السويس.. تجليات المكان المقاوم وروح «أرسينوى» الأسطـورى

المنجى رصد القصة الأسطورية بأحداث التاريخ فى السويس من الحرب العالمية الثانية إلى يونيو 1967

"تجليات المكان عند كتاب السرد فى السويس"، هو عنوان الندوة التى حاضر فيها الدكتور أيمن تعيلب، عميد كلية آداب السويس، والدكتور علاء الجابرى وكيل الكلية، والمؤرخ أنور فتح الباب وقدمها الناقد الأدبى قبارى البدرى. وتوقف المتحدثون عند أعمال ثلاثة من أعلام السرد الروائى فى السويس، وهم محمد الراوى، وعلى المنجى، ومحمد عطا.

بدأ الدكتور أيمن تعيلب، أستاذ النقد الأدبى الحديث، والعميد السابق لكلية الآداب جامعة السويس، حديثه عن جماليات المكان فى أدب محمد الراوى، معتبرا أن أهم ما يميز تشكيلات المكان فى أدب محمد الراوى أنها تقوم على حس تخييلى صوفى تأملى، كما يتبدى فى جميع رواياته (عبر الليل نحو النهار)، (الرجل والموت)، (الجد الأكبر منصور)، (الزهرة الصخيرية)، (الركض تحت الشمس)، (أشياء للحزن)، لكن خصوصيته تتمظهر بشكل أكبر فى رواية (تل القلزم)، حيث يناقش جوهر الوجود والإنسان والأشياء، عندما يحكى زكريا حكاية المكان قائلا "شهدت الطابية جزءا من الزمن القديم عندما جاء أجدادنا وحطوا فى المكان، واتخذوا لأنفسهم بيوتا متلاصقة متلاحمة"، ثم يتجلى المكان تارة أخرى من خلال روح أرسينوى ورمسيس الثانى، وعبر توظيف الربط بين الملك سوس والسويس باعتبارها مدينة مشتقة من اسمه وكنوزه المدفونة هناك فى الطابية.

ويوضح تعيلب أن جماليات المكان تتجلى أيضا عبر جسد الحبيبة آجى وجسد الحبيب زكريا الذى لم ينس جسدها، ورأى جمال الدنيا عندما غاصت يداه فى شعرها الذهبى المجنون، مشيرا إلى أن الراوى يدلف هنا من مكان جغرافى عام إلى مكان بشرى خاص، ثم ينتقل المكان إلى مرحلة أخرى من الفداء حينما يستشهد مصطفى.

ويشدد على أن رواية "تل القلزم" ليست سوى تتويج لإبداع الراوى، الذى يراه فيلسوفا عملاقا، وملحمة سويسية خلاقة بديعة تجسد روح الوطن بشقى الزمان والمكان بكل ما يستدعيانه من أمكنة عديدة وشخصيات متعددة ومواقف حاسمة مؤثرة، مرتئيا أن البعد المكانى هو البطل فى الرواية حيث يتواصل الماضى بالحاضر عبر جدليات متعددة، منذ بداية المكان القلزمى البيزنطى القديم مرورا بالعصر الإسلامى الوسيط وصولا للحاضر.

ويضيف: تتجلى روح المكان من خلال استدعاءات متعددة من روح التاريخ والزمان، وهو ما نلمسه فى استدعاء الراوى لشخصية الملك سوس وحكايته الشعبية، واستدعاء بطليموس الثانى الذى أتى بزوجته أرسينوى للسويس، واستدعاء شخصية آجى شقيقة الشاويش مصطفى، وهى معادل موضوعى لشخصية أرسينوى، ففيهما تمتزج دلالة تزاوج الماضى بالحاضر وماعانته السويس من الاحتلال الإنجليزى والاعتداء الصهيونى الإسرائيلى، ثم استدعاء موقعة كفر أحمد عبده وما تهدم فيها من بيوت لأنها كانت مأوى الفدائيين، وأحد أسباب جلاء الإنجليز عن مصر، قبل ثورة 1952.

ويرصد أستاذ الأدب أن الرواية تتنقل بالمكان من طور تشكيل جمالى أسطورى دلالى إلى طور تشكيلى دلالى واقعى، مصورةً تغاير أحوال الزمان والإنسان ليبقى المكان الوطن هو البطل الحقيقى، فتتحقق الذات الإنسانية عبر بنية الرواية كبنية حضور حى فعال فى العالم والواقع واللغة والتاريخ، وهو حضور يتمظهر خلال تجلياته المكانية الكائنة والممكنة والمستشرفة، بما يجسد حريته ووعيه، فالعالم لا قيمة له إلا بمقدار تمكن البشر فيه.

ويستنتج تعيلب أن المكان الجمالى، لا الجغرافى، يتجلى فى كل أعمال الرواى من خلال رؤية ميتافيزيقية صوفية تأملية بديعة تنظر للمكان بوصفه حركة نشطة خلاقة لبناء الإنسان والوطن والهوية، سواء الفردية أو الجماعية، لأن الفنان إذ يصمم فنه لا يخرج بفنه عن العالم، ولا يهرب بفنه من الوجود، فالفن صورة أخرى من صور الوجود داخل جسد العالم، يعبر عن الكد المجازى اللغوى المستميت للتحقق داخل أحياز جسد اللغة والتاريخ والواقع، فالإنسان لا يكون إنسانا بحق إلا بقدر تجذره وتمركزه وانزراعه داخل التاريخ، فالوجود الإنسانى وجود فى العالم وبالعالم.

وانطلاقا من إيمانه بأن التأريخ الأدبى كثيرا ما يقسو على تجارب إبداعية فذة فيقدم ما حقه التأخير، ويؤخر ما حقه التقديم، بسبب طبيعة التوزيع الإقليمى والبعد عن المركز، يرى الدكتور علاء الجابرى، أستاذ الأدب ووكيل كلية الآداب جامعة السويس، أن تجربة محمد الراوى الإبداعية لم تلق الاهتمام الذى يليق بكاتب فذ انبثق إبداعه المتميز من قلب تجربة السويس، فى أوج الفترة التى تغيرت فيها مصر بأكملها.

ويرصد الجابرى أن الراوى لم يكن بمقدوره أن يفر من سطوة السويس كإقليم متميز، جغرافيا وتاريخيا، فظل المكان، فى أغلب رواياته، قدرا لا يستطيع أحد الفرار منه، وتحكمت سطوة المكان فى تصويره لشخصياته وأحداث رواياته، لافتا إلى أن المكان مكون أصيل فى روايات "محمد الراوي" وعنصر مهيمن فيها بجانب الزمان والإنسان المتفاعل.

ويؤكد أن طبيعة السويس كحاضنة تاريخية للمقاومة، منذ فجر التاريخ وصولا إلى عهد الاستعمار البريطانى ثم الصهيونى، قد فرض على الراوى النظر للحياة بوصفها صراعا خالصا، وهو ما قدم البذور الأولى لطبيعة شخصياته والأحداث - الأقدار التى جعلت السويس فى المواجهة، فنراه يغض الطرف قليلا عن الاستفادة من المكان على المستوى الاقتصادى، فشخصياته لم تكن تهتم بالمكتسبات المادية على حساب خسارات الأرواح، غير أن هذا لا ينفى أن الراوى ككاتب فذ كان يمارس حنينا تجاه القديم، مستدعيا صورة المدينة التاريخية من خلال الحديث عن القلزم أو ارسينوى، حيث يلعب الموروث الأسطورى والتاريخى الدور الأكبر فى أداء وتمظهرات شخصياته الروائية.

أما المؤرخ والناقد الأدبى أنور فتح الباب فيخطو بنا خطوة فارقة، إذ يتناول تجليات المكان ليس فقط فى أدب محمد الراوى ولكن أيضا فى أدب روائيين سويسيين كبيرين، هما على المنجى ومحمد عطا، موضحا أن المكان يلعب دورا مركزيا فى كتاباتهم جميعا، نظرا لخصوصية السويس الجغرافية والتاريخية، طوال مختلف الحقب الزمنية، وما شهدته من أحداث وطنية ووقائع.

وحول رواية محمد الراوى "تل القلزم"، أشار فتح الباب إلى أن القلزم هو أحد أسماء مدينة السويس عبر التاريخ، حيث يخلق الراوى من الطبيعة أيضا جزءا من أسطورته، لكنه يجددها مع أحداث تاريخية، ذات طابع أسطورى، منها نشأة مدينة أرسنوى، وهى إحدى المدن القديمة، التى قامت على أرض السويس، وأنشأها الملك بطليموس الثانى لزوجته أرسينوى، مضيفا إلى ذلك معارك كفر أحمد عبده 1951 ضد الاحتلال البريطانى، ومشهد دفن الشهداء الذين قتلتهم القوات الإنجليزية، وهو المشهد الذى يعطيه الراوى طابعا أسطوريا عندما يعترض الإنجليز موكب النعوش، فتطير النعوش فى الهواء كرمز أسطورى لقيمة الشهادة من أجل الوطن وقوتها.

ويضيف: فى رواية "كنوز الملك سوس"، يلجأ الأديب على المنجى إلى اعتماد الطابع الأسطورى أيضا، محاولا أن يخلق من أسطورة الملك سوس، وهو ملك خلقته المخيلة الشعبية فى السويس، وليس له وجود تاريخى حقيقى، بعدا روائيا ودراميا، إذ يظهره كملك فرعونى أسطورى دفن كنزه فى طابية السويس، وصنع لهذا الكنز طلسما، بعد أن دفنه فى باطن القلعة، ولا يفك هذا الطلسم إلا بخروج ديك يؤذن وقت الفجر، ويمكن لمن يقبض عليه ويذبحه، أن يحصل على الكنز.

ويوضح أن المنجى ربط هذه القصة الأسطورية بأحداث التاريخ فى السويس بداية من الحرب العالمية الثانية إلى هزيمة يونيو 1967، عبر رصد حياة أسرة ممتدة تعيش ما بين منطقة الغريب والسلمانية، وهى ميناء سويسى قديم، ومنطقة الطابية وشارع صدقى، وهو شارع تجارى هام فى السويس، وصولا إلى مسجد سيدى الأربعين، حيث تمر حياة الناس بتطورات صاخبة عبر شخصية "المُكن"، ذات الطابع الأسطورى، والذى يرتدى ملابس رثة ويظهر فى هيئة بائسة، ويعمل على تحذير الناس فى كل مناسبة من مناسبات الحرب بخطورة ما سيحدث، فنراه فى أحداث حرب فلسطين 1948 ونراه فى أحداث المقاومة الشعبية فى معارك القناة، بدءا من 1951 إلى 1952، وفى العدوان الثلاثى فى 1956، ثم يظهر مجددا فى نكسة يونيو عام 1967، لكنه لا يلقى، مع كل ظهور، سوى استهزاء الناس وضرباتهم، وينهى على المنجى الرواية بقيام سلطات المدينة بهدم الطابية مع بداية حرب يونيو 1967 فى إشارة إلى تداعى الوطن وهزيمته.

ويتناول فتح الباب بعد ذلك رواية "زهرة الخشخاش" للكاتب محمد عطا، الذى يرصد فيها مشاهد من أجواء السويس فى فترة التأميم فى الخمسينات ورحيل الجاليات الأجنبية، حيث تدور أحداثها فى منطقه ميناء بورتوفيق حيث يعيش المهربون واللصوص والقوادون فى طابع أقرب إلى رواية لورانس داريل "رباعية الإسكندرية"، مؤكدا أن الرواية لا تتماهى تماهيا تاما مع خصوصية المكان فى السويس، إذ تتفرد بكونها مشبعة بحالة الاغتراب والمشاعر الوجودية، حيث تتناقض الشعارات الاشتراكية والأقوال اليسارية البراقة مع الحقائق التى يعيشها الوطن والمواطن فى فترة الستينات.

يذكر أن الندوة أقيمت فى إطار فعاليات معرض السويس الثانى للكتاب، الذى بدأ 24 أغسطس الماضى واستمر حتى يوم 2 سبتمبر الجارى.

علي سعيد

علي سعيد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...

شخصيات لها تاريخ «97» غراتسيانى الإيطالى..سفّاح برْقَة وفزّان وتلميذ ميكافيللي

كان والده طبيبًا تخصص فى الجراحة وألحقه بالكلية العسكرية وتفوق على أقرانه وأصبح من نجوم العصر الفاشى فى إيطاليا قتل...