البطل الشهيد قتلته رصاصة جندى مصرى بطريق الخطأ لأن قائد السيارة التى كان راكباً فيها لم يستجب لنداء «قف» وفاضت روحه إلى بارئها فى مدينة «الفالوجا» تولى القوات العربية «الخفيفة» بقرار من حيدر باشا وزير الحربية وحقق انتصارات على عصابات الصهاينة فى دير البلح وخان يونس وصحراء النَّقَب قام بإعداد خرائط عسكرية لمواقع العدو وقدمها للجيوش العربية السبعة التى جاءت لنجدة الشعب الفلسطينى وجمع معلومات دقيقة عن أعداد العصابات اليهودية وتسليحها
العقيدة القتالية للجيش المصرى تقوم على الموت فى سبيل الوطن ومقدساته وترابه، وكانت حرب فلسطين فى العام 1948 أول مواجهة بين "الجيش المصرى" وعصابات اليهود الصهاينة، الذين كانوا غزاة مدفوعين برغبة بريطانية، تستهدف توظيف الأساطير التلمودية، التى تتكلم عن أرض الميعاد، فى سبيل الحصول على القطن من مزارع فلسطين، يزرعها "اليهود الصهاينة" لتدور ماكينات مصانع النسيج فى "لانكشير" البريطانية، وتضخ الأموال فى بنوك تملكها الطبقة الحاكمة، وكان الدفع باليهود من أوربا إلى فلسطين له فائدة أخرى تتمثل فى رغبة اليهود فى امتصاص خيرات الشعب، من خلال تجارة الجنس وتجارة العملة وتقديم الخدمات التى تدرالأرباح، دون التورط فى العمل المنتج، وكان على ضباط الجيش الوطنيين فى مصر الاختيار بين "الدفاع عن الوطن" أو البقاء تحت راية "جلالة الملك فاروق"، واختار الضابط "أحمد محمد عبد العزيز" أن يسافر إلى فلسطين ليحارب "عصابات الصهاينة" المدعومة من بريطانيا، قبل أن يدفع "فاروق الأول" بالجيش للقتال ومعه جيوش عربية أخرى، وتولى "أحمد عبد العزيز" قيادة فرقة المتطوعين العرب الذين تطوعوا للجهاد فى سبيل تحرير فلسطين من اليهود.
من قلب عائلة عسكرية، جاء "البطل أحمد محمد عبد العزيز" والتاريخ العائلى له متضافر، متشابك مع التاريخ الوطنى، فوالده" الأميرآلاى محمد عبد العزيز" كان قائد الكتيبة الثامنة بالجيش المصرى فى السودان، وكان مولد "أحمد" فى مدينة الخرطوم فى "20 يوليو 1907" ووالده ـ الأميرآلاى محمد عبد العزيزـ كان منحازاً للثورة فى العام 1919، بل سمح لجنوده بالمشاركة فى مظاهرات الثورة التى تطالب بالحرية، وخروج جيش الاحتلال البريطانى من الأراضى المصرية، وفى هذا المناخ الثورى الوطنى، تشكل وعى الشاب "أحمد محمد عبد العزيز" وكان أول عمل وطنى له فى سن الشباب، الاشتراك فى ثورة 1919، ولما بلغ سن العشرين أو أكثر قليلاً، دخل السجن متهماً بقتل ضابط إنجليزى، وبعد الإفراج عنه أبعدته "الداخلية" إلى مدينة "المنصورة"، وكان مشهوراً بين أقرانه بالخلق الحسن والوطنية الحقيقية والإيمان بالله، والميل إلى الجهاد فى سبيل الوطن، وكان التحاقه بالمدرسة "الحربية" ليكتمل الهدف، ويكون العلم العسكرى داعماً لإيمانه بحرية بلاده، وكان انتظامه فى الحربية ابتداءً من العام 1928، وعقب التخرج انتظم ضمن قوات "سلاح الفرسان" وتفوّق فى الدراسة، فأُختير ليدّرس للطلبة مادة التاريخ العسكرى، وتخرج فى كلية القادة والأركان، وواصل صعوده العسكرى حتى بلغ رتبة "القائمقام" أو"العقيد" وظهرت على الساحة السياسية المصرية، قضية الصراع بين عرب فلسطين والعصابات اليهودية الصهيونية المسلحة، وهذه القضية ليست جديدة، لأن ثورة شعب فلسطين ضد هذه العصابات تفجّرت فى العام 1936 ولقيت الدعم المادى والمعنوى من الوطنيين المصريين المؤمنين بالعروبة "الثقافية" والمؤمنين بأن فلسطين فيها مقدسات إسلامية ومسيحية، لكن "العروبة" والجامعة العربية، لم تكن موجودة فى سنوات العشرينات أو الثلاثينات من القرن العشرين، وكان ظهورها فى النصف الثانى من أربعينات القرن العشرين، ومن خلالها كانت الدعوة لحشد المتطوعين من الشباب العربى للقتال فى فلسطين إلى جوار الشعب الفلسطينى، فى مواجهة عصابات الصهاينة اليهود المدعومين بالسلاح البريطانى.
البطل فى فلسطين
فى أربعينات القرن الماضى كان المشهد العربى مؤسفاً، فالحرب العالمية الثانية انتهت، والدول الواقعة تحت الاحتلال البريطانى والفرنسى تعيش حالة غليان، وجاءت فكرة تأسيس الجامعة العربية، بالتزامن مع تزايد المواجهات بين العرب واليهود الصهاينة فى فلسطين، وتطورت الأوضاع إلى الأسوأ، وجاء العام 1947 ليشهد صدور قرار تقسيم فلسطين بين العرب والصهاينة، ودخلت الجيوش النظامية العربية ودخلت فرق المتطوعين العرب إلى فلسطين، وكانت بريطانيا تدعم العصابات الصهيونية، حسب مشروع إقامة "الوطن القومى لليهود" الذى وعد به "بلفور" وزير الخارجية البريطانى فى العام 1917، وكان "أحمد محمد عبد العزيز" أول ضابط من الجيش المصرى، يتقدم إلى قيادة الجيش بطلب إحالته إلى الاستيداع، ليكون قادراً على السفر إلى فلسطين مجاهداً فى سبيل الله والوطن والعروبة، واستطاع أن يكون على أرض فلسطين قائداً للمتطوعين أو ما أُطلق عليه "القوات الخفيفة"، وقبل أن يتولى القيادة قام بتنظيم تدريب وقبول المتطوعين العرب، وكان يرى أن قتال عصابات الصهيونية فى فلسطين يجب أن تتولاه كتائب المتطوعين، لا الجيوش النظامية، لأن دخول الجيوش النظامية العربية، هو اعتراف بهذه العصابات وفرصة لها لتعلن نفسها "دولة"ورغم أنه كان ضد دخول الجيوش العربية النظامية، حارب تحت راية هذه الجيوش ومعه "زكريا الورديانى" المغربى المجاهد، فكان وصول كتائب المتطوّعين إلى مدينة "العريش" فى الثالث من مايو 1948، وكان فى استقبالهم، المجاهد الفلسطينى "عبد الرحمن الفرّا" رئيس بلدية "خان يونس" وعضو الهيئة العربية العليا التى تشكلت للدفاع عن فلسطين، والشيخ "محمد عواد" رئيس بلدية "الفالوجا" ومصطفى العبادلة، وعُقد اجتماع بحضور ضابط المخابرات الحربية المصرى "عبد المنعم النجار" وعبد الهادى شعبان والضابط "كمال الدين حسين" واليوزباشى "عبد العزيز حماد" الذى أصبح فيما بعد مديراً لمكتب "اللواء محمد نجيب" ـ رئيس جمهورية مصر بعد ثورة يوليو 1952ـ ووضع "القائمقام أحمد عبد العزيز" خطة لدفع قوات المتطوعين داخل أرض فلسطين، بالاعتماد على الدواب التى يمكنها حمل المدافع والقطع الحربية، وتواصل عمل المتطوعين ليل نهار، وكانت نقطة تجمع المتطوعين هى "مدرسة خان يونس" ومنها يتم نقل المجموعات القتالية إلى مواقع محددة داخل فلسطين، وبعد انتهاء عملية نقل الأسلحة والرجال ـ قرر" أحمد عبد العزيز" مهاجمة مستعمرة يهودية هى "كفارداروم" بالقرب من "دير البلح" ورغم أن هذه المستعمرة، كانت محصنة إلا أن المتطوعين العرب هاجموها وألقوا الرعب فى نفوس سكانها الصهاينة، وواصل المتطوعون العرب ـ المجاهدون ـ سيرهم إلى مدينة "دير البلح" وكان "أحمد عبد العزيز" هو القائد الذى وضع خطة حصار الصهاينة المتواجدين فيها، وحاول الصهاينة التصدى لقوات المتطوعين العرب، بسيارات مصفّحة، وكان ـ القائد العربى جاهزاًـ وفاجأ هذه السيارات المصفحة بمجموعات قتال، استطاعت تدميرها، وكانت فى الوقت ذاته مجموعات أخرى من المتطوعين تقوم بمهاجمة المستعمرات الصهيونية، وتمكن المتطوعون العرب من دخول "دير البلح" وتطهيرها من العصابات الصهيونية، وتوجه ـ القائد أحمد عبد العزيز ـ بقواته إلى مدينة "غزّة" ومعه المجاهد "الحاج موسى الصورانى" عضو الهيئة العربية العليا، ومنها إلى مدينة "بئر سبع" ثم مدينة " الخليل" وفيها انضم إليه القائد الأردنى "عبد الله التّل" الذى انشق عن الجيش الأردنى ووضع نفسه وقواته تحت قيادة "القائد أحمد عبد العزيز"وهنا وقف البطل المجاهد القائد المصرى وخطب فى المقاتلين العرب:
ـ أيها المتطوعون، إن حرباً هذه أهدافها، هى حرب مقدسة، وهى الجهاد الصحيح الذى يفتح أمامنا أبواب الجنة، ويضع على هاماتنا أكاليل المجد والشرف، فلنقاتل العدوّ بعزيمة المجاهدين، ولنخشَ غضب الله، وحكم التاريخ إذا نحن قصّرنا فى أمانة هذا الجهاد العظيم..
قبّة راحيل
بدأ القائد "أحمد عبد العزيز" استكشاف الخطوط الدفاعية للعدو الممتدة من الجهة الشرقية الجنوبية لمدينة القدس، بالقرب من "قبّة راحيل" ومدخل "بيت لحم" الشرقى، حتى مستعمرات "بيت هكيرم" و"بيت فيجان" و"يفنوف"، ونشر قواته فى مقابل هذه المستعمرات، وأعاد رسم الخرائط العسكرية للمواقع فى ضوء التواجد اليهودى فى هذه المواقع، الأمر الذى سهّل مهمة الجيوش النظامية العربية التى دخلت ـ فيما بعد ـ وعندما تقدمت قوات الجيش المصرى فى مدن فلسطين، طلبت من ـ عبدالعزيز ـ العمل تحت قيادتها، ووافق وأصبحت مهمته الدفاع عن مدينة "بئر سبع" وحماية "ميمنة الجيش المصرى" والدفاع عن مدخل فلسطين الشرقى، وبالفعل جمع "أحمد عبد العزيز" قواته واخترق صحراء النَّقب، ماراً بمستعمرة "العمارة" وقصفها بالمدافع، ودخل "بئر سبع" وقابله أهلها بالترحاب والفرح، وقصف بالمدفعية مستعمرة "بيت إيشل" الحصينة، ثم قام بتوزيع القوات، فجعل مجموعة من المتطوعين تحت قيادة "زكريا الوردانى" وكلفه بمهمة احتلال "العوجة" و"العسلوج" واستبقى مجموعة بقيادة "محمد عبده" للدفاع عن "بئر سبع" ومعه الضابط الأردنى عبدالله التلّ، وكانت مستعمرة "رمات راحيل" تشكل خطورة، نظراً لموقعها المهم على طريق قرية "صور باهر" وطريق "القدس ـ بيت لحم" فقرر القيام بهجوم على هذه المستعمرة بتنسيق وتعاون مع قوات "عبد الله التلّ"، وقصفت القوات المصرية النظامية المستعمرة، ثم زحف المشاة، يتقدمهم حاملو الألغام، وأصبح اليهود فى حالة ذعر وارتباك، وسرى فى البلاد المحيطة خبر انتصار قوات "عبدالعزيز" وجاء عرب فلسطين، وانشغلوا بجمع الغنائم، وتوقف المقاتلون العرب عن القتال، ووصلت تعزيزات من عصابات الصهاينة، وانقلب النصر إلى هزيمة!
ورغم أن البطل أحمد عبد العزيز استطاع بقواته من المتطوعين العرب إلحاق الخسائر بالعصابات الصهيونية واستطاع حماية مدن فلسطين، إلا أن قبول الحكومات العربية عقد هدنة مع الصهاينة لمدة أربعة أسابيع، منح الصهاينة فرصة الحصول على الذخيرة وإعادة تنظيم الصفوف، واستطاعوا احتلال قرية "العسلوج" وفيها مستودع الذخيرة الذى يستمد منه الجيش المصرى احتياجاته، ولجأ الجيش المصرى إلى المتطوعين العرب بقيادة أحمد عبد العزيز، واستطاع استعادة القرية من الصهاينة، واستطاع صدّ هجومهم على "جبل المكبر" المطل على القدس.
شهيد العروبة
يقول مؤرخو حرب فلسطين إن "أحمد عبد العزيز" وقوات المتطوعين العرب أحرزوا انتصارات كبرى على عصابات الصهاينة، وأجبروهم على التنازل عن مساحات شاسعة من أرض فلسطين، وجرت مفاوضات بين الجيوش العربية، وممثلى الصهاينة فى مقر قيادة القوات العربية فى القدس، بحضور القائد الأردنى "عبدالله التلّ" وانتهت هذه المفاوضات فى ليلة 22 أغسطس 1948، و رغب "أحمد عبدالعزيز" فى تبليغ نتائج هذه المفاوضات إلى قيادة الجيش المصرى فى مدينة "المجدل"، وكانت المعارك بين الجيوش العربية وعصابات الصهاينة على أشدّها على الطريق المؤدى إلى "المجدل"، وأصر ـ عبد العزيزـ على الوصول إلى مقر قيادة الجيش المصرى، ورغم كل التحذيرات ومحاولات منعه من السير فى ظل هذه المخاطر، أصر على المضى فى طريقه وهو يردد قوله تعالى "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا"، وكان معه الضابط المغربى "الوردانى" واليوزباشى "صلاح سالم" من الجيش المصرى "عضو الضباط الأحرار ووزير الإرشاد بعد ثورة 23 يوليو 1952"، وكان قائد القوات العربية هو اللواء "أحمد المواوى"، وكانت منطقة "عراق المنشية" مستهدفة من عصابات الصهاينة مما دعا قيادة القوات العربية إلى منع السير فى هذا الطريق ليلاً، وكانت كتيبة مصرية متمركزة فى هذا الطريق لديها أوامر بمنع مرور السيارات والأفراد فى الليل، ولما وصل "أحمد عبد العزيز" عند النقطة التى يحرسها "العريف بكر الصعيدى" صرخ ـ بكر ـ فى سائق سيارة "عبد العزيز" ليتوقف، ولم يسمع السائق وواصل السير، فأطلق الحرس النار، وسقط "البطل أحمد عبدالعزيز" شهيداً، فى سبيل الله والوطن والعروبة.
مذكرات القائد
كان الشهيد البطل القائد أحمد عبدالعزيز، يدون يومياته طوال فترة وجوده على أرض فلسطين، وعُثر على هذه اليوميات أو المذكرات التى كتبها ـ رحمه الله ـ وقام المؤرخ العسكرى "محمد فيصل عبد المنعم" بنشرها فى كتابه الذى حمل عنوان "اسرار حرب 1948" الذى صدر فى العام 1968 مستنداً إلى كتاب من تأليف "أبوالحجاج حافظ" خصصه للشهيد البطل، ونشرت مجلة "صباح الخير" المصرية هذه المذكرات ونحن ننشر منها ما تيسر..
"31 مارس 1948"
ـ إن هذا اليوم هو أسعد أيام حياتى، لقد قابلت اليوم "محمد حيدر باشا" وقال لى وهو يصافحنى: ياعبد العزيز إننى أتتبع خطاك منذ كنت عضوًا فى لجنة الحكام فى مباريات الفروسية، وكنت متسابقاً دائمًا فيها، وعندما تلقيت جائزة الموضوعات العسكرية، وضعت عينى عليك وعرفت أنه سيجئ يوم تُكلَّف فيه بعمل مهم، إن أمامك مهمة خطيرة، لقد قررت أن أعهد إليك بقيادة القوات العربية الخفيفة، وبينما نحن نتحدث دخل "عزّام باشا"أول أمين لجامعة الدول العربية، واستمر الحديث، وعلمت أن الجامعة العربية ستعهد إلى َّ بقيادة فرقة المتطوعين التى تم تكوينها من أبطال ذوى همَّة وعزم، أبطال من مصر، ورجال عاديون وضباط جيش وجنود طلبوا الإحالة إلى الا ستيداع ليجاهدوا فى فلسطين، وأبطال من ليبيا وتونس ومراكش والسودان وغيرها من البلاد العربية .
"العريش ـ 6 أبريل 1948"
ـ أعددت كل شىء، وغداً أتسلل عند منتصف الليل عبر الحدود مع الملازم "ص" وهو من الذين طلبوا إحالتهم إلى الاستيداع لينضموا إلى صفوف فرقتنا، فرقة المتطوّعين، ولقد التقيت به فى القاهرة ـ أمس ـ وأحس كل منا أنه يعرف صاحبه منذ سنين، وعلى أية حال قضينا اليوم كله فى العريش نجمع المعلومات من القادمين من الناحية الأخرى من الحدود، وثمة سؤال يهمنى "كيف يحارب اليهود؟"
السبت 7 أبريل 1948
ـ عدنا فجر اليوم من رحلتنا عبر الحدود، إن المعلومات التى عرفناها لا تقدر بثمن، لقد طفت بالمواقع المحيطة بغزّة التى أعتقد أن فرقتنا ستقوم فيها بأول اشتباكاتها مع العدو، ولقد تسللنا قُرب بعض المستعمرات ونحن بملابس البدو، وأنا أظن أن معلوماتنا عن التسليح اليهودى يجب أن تتغيّر، وعلينا أن نضع كلمة "قلعة" مكان كلمة "مستعمرة" وطفت بشوارع "غزّة" واتصلت بالأفراد الذين كان يلزم أن أتصل بهم لمساعدتى فى مهمتى، ومن سوء الحظ أن أحدهم لم يقدّر ضرورة السّرية فى مهمتى، فقد جاءنى فى اليوم التالى للقائنا السرّى يقول لى إن اللجنة القومية لغزّة تنتظرك وأعضاؤها يتحرقون شوقاً لمقابلتك، وذُهلت وقلت له: "ومن أخبر أعضاء اللجنة بأننى هنا؟" وقال لى ببساطة: "أنا" لكن لا تخف، وقررت أن أذهب لسبب واحد هو أن أرجو أعضاء اللجنة أن يحفظوا السر، ودخلت اجتماع اللجنة ومعى الملازم "ص" وقلت لأعضائها: ليس هناك ما يمكن أن تسمعوه منّى، إن الشىء الوحيد الذى أرجو أن تسمعوه هو صوت مدافعى عندما تجىء هنا..
الخميس 22أبريل 1948
ـ اليوم فى صفوف الأبطال الذين اصطفّوا فى طابور الاستعراض، أخذت ُ أتفرّس فى وجوههم، وأحاول أن أستشف خلال التقاطيع الصارمة روح الإيمان المتدفق، ثم بدأت أتحدث إليهم، حدثتهم عن مهمّتنا وشرحت لهم هدفنا من القتال، وقبل أن أتركهم، طلبت منهم أن يكونوا على استعداد دائم، فنحن نتحرك فى أى وقت، إننى من المؤمنين بالمفاجأة، وأنا أحلم بالمفاجأة من نوع غير سارّ للعدوّ وأعتقد أن نجاحنا يتوقف على هذه المفاجأة، فهى فى رأيى الوسيلة الأولى لنجاح كل غاية أو مبدأ، صحيح أن بعض القُوَّاد ومنهم "فوش" لا يعتبرون المفاجأة مبدأً مهماً من مبادئ الحرب، لكن الظروف الحديثة تجعلها بالنسبة لجسامة الارتباك والرّعب الذى تُحدِثه فى قوات العدوّ مبدأً صحيحاً قائماً بذاته.. لا ينبغى أن يشعر اليهود بدخولنا، ولقد وجدتُ الطريق اليوم الذى يجب أن نسلكه، سوف يكون طريقنا هذا خيرطريق يحقق لنا المفاجأة.
الثلاثاء أول مايو 1948
ـ سنبدأ غداً والله معنا، تحادثتُ مع جنودى لآخر مرّة قبل المعركة، بعد أن أبديت لهم سرورى بما رأيته من روحهم واستعدادهم، قلت لهم سوف نبدأ غداً..أصدرت اليوم أول منشور مصرى فى فلسطين وقد وُزِّع على جميع المتطوّعين وسنوزعه على أهالى فلسطين عندما ندخل، كى يعلموا مهمتنا وهذا هو نص المنشور:
ـ من القائد العام لقوات المتطوّعين بالجبهة الجنوبية بفلسطين.. أيها المتطوعون، قبل أن نتحرك إلى جبهة القتال يجب أن نؤمن بالغاية النبيلة التى نحارب من أجلها، إننا نقاتل اليهود بفلسطين لأنهم قوم جحدوا نعمة الله عليهم وإحسان المسلمين إليهم، الذين تركوهم بينهم ينعمون فى بلادهم ويثرون ويتكاثرون حتى إذا ما أنسوا فى أنفسهم بعض القوة غدروا بالمسلمين وشرعوا فى اغتصاب أقدس ما لديهم وهو وطنهم العربى وتراثهم الإسلامى، إننا نحارب دفاعاً عن تراث العروبة ودرءاً لخطر جسيم يهدد كيان الدول العربية ومستقبلها، نحن نحارب فى سبيل الله لأننا لا نبغى استعماراً بل نريد أن نمنع أشنع خيانة وأفظع نوع من أنواع الظلم الذى لم يجد التاريخ مثيلاً له، نحن نحارب عدوّاً غادراً خائناً خبيثاً يقتل ويمثِّل بالأبرياء الذين آووه وتسامحوا معه كثيراً، نحن نحارب لحماية بلادنا وأولادنا وأحفادنا وأغراضنا وآمالنا فى المستقبل من خطر اليهود الذى لا يضاهيه خطر فى الشرق.
الجمعة 3مايو 1948
ـ قضينا يومين حافلين، فى الساعة التاسعة من مساء أول أمس، اخترق طابورنا الحدود، وعند الفجر أتممنا احتلال تلّ "على منطار" وفى الصباح فوجئت "خان يونس" بدخول فرقتنا إلى البلدة، وكان الناس ينظرون إلى معدّاتنا بذهول، وكأنهم لا يصدقون أننا هنا، ومضى النهار ونحن ننظم مواقعنا، وفى الليل بدأت مدفعيتنا تدكّ "بيرون إسحق" وكانت مفاجأة شاملة للعدو، ولقد سمعت "غزّة" لأول مرة فى هذه الحرب صوت المدفعية، وكانت مدفعية فرقتنا، واسترحت لأننى صدقت وعدى مع اللجنة القومية لغزّة ودخلنا "غزّة" نحمل أول الشهداء، وكان من المتطوّعين واسمه "فتحى"، لقد عدت منذ قليل من حفل تأبينه، وكنت قد قررت أن نحتفل رسمياً بأول شهيد من الجنود وأول شهيد من الضباط، إننى فخور بروح فرقتنا، لقد سمعت جندياً من المتطوّعين يقول لأحد الضباط متحدثاً عن "فتحى" شهيدنا الأول، إنه سعيد الحظ، وهذا هو الذى أتاح له الفرصة ليكون أول الشهداء.
ومازالت مقبرة البطل الشهيد "أحمد محمد عبد العزيز" فى "قبة راحيل" فى فلسطين، شمال "بيت لحم" وله نصب تذكارى، وبالقرب منه يوجد نصب آخر للشهداء العرب المتطوعين فى حرب فلسطين 1948 من المصريين والسودانيين والليبيين والأردنيين، ورفات الشهيد ـ أحمد عبد العزيز ـ نُقلت إلى مصر قبل حرب "5 يونيو 1967".
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة