك فى الداخل فاضطر الكثيرون إلى الجلوس على الدكك الخارجية".
رواية "أخبار الدراويش" بأحداثها وصراعاتها تمثل الواقعية حينذاك بكل تفاصيلها، حتى المفردات اللغوية تعبر عن هذا الواقع الجنوبى.. "وضع العباءة فوق منكبيه وأمسك بالخيزرانة الغليظة التى يتوكأ عليها وخرج من حجرة نومه إلى صحن الدار"، لكن السؤال الذى يدور فى ذهنى : كيف استطاع الكاتب أن يصور هذا الواقع بهذه الدقة الشديدة ورسمه بكل تفاصيله وصراعاته وموروثه وهو الذى ترك الجنوب فى سن صغيرة إلى الإسكندرية مع والده.
انعكاس الفساد والتحلل الاجتماعـى فى «النمل الأبيض»
كتب: أحمد علاء الدين
عبدالوهاب الأسواني، أحد أبرز الأدباء المصريين.. وُلد عام 1934 فى محافظة أسوان وتوفى فى 2019. عُرف بإسهاماته الكبيرة فى الأدب العربي، خصوصًا الأدب الذى يعالج قضايا المجتمع الريفى والصعيدي. وقد تأثر الأسوانى بالبيئة الجنوبية لمصر، حيث الحياة الريفية البسيطة، لكن المعقدة فى الوقت ذاته من ناحية الصراعات الإنسانية والاجتماعية.. وتُعد رواية "النمل الأبيض" من الأعمال الأدبية التى تناولت الفساد الاجتماعى والأخلاقى بطريقة رمزية. نشر عبد الوهاب الأسوانى الرواية فى فترة شهدت مصر خلالها تحولات اجتماعية وسياسية عميقة، وكان الكاتب يحاول من خلالها تسليط الضوء على مظاهر الفساد التى أخذت تنتشر فى مختلف جوانب الحياة.. الرواية نشرت عام 1995 عن دار الهلال وتعكس ببراعة الواقع المصرى خاصة فى المناطق الريفية التى كانت لها خصوصية فى السرد الروائى للأسوانى.
تدور الرواية حول مجموعة من الشخصيات التى تعيش فى نجع صغير من نجوع مدينة دراو بمحافظة أسوان فى جنوب مصر، بعد قرارات الانفتاح الاقتصادى فى السبعينيات وبداية الثمانينيات، حيث يتم تسليط الضوء فيها على العلاقات الإنسانية التى تزداد تعقيدًا مع مرور الزمن.
الشخصية الرئيسية فى الرواية هى عامر الموظف (المُعلم) البسيط، الذى يعيش حياة مستقرة وسط مجتمع قبلى قروى لكن حياته تتعرض لعاصفة من الضغط والخداع بسبب إعجاب ابن توفيق بك ـ إسماعيل ـ بزوجته شديدة الجمال (الجازية)، وضغطه لجعل عامر يطلقها ويتخلى عنها، مرة بالإغراء ومرة بالتهديد ومرة بالخديعة، حتى نجح فى ذلك، وبالفعل طلق عامر زوجته الجازية، فى مقابل حب جديد ووظيفة جديدة وإنهاء الخلافات بين قبيلة توفيق بك وقبيلة عامر.
لكن تنتهى كل هذه المزايا بعد أن يتزوج توفيق من الجازية ليبدأ عامر فى اكتشاف ما تعرض له من خديعة محكمة، كما تنتهى زيجة الجازية من توفيق بالطلاق، وتتزوج من عبد الودود أفندى الموظف الذى استطاع بالحيلة والطرق المخادعة أن يكون ثروة ويستولى على أملاك عائلة توفيق بك.
الثيمات الرئيسة للرواية:
الصراع الطبقى: الذى تجلى بوضوح فى أطماع الطبقة ذات المال والنفوذ متمثلة فى توفيق بك، والتى من شأنها تدمير حياة الطبقة الفقيرة.
الحب: رمى عبد الوهاب الأسوانى إلى أن الحب الحقيقى من شأنه أن يصمد ويحقق الصعب كما فى قصة (الناعسة) و(بشير الزنديق) وهذا بخلاف الحب الهش المبنى على الرغبة الجسدية الذى كان بين عامر والجازية.
العدالة والحرية: ظهرت أثناء تشريح المجتمع القبلى الريفى الصغير، الذى له سلبيات مثل تحجيم المرء عن اختيار مرشحه فى الانتخابات بقناعه تامة، لكن الأسوانى لم ينس أن يذكر إيجابيات هذا المجتمع القبلى الصغير المتمثل فى أنه يحقق للفرد الأمان والاعتزاز مما يُحرره من ضغوط المجتمع الكبير.
الهوية: أشار الأسوانى إلى الهوية الصعيدية التى باتت مُهددة، ليس فقط فى القيم والعادات ولكن حتى فى طريقة الظهور، مُشيرًا بذلك للبس الرجال الذى تبدل من الجلباب إلى البذلة الإفرنجية، والنساء اللائى تخلين عن ملابسهن الأصلية كالعباءة لتقليد لبس النساء الغربيات.
الرمزية فى الرواية:
النمل الأبيض استخدمه عبد الوهاب الأسوانى كرمز للفساد الخفي، إذ إنه فى البداية لا يكون الفساد واضحًا، لكنه يبدأ فى التغلغل بهدوء حتى يصل إلى نقطة الانهيار مع التركيز على أن الفساد لا يكون دائمًا مرئيًا بل غالبًا ما يتسلل فى الخفاء، هذا التشبيه البارع يعكس كيفية تآكُل القيم والمبادئ فى المجتمع القبلى المصرى الذى تأثر بسياسات الانفتاح وتغول الرأسمالية غير المقننة على المجتمع المحافظ، مما أفقد الناس بالتدريج - من أجل التمدن ومجاراة الواقع - الكثير من مبادئهم وأحيانًا كرامتهم فى مقابل أن تمتلئ الجيوب بالنقود.
يستخدم الأسوانى البيئة القروية كرمز لعمق المجتمع المصرى حيث يتصارع الفقر مع السلطة والنفوذ، وتتصاعد التوترات الاجتماعية الناتجة عن عدم التوزيع العادل للثروة والفرص، مشيرًا لأكثر من مرة لمُرتب مهنة التدريس الضئيل، الذى لا يُمكن عامر من إدخال أخيه زاهر مستشفى خاصا لأكثر من ثلاث ليال.
إسقاط أن الطبقة الحاكمة أو الطبقة التى تمتلك النفوذ والمال ما هى إلا صورة من حكم الاحتلال الإنجليزى واللورد كوتشنر، قاصدًا إثبات استمرار سياسة إلهاء الشعب وإفقاره؛ من أجل تغييبه عن الأهداف الحقيقية، حيث يُشير الأسوانى إلى أنه على الرغم من تخلص المجتمع المصرى من سُلطة الاحتلال، فإن هذه السياسة ما زالت متغلغلة فى قرارات من كانوا يحكمون المجتمع المصرى فى تلك الفترة.
رمزية اسم الزوجة الجازية التى مثلت الجائزة والهدية والمقصد بجمالها الخلاب، والتى يتصارع من أجل الظفر بها رموز الطبقات الثلاث؛ الطبقة الفقيرة الممثلة فى عامر، وبقايا الطبقة الأرستقراطية الممثلة فى توفيق بك، والطبقة المتسلقة الجديدة الممثلة فى عبدالودود أفندى.
الفساد والتحلل الاجتماعى:
الفساد الناتج عن سياسات الانفتاح هو الموضوع المحورى فى الرواية، حيث تتناول "النمل الأبيض" كيف يمكن للفساد أن يكون غير مرئى لكنه قاتل، ونجح عبد الوهاب الأسوانى فى عكس كيف يؤثر الفساد على العلاقات الاجتماعية، والأسر الراسخة، وحتى المؤسسات، ممعنا النظر فى الشخصيات التى يظهر عليها هذا التآكل التدريجى فى مبادئها وأخلاقها.
كما يركز الأسوانى على أن التآكل الأخلاقى لم يعد من صفات الطبقات الحاكمة فقط، لكنه استشرى حتى وصل للطبقات الدنيا التى تعانى من التهميش، فالشخصيات تجد نفسها عالقة فى دوامة من الفساد تدفعها إلى اتخاذ قرارات غير أخلاقية، وهو ما يؤكد أن هذا التحلل الاجتماعى لا يحدث فجأة بل يكون نتيجة لعملية طويلة ومستترة كعمل النمل الأبيض.
البعد النفسى والاجتماعى للشخصيات:
شخصيات الرواية تعانى من صراع داخلى بين ما هو صحيح وما هو مفروض عليها من قوى خارجية، سواء كانت تلك القوى هى المجتمع أو الظروف الاقتصادية، وهذا الصراع الداخلى يعكس تردد الشخصيات وافتقادها للقدرة على اتخاذ قرارات مُستقلة.
يظهر هذا الصراع بشكل خاص فى الشخصيات التى تجد نفسها مضطرة للتنازل عن مبادئها من أجل البقاء فى مجتمع تُسيطر عليه القوى الفاسدة.
ومن أبرز التحولات الناتجة عن الصراع الداخلى فى الرواية شخصية (عامر) الذى بدأ معلما مثاليا قانعا بما لديه لكنه بعد وصوله لمكانه مادية كبيرة من عمله الجديد، بدأ يتغاضى عن الفساد مُقنعًا نفسه بأنه لن يغير الكون، ومن ثم تحوله فى الربع الأخير من الرواية إلى شخصية ساخطة كارهة للمجتمع.
الجازية: الزوجة التى دفعها الطمع للوقوع فى الخديعة وخسارة زوجها عامر من أجل الزواج من توفيق بك أو ابنه إسماعيل.
دسوقى بك: عم عامر الذى يحتقر البناء أو المجتمع القبلى بشكل عام وقبيلته ونظامها بشكل خاص لكنه يُسايرهم ليتحامى بهم من أى خطر.
خال عامر: الذى أبدى موافقة على العرض الذى قدمه توفيق بك لعامر، لزواج ابنه اسماعيل من الجازية زوجته، فى مقابل أن تحل الخصومة بينه وبين البك وتعود إليه أرضه الزراعية.
توفيق بك: الذى مثل النظرة القديمة للإقطاع حيث إن أوامره فوق الكل وعلى الكل تنفيذها وإن أظهر الأسوانى ذلك بشكل مبطن.
عبد الودود أفندي: جاء دوره فى الرواية انعكاسا لكل ما هو أثر سلبى من سياسات الانفتاح، حيث التملق، وتكوين شبكات مصالح أقوى من مؤسسات الدولة، والتحرك بمبدأ مكيافيلى أن الغاية تبرر الوسيلة.
عبدالمجيد الغباشي: فرد آخر فى الطبقة المتسلقة، حيث إنه ابن عم عامر الذى كون ثروة من تهريب البضائع.
الغضبان: عم عامر الكبير الذى مثل صوت الرفض فى وسط حركة التمدن والحداثة التى اعتبرها إفسادًا لقيم المجتمع قائلًا إن الناس أصبحوا يبيعون أراضيهم ومواشيهم للحصول على أجهزة حديثة بالديون وثلاجات لا يستطيعون تعبئتها!
سامية: مثلت الظاهرة المُكررة التى قصد الأسوانى إبرازها، حيث الفتاة التى تهرب من أهلها فى القرية وتنحرف فى (البندر) قبل أن يعود واحد من أهلها لقتلها فى جريمة شرف بشعة.
الناعسة وبشير وسليمان: هؤلاء أقارب عامر وهم الشباب المثقف الواعى القادر على مواكبة موجة التغيير والانفتاح والرأسمالية دون أن تتزحزح مبادئهم مثلما سقط الكثير من الكبار.
البيئة الاجتماعية والسياسية:
القرية المصرية كخلفية للرواية: تُعتبر الخلفية القروية واحدة من العناصر الأساسية فى أعمال عبد الوهاب الأسواني، وفى رواية النمل الأبيض حضرت تلك المنطقة الريفية بكامل صورتها المتمثلة فى قرى ونجوع دراو، حيث لم يدخر عبد الوهاب الأسوانى جهدًا فى وصف كل شيء بدقة فى القرية معبرًا عن ذلك بإظهار مناظر الحقول الخضراء، الماعز والأبقار (الحمراء والمبرقشة)، الحمام والهدهد والكلاب، أشجار السنط، وزراعات القصب، والأدوات والخامات كالكانون والجمر، هوائيات التليفزيونات التى احتلت أسطح البيانات وملابس الناس فى تلك الفترة.
النظام الاجتماعى والسياسي: الرواية تقدم نقدًا للنظام السياسى والاجتماعى فى مصر فى فترة السبعينيات بعد انتصار حرب أكتوبر، والتحول السريع من سياسة الاشتراكية لسياسة الانفتاح والرأسمالية، حيث يلمح عبد الوهاب الأسوانى إلى فساد السلطة الحاكمة وكيفية استغلالها للمجتمع، ودور الشخصيات المتسلقة التى تحصل على نفوذ من خلال الفساد كانعكاس واضح للمجتمع المصرى فى السبعينيات والثمانينيات، فالعلاقات المتشابكة بين الشخصيات فى الرواية تعكس الهرمية الاجتماعية، وكيفية تأثير الفساد على تلك العلاقات، كما أظهر الأسوانى أنواع الأعمال الجديدة التى بدأت تظهر مع موجات الانفتاح كعمل شركات الشحن، وتغيير العملة.
قضايا تشابكت معها الرواية: القضية الرئيسية التى انشغلت بها الرواية هى سياسات الانفتاح والرأسمالية الجائرة، إلى جانب عدة قضايا جانبية اشتبكت معها الرواية من أمثلة: "هيمنة السياسة الأمريكية" التى ظهرت بوضوح حين قيل على لسان إحدى الشخصيات: أمريكا أولًا وثانيًا وثالثًا. وإظهار تدخين السجائر الأمريكية بدلًا من المحلية كعلامة على الوجاهة الاجتماعية، وسعر الدولار الذى راح يؤثر على أسعار كل شيء مُظهرًا أزمة الإسكان فى المنتصف. و"زيارة زوجة شاه إيران" التى استقبلتها الحكومة والسيدة جيهان السادات بحفاوة، فى حين نظم بعض فئات الشعب الأسوانى مظاهرات ضدها وقت زيارتها لجنوب مصر.. و"شهوة الاستهلاك والشراء" المتمثلة فى الأجهزة التى غزت القرية المصرية، وأصبحت مطلبًا تنادى به ربات البيوت مثل التليفزيون الملون، السخان، المدفئة، الغسالة، الفيديو، مما أدى بدوره لمشاكل مادية واجتماعية لم تكن موجودة من قبل. و"الرأسمالية" وظهرت فى شراء الشركات لأراضى الفلاحين من أجل تجريف التربة والبناء وكسب المال، وتجسدت فى الإعلانات التى ترسم صورة الرجل الذى يملك حقيبة ممتلئة بالدولارات بأنه الرجل الناجح. و"الفساد الأخلاقي" المتمثل فى جرائم الشرف، وانتشار الخمر. و"القيمة الغائبة" التى أشار الأسوانى لها بوضوح مع ذكره للمسجد الأقصى، الذى لا يلتفت له العرب، وتركيزه على القصص التاريخية والشعبية كالتى حدثت فى عهد الخلفاء الراشدين، وسيرة الزناتى خليفة، إلى جانب إشارته إلى نظريات ابن خلدون وفلوبير التى لا يستفيد منها المجتمع الجديد. و"المجتمع القبلي"؛ حيث حذر الأسوانى أن هذا المجتمع سينقلب لجحيم لو ضربت قبائله الفتنة. و"حركة التطور أو التغيير" التى تمثلت فى تغيير اسم البقالة إلى سوبر ماركت، والبتاو الذى تحول لجاتوه.
البناء السردى والأسلوب الأدبى:
اعتمد عبد الوهاب الأسوانى على وحدة الزمن واختار أن تُحكى روايته فى الزمن الحاضر.. وانتقل فى السرد بسلاسة بين الشخصيات والأحداث مع التركيز على الحياة اليومية والتفاصيل الصغيرة التى تعكس التحولات الكبيرة التى تحدث فى المجتمع.. واعتمد على أسلوب سردى بسيط لكنه غنى بالمعانى والفقرات الراسمة للحياة فى القرية، كما تنقل برشاقة بين الواقعية والرمزية؛ فأسلوب الأسوانى واقعى بشكل كبير لكنه يستخدم الرمزية لجعل القارئ يُفكر بعمق ولتوضيح المفاهيم الأكبر مثل الفساد، والأرضة أو النمل الأبيض الذى يُحلل المجتمع على مهل، كما اعتمد فى الحكى على ضمير المُتكلم حيث روى البطل (عامر) أحداث الرواية من وجهة نظره، مما جعل القارئ جزءا من الحكاية، وهو يحاول أن يستنبط إجابة عن سؤال (كيف سقط عامر وزوجته الجازية فى الفخ واستسلما لرغبات توفيق بك؟). كما اعتمد على المونولوج الداخلى بكثرة عاكسًا كل ما يدور فى عقل عامر وتفكيره وتشتته وحيرته، ورده (غير المنطوق)، على الشخصيات التى لا يجرؤ على التصريح بما يدور بداخله عنها. كما اعتمدعلى الحوار بكثرة، وقد جاءت الجمل قصيرة وناجعة فى أغلب النص.
وبرع عبد الوهاب الأسوانى فى الوصف، خاصة وصف الحركة الجسدية المُصاحب لحديث الشخصيات: (أدارت عنقها اللطيف وشعرها على شكل ذيل حصان استدار معها بحركة عكسية).. ( فاختلج انفه العريض).. إلخ. وقد جاءت حبكة التحول وخسارة الأحباء بسيطة على خط سردى واحد. أما اللغة فجاءت فصيحة بسيطة فى أغلب الحوارات. ولم يكثر فى التشبيهات أو الصور، لكنه استخدمها بمهارة: (اللفتة ورشاقة الحركة معها تجسمان ما يمكن تسميته باللطف).. وتحمل الرواية بين طياتها نهرًا من الابتداع اللغوي؛ مثال ذلك: (رفرفة الأهداب الطويلة).. (قال كأنه يبصق).. (جاء يجر أذيال الخجل).. إلخ.
مكانة "النمل الأبيض" فى الأدب المصرى والعربى:
"النمل الأبيض" واحدة من الروايات المهمة فى الأدب المصرى لأنها تقدم صورة حقيقية عن المجتمع فى مرحلة حساسة.. الرواية تركت بصمة قوية فى الأدب العربي، واعتُبرت بمثابة تحذير من الفساد الذى يمكن أن ينهش فى المجتمعات دون أن يُدرك الناس خطورته. وهناك العديد من الروايات تناولت الفساد بشكل مباشر وركزت أكثر على الجانب السياسي، بينما تتميز "النمل الأبيض" عن غيرها بأنها تتناول الفساد بطريقة رمزية أكثر تركيزًا على الجوانب الاجتماعية، فهى رواية رمزية عميقة تقدم تصويرًا دقيقًا لمشكلة الفساد الاجتماعى فى مصر، من خلال سردية مجتمع يتفكك ببطء تحت وطأة الفساد الذى يبدأ صغيرًا لكن سرعان ما يؤدى إلى انهيار كامل.
وتظل الرواية مرآة للتحديات التى تواجه المجتمعات، وتقدم درسًا حول تأثير الفساد على الأفراد والمجتمع ككل.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
صدرت، اليوم الخميس، مجموعة قصصية جديدة للكاتب حمودة كامل بعنوان "وجوه على الطريق".
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...