كان الليل قد انتصف، حين دخل "خطَار" بيته، مسرعا فى اتجاه البندقية المعلقة، وما أن تلقفها حتى أسرعت زوجته إلى "رضية" أمه، أيقظتها من النوم، فهبت الأم من فرشتها، ولحقت به قبل أن يتجاوز باب البيت، أغلقت "رضية" الباب ووقفت أمامه.
-واخد العصاية رايح فين؟
-بيمين لأبندقه.
-مين ديتى اللى تبندقه؟
-اللى مش عارفينله أصل ولا ناس، اللى اسمه فاوى.
-وإيه عملك عشان تبندقه؟.
-شغال يقول للناس الحاج إبراهيم متجوز ومخلف، أنا عارفه ابن الكلب ده زين، عايز يجوز الحاج إبراهيم لحد من بناته، عشان عينه على الأرض.
-وأنت مالك باللى بيتجوز ولا اللى يطلق، ولا اللى يقول؟
-كيف مالى؟، دى أرضنا، بيمين لأبندقه، وسعى من قدامى.
كانت رائحة الخمر تفوح من فمه، وحالة السكر واضحة على حركته، وكانت "رضية" تعرف أن ابنها إذا شرب فهو أقرب إلى جلب المشاكل والجُرس، لذلك فاجأته بصفعة على وجهه. وضعت الزوجة يدها على فمها من المفاجأة، لم تكن قوة الصفعة تتناسب مع جسد "رضية" الهزيل وهيئتها الضعيفة، لكن صوت صفعتها أيقظ من بقى فى البيت نائما، من لم يستيقظ لصوتهما العالى.
كان "القط"، أخيه الأكبر، يسمع الحوار من غرفته، ولم يستجب لزوجته بأن يقوم ويرى ماذا يحدث من البداية، لم يقم إلا بعد أن سمع صوت الصفعة، حينها فقط ترك فرشته، وتقدم إلى أخيه وأمسك البندقية ليأخذها منه، لم يكن الأمر سهلا، حدث بعض المناوشات والشد والجذب، فى النهاية، خرج "خطار" مسرعا من البيت، علقت الأم:" اطلع ورا أخوك، مش ناقصين جُرس فى انصاص الليالى"، فرد عليها: "ادخلى نامى يا امه، مش هيعمل حاجة".
كان "القط" مصيبا، فـالخمر برغم كل ما تضفيه من تصرفات سيئة على شخصية "خطَار"، غير أنها لا تتخطى "الزعيق" و"الدوشة"، خطورة "خطَار" ليست حين يكون فى حالة سُكر، بل حين يكون عقله يقظا، وقتها يخطط كما لو كان شيطانا.
سمع الحاج إبراهيم، زعيق "خطَار" وهو فى بيته، كان جالسا على سجادة صلاته، بيده سبحته، يحدث الله، يبث له أحزانه وأفكاره، ويطلب الهدى إلى الطريق المستقيم.
أنجب عيسى 7 أبناء، مات منهم 3، فى كل مرة كان يكبر الطفل، حتى يمشى على قدميه، ثم لسبب ما يموت، اعتقدت "رضية" أنه الحسد، ولصرف العيون التى تفلق الحجر، قررت أن تختار لابنها الرابع اسم "القط"، فعاش، فاختارت للخامس اسم "البس"، فعاش، وحين رزقها الله بفتاة، تدخل عيسى/ والدها، فسمّاها "محروسة"، وانقطع الخلف لسنوات وصلت لثمانٍ، حتى رزقهما الله بـطفل جديد، ولأنه خطر عليهما دون انتظار وقد اقترب الاثنان من الخمسين، سمياه "خطَار".
لم يعايش "خطَار" والده كثيرا، كان فى العاشرة حين مات عيسى، هو بالكاد يحتفظ بمشاهد قليلة عنه، لم يشاهد تلك العلاقة المتلاحمة بين الشقيقين عيسى وإبراهيم، على عكس القط والبس، اللذين شاهدا مشاهد لتوابع استرداد الشقيقين لأرضهما وطريقة تمسكهما ببعض رغم اختلاف الطباع. تربى "خطار" فى بيت أخواله، وقد دللوه كثيرا، هم أول من علموه شرب الخمر، وكانوا عصبيين، يبحثون عن زعامات لم يطُلها قط، غير أنهم استمروا كى يكونوا من كبار "ضرار"، دون أن يكونوا "كبارا".
أما "القط"، الأخ الأكبر لـ "خطار"، فقد عاش فى كنف والده، تعلم منه حب الخيل وركوبه، وتعلم ضرب النار على البندقية أم روحين، وورث من أبيه حبه لـ إبراهيم، ورغم ما يظهر من تلك المهارات على أنه قوة، فقد كان "القط"، شخصية سهلة، تبدو ضعيفة، يرى ويشاهد ويفهم ما يدور من حوله، لكنه لا يفضل التدخل فى الغالب، أو لا يفضل التدخل مطلقا.
على عكس "البس"، الذى لا يجهد نفسه بالفهم العميق للأشياء، غير أنه دائما فى صدارة المشهد، ثقته بنفسه تغطى على أفكاره وانحيازاته التى غالبا ما تكون سطحية وخاطئة.
أما "محروسة"، فهى لم تحب عمها قط، بعد أن عاشت نصف حياتها فى "سخرة" من أجله، سخرة فرضها عليها عيسى ورضية، أبوها وأمها، منذ أن مرضت زوجة الحاج إبراهيم، ومن بعد موتها، و"محروسة" تذهب إلى الحاج إبراهيم بالفطار والغداء والعشاء، تجهز له أبريق الوضوء، تغسل ملابسه، ولا تهدأ عن خدمته بصوانى الأكل والشاى والقهوة لضيوفه من الدراويش والمجاذيب، لم تر فيهم "شىء لله"، كما يقول عمها، لكنها رأت فيهم مستغلين، وكثيرا ما تساءلت: لماذا لا يأتى العم بزوجة تخدمه وضيوفه؟، ومن قبل، لماذا لم يتزوج على العاقر، حتى ينجب له "عيل" يخدمه؟.
و"محروسة"، هى أول من وضعت فى نفس "خطَار"، فكرة تقسيم أرض الحاج إبراهيم بينه وبين أخوته، وغذتها فى عقل "البس"، وكانت كريمة وهى تضع فى حساباتها نصيب أخيها الأكبر، "القط"، دون أن تفاتحه فى الموضوع، فهى تعرف أنه إن استمع لها لن يقبل، وإن حدث وقبل، لن يفعل شيئا من أجل تحقيق ذلك.
كانت الشمس مشرقة، تعاكس أشعتها الذهبية أبريق الوضوء النحاسى، فيحمل ضوءها إلى وجه الحاج إبراهيم، بدا مبتسما وهادئا بملابس بيضاء، وحين رفع الأبريق كى يتوضأ، ظهر أسفله، شجرتان، كبرتا فجأه أمام عينيه، إحداهما كانت "ليمون" طارحة، ثمارها جاهزة للقطف والحصاد، والأخرى لم يستطع التعرف عليها ولا على ثمارها، كانت غريبة، أخذ فأسا، وراح يحيط الشجرتين بدائرة، ويهيئ لهما التربة، ثم سقاهما من ماء الأبريق.
طاردت هذه الرؤيا منام الحاج إبراهيم، فجعلت عقله مشغولا بها منذ الصباح، لم يهدأ إلا بعد أن ذهب للشيخ "حسان"، شيخ المسجد العتيق بـ "ضرار"، فرد الشيخ :"أبشر يا حاج إبراهيم.. أبشر"، ثم اتفق معه أن يتحدثا فى هذه الرؤيا بعد صلاة العصر.
نقل الشيخ ما قاله ابن سيرين، بأن إذا حلم الشخص بشجرة ليمون على أرضه أو أرض بيته، وكانت ثمارها ناضجة وجميلة دلّ ذلك على كونه شخصا صادقا يحرص على فعل ما يقول، وعلى زيادة رزقه من الأولاد، بينما إذا رأى الشخص فى الحلم شجرة لا يعرفها، كان ذلك دليلًا على حدوث مشكلة كبيرة بداخل المنزل بين العائلة وبعضها البعض.
هز الحاج إبراهيم رأسه، غمرته السكينة بتفسير شجرة الليمون على أرضه، وبشارة الرزق والأولاد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...