فاطمة الشرنوبى: شعرت بالفخر بعد حصـولى على جائزة خيرى شلبى

الجوائز دافع معنوى قوى جدًا للكاتب فى بداية مشواره الإبداعى أهم ما يحتاج له الشباب حاليًا هما الحريتان.. حرية الكتابة وحرية النشر

فاطمة الشرنوبى كاتبة وروائية شابة حصلت مؤخرا على جائزة خيرى شلبى للعمل الروائى الأول فى الدورة الخامسة عن رواية "شباك المنور"، فاطمة تخرجت فى كلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية، ثم حصلت على الماجستير فى الأدب الإنجليزى فى عام 2020، وتعمل فاطمة فى مجال التدريس منذ عام 2012، كما لها العديد من التجارب فى كتابة المقالات النقدية.. تحدثنا معها عن الجائزة والصعوبات التى واجهتها أثناء الكتابة، والمشاكل التى تواجه شباب الكُتاب، ومشروعاتها الأدبية القادمة.

ما شعورك بفوز روايتك "شباك المنور" بجائزة خيرى شلبى؟ وكيف تلقيتِ الخبر؟

شعرت بالفخر الكبير، أن تحمل روايتى الأولى جائزة تحمل اسم كاتب وأديب كبير أثرى الأدب العربى برواياته البديعة لهو تتويج كبير لمثابرتى لأعوام طويلة فى تطوير كتابتى الإبداعية وتحويل أفكارى المؤرقة وتساؤلاتى حول الوجود والهوية وغيرهما إلى نص روائى مكتمل، عملت على تطويره بكل شغف وحب حقيقيين، كى أصدر رواية لم أستعجل نشرها، بل كان يهمنى بالمقام الأول كتابة نص أكون استمتعت بكواليس كتابته، منذ اللحظة الأولى وحتى وضعت النقاط الأخيرة فوق حروفه.

 هل كنتِ تتوقعين الفوز بالجائزة؟

قرار تقديم الرواية للجائزة لم يكن ليحدث دون أن أضع الجائزة نصب عيني، واعتبرت الجائزة تحديا كى أقدم الرواية فى أفضل نسخة لها من وجهة نظرى ووفق ما أرتئيه.

 ماذا يمثل لك ارتباط اسم الجائزة باسم الأديب خيرى شلبى؟ وإلى أى مدى تأثرتِ به فى عملك الأول؟

كما أشرت فى البداية، أن تحمل الجائزة اسم خيرى شلبى لهو شرف كبير أتمنى أن أكون على قدر مسئوليته. الجائزة دافع كبير لتقديم أفضل ما لديّ فى الكتابة الروائية.  أحب فى كتابة خيرى شلبى نقل تفاصيل الحياة اليومية بسلاسة ممتزجة مع تدفق الأحداث وعرض العادات والتقاليد للشخصيات.

  ما أهم الخطوط الدرامية فى روايتك الفائزة "شباك المنور"؟

الرواية ترصد مرور الزمن عبر حيوات شخصيات منذ فترة التسعينات وحتى الأعوام الأخيرة، فكما نكبر ونشيخ تكبر الأماكن والجدران والأشجار والشوارع وتشيخ. الاغتراب فى المجتمع وحتى قلب الأسرة يتجلى بوضوح فى حياة البطلة رقية، التى باتت تهرب من المحيط كله بكتابات مقتضبة تخبئها فى دفترها حتى استحال الماضى أشباحا وأطيافا تلاحقها وتتعاطى معها كجزء أساسى لحياتها اليومية. 

 ما أهم القضايا التى كنتِ حريصة على تقديمها فى أول عمل روائى لك؟

الشعور بالاغتراب سواء كان ذاتيا أو اجتماعيا، ربما يكون القضية الأبرز فى الرواية. فشعور فتاة مراهقة بالاغتراب عن مجتمع المدرسة والبيت، ثم لاحقا عن الجامعة وحتى العمل، جعلها مغلفة بشرنقة لا تقدر على النفاذ عبرها، ما جعلها شبه منفصلة عن محيطها. الاغتراب ممزوج بقضايا تمسّ الأنثى فى مجتمع ضيّق الأفق -كالختان مثلا- هى قضية مركزية أيضا، ما يخلق تساؤلات فلسفية تمسّ الجسد والروح، الفناء والخلود، الرغبة والرفض، العقل والقلب.

  تناولتِ فى الرواية العديد من الأحداث التى مرت بها مصر، ما المصادر والأبحاث التى اعتمدتِ عليها أثناء كتابة الرواية؟

قرأت العديد من المقالات والتقارير الصحفية المصرية والعربية القديمة والحديثة كى أتعرف أكثر على اعتصامات شباب جامعة القاهرة فى الستينات، والتى كان والدى بالفعل مشتركا فيها؛ حيث كان طالبا فى "هندسة القاهرة" - دوافعها وما حققته وكيفية التعامل الأمنى معها- كذلك قرأت الكثير عن زلزال 92 الذى ضرب مصر، وشاهدت الفيديوهات المتاحة على "يوتيوب" التى ترصد هذا المصاب، كما سمعت حكايات كثيرة من الأقارب عن ما يسمونه دوما بـ "ذكريات الزلزال". أما بالنسبة للأحداث السياسية التى جرت فى 2011 وما تلاها فهذه الأحداث قد عايشتها بنفسى، حيث كنت أشارك فى المسيرات والمظاهرات واختنقت بالغاز المسيل للدموع وانقطعت بيّ السبل فى "جمعة الغضب" الشهيرة، وكنت قاب قوسين أو أدنى من الإصابة بالرصاص العشوائى الذى كان يُضرب من حيث لا ندرى.

  الرواية استغرقت منك حوالى 4 أو 5 سنوات لكتابتها، لماذا تأخرتِ كل هذا الوقت لنشرها؟ ولماذا قررت الاشتراك بها فى المسابقة؟

أربع أو خمس سنوات مدة معقولة جدا، ليست بالطويلة التى يمكن أن نسميها "تأخرا" كى يكتب شخص (يضع احتراف فن الرواية هدفا حياتيا وأولوية قبل أى شىء) روايته الأولى. خلال السنوات الخمس لم أتوقف عن الكتابة بشكل يومى، أُصبت بهوس تحويل كل ما أراه إلى كلمات على الورق أو على ملف وورد على جهاز اللابتوب، هذا الهوس جعلنى أكتب فى المطبخ والمواصلات ومكان العمل وحتى وأنا أغفو بعد عناء يوم طويل.

 لم يكن يمر مشهد "أعدّه غير عادى" دون أن أحوله لفقرة وصفية تداعب الحواس، النظر، الشم، اللمس، التذوق، السمع. كنت أرهف السمع للباعة الجائلين، أدون نداءاتهم بالحرف. أسرح فى عيون الأشخاص المتعبين وكبار السن المهمومين والفتيات والفتيان المنبوذين فى المدرسة، أدون ما أتخيله يدور فى أذهانهم وأصف هيئتهم ولغة أجسادهم. اليافطات والملابس المنشورة فى الشرفات والمواصلات وتحولات الحالة الجوية وغير ذلك من تفاصيل التفاصيل لكل ما هو موجود سواء كان حيا أو جمادا أفرغت له مساحة كبيرة من وقتى لأكتب عنه.

 تدربت كثيرا على الكتابة الوصفية ثم تدربت على الكتابة المكثفة وقرأت النصوص التى اشتهرت بها مثل مجموعة "تأملات" لفرانز كافكا. ولم أعد أقرأ النصوص الروائية أو القصصية لمجرد القراءة ومتعتها، وإنما من أجل دراستها وفهم طريقة كتابتها والتأمل العميق للغة المجازية وتماهيها مع بيئة النص.

 هل معنى ذلك أنك كنت واعية بضرورة عدم استعجال النشر؟

كنت أعى جيدا أنه لا يجب استعجال نشر النص الأول قطّ ،وأنه عليّ -طالما أريد أن أتحقق فى كتابة الرواية- التأنى والمثابرة حتى الوصول إلى درجة من الكتابة الإبداعية مرضية لى، حتى يتراءى لى أننى على قدر مسئولية النشر، فعندما أعيد قراءة ما كتبت بعد شهور عدة أشعر بالرضا التام والفخر بهذا المستوى من الكتابة.

 وما الذى حمسك للمشاركة بها فى جائزة؟

المسابقة فرصة حقيقية لعرض النص على لجنة تحكيم قوية من أساتذة فى النقد والأدب وكتاب مبدعين، لديهم من المهنية والعلم ما يقود كتابتى للأفضل. الرواية مرت على مراحل كثيرة من التصفيات حتى وصلت إلى القائمة القصيرة ليمنحنى القدر الجائزة بإجماع لجنة التحكيم. وهذه بداية مطمئنة أننى أسير فى كتابتى على الطريق السليم ودافع كبير كى أستمر فى تطوير نفسى دون ملل.

 ما الصعوبات التى تواجهك أثناء الكتابة؟

عند الكتابة أدخل كليا فى قوقعة تفصلنى عن العالم الخارجي، أتلبس فيها الشخصية المحورية فى المشهد تماما مثلما يفعل الممثل القدير حيث يتحول إلى شخص آخر لا يشبهه فى شىء، التقمص التام يتلبس جسدى وروحى معا، فأشعر تماما كما تشعر الشخصية، وأبدأ فى تحويل تلك الحالة التى دخلت فيها إلى كلمات وجمل وفقرات، تستأثر بى الشخصية ولا تتركنى إلا وقد أفرغت كل حالتها النفسية والشعورية والجسدية على الورق أو جهاز اللابتوب. ربما لا تسمى هذه بصعوبة بالمعنى الحرفى غير أن هذا الأداء فى الكتابة قد يصيبنى بتعب نفسى وإجهاد ذهنى وقد أعانى فترة من كوابيس ليلية مؤرقة إن كان فى المشهد قسوة سواء جسدية أو نفسية.

 من أهم الكتاب الذين تأثرتِ بهم؟ ومن مثلك الأعلى فى الكتابة؟

الكثيرون تأثرت بكتابتهم. مثلا خيرى شلبى -وكان أول ما قرأت له رواية "نعناع الجناين"- أحببت أكثر ما أحببت فى روايته تلك التدفق الثرى فى الشخصيات والأحداث اللانهائية وكأنها محيط لا شطّ له يعج بحيوانات بحرية من كل شكل ولون، مع الإشارة للتفاصيل التى تميز كل شخصية عن غيرها. يوسف إدريس -الذى أكثر ما أحب له روايته القصيرة "قاع المدينة"- تأثرت بالتحول الوصفى من الطبقة الاجتماعية العليا إلى الطبقة الاجتماعية التى كل ما فيها بؤس فى بؤس، التحول من قمة المدينة إلى قاعها، حيث هبط البطل درجات حتى يصل إلى بيت الـ "شغالة" التى عملت فى بيته.

لم يكن لدىّ قط مثل أعلى للكتابة، غير أن لدىّ مثلا أعلى فى الكتابات، أذكر منها ثلاثية "لا أحد ينام فى الإسكندرية" لإبراهيم عبد المجيد، "السندباد الأعمى" لبثينة العيسى، و"عداء الطائرة الورقية" لخالد حسينى، "قشتمر" لنجيب محفوظ، "ماكيت القاهرة" لطارق إمام، "الابنة الغامضة" لإيلينا فيرانتي، "ممر بهلر" لعلاء فرغلي، "المتجول" لبول هاردينج، وغيرهم.

 ما أهم المشاكل التى تواجه شباب الكتاب حاليا؟ وما الذى يحتاجه الشباب المبدع للاستمرار فى الكتابة ؟

ليس ثمة ما يواجه الشباب من مشاكل حاليا مثل ما يتعلق بعملية النشر، حيث لدى بعض الأصدقاء من الكتاب والكاتبات الذين أتمّوا كتابة نصوصهم الروائية بكل شغف وصدق وإتقان، ولم تتح لهم أى دار نشر فرصة النشر بعد، تحفظا على القضايا التى تثيرها، كما أن بعض دور النشر تطلب مبلغا ماليا مقابل النشر، وهذا سياسة جارفة تخلق بيئة قاتلة للإبداع وحرية الفن.

أهم ما يحتاج الشباب حاليا هما الحرّيتان: حرية الكتابة وحرية النشر. وأعنى بحرية الكتابة أن يعبّر الكتاب عن كل هواجسهم بحرية مطلقة دون تضييق أو تقنين. وحرية النشر فلا يحقّ لأى جهة مصادرة أعمالهم ومنعها من النشر. فهذا أمر محبط للغاية قاتل للإبداع ويتنافى تماما مع ما ننادى به من حرية الإبداع الحقيقى الذى يثرى الساحة الثقافية بالأعمال المميزة الجديدة والجريئة فى قضاياها وأسلوبها.

 هل الجوائز مهمة للمبدع خاصة فى بداية مشواره الإبداعى؟ وهل هى مؤشر عادل للتقييم؟

الجوائز دافع معنوى قوى جدا للكاتب خاصة فى بداية مشواره الإبداعى، فهى تتويج لدأبه الطويل فى عملية الكتابة التى عمل على تطويرها فى صمت على مدار أعوام، وتعطى الفرصة للكاتب كى يتعرف الكثير من القراء والنقاد والكتاب على كتاباته، فلا يوجد كاتب لا يحب أن تُقرأ نصوصه ولا يحب أن يتعرف على آراء الآخرين البنّاءة. لكل جائزة معاييرها الخاصة فى التقييم ومراحلها المتتالية فى التصفيات، غير أن الرواية فى نهاية المطاف فنّ ولكل فنّ ذائقة، وهنا يجب أن نحترم أن الجائزة هى مجموع المعايير والذائقة معا.

 ما مشروعك الأدبى القادم؟

أعمل على كتابة رواية ستكون مختلفة كليا عن "شباك المنور"، من حيث الشخصيات، والقضايا المثارة وحتى طريقة السرد. ستكون هناك فرصة لظهور شخصيات أكثر ولكل شخصية قضيتها التى تخصها. سيربط بين الشخصيات رابط بالطبع يجعلهم جميعا يتشاركون نصا روائيا واحدا.

 	أميرة سعيد

أميرة سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد