إبراهيم عبد العزيز يكتب: نجيب محفوظ الإنسان الذي أعرفه

إذا جاز لي أن أتحدث عن نجيب محفوظ الإنسان فلأبدأ بنفسي أولا وما فعله معي وأنا لازلت صحفيا تحت التمرين ولم أكن قد أكملت سنة فى شارع الصحافة عام 1983حين رفعت سماعة التليفون ﻷجد نجيب محفوظ يرد على التليفون بنفسه ويعطيني موعدا فى التاسعة والنصف صباحا بمكتبه فى " الأهرام " ، وحين عدت إليه بالحوار مكتوبا لمراجعته معي استجاب لطلبي بالتوقيع عليه حتى يصدقني رئيس القسم الثقافي ، ولكنني كنت ساذجا فلم ينشر الحوار .. لأن رئيس القسم كان محتكرا الحوار مع نجيب محفوظ بالمجلة التى بدأت العمل بها.

ومع ذلك لم يغضب مني الأستاذ لعدم نشر حواره ، حتى انتقلت للعمل بمجلة أخري توثقت خلالها علاقتي بنجيب ، فلم يبخل علي برأيه فى تحقيق صحفي من خلال التليفون ، أو أي حوار أطلبه كان يستجيب فورا ، حتى بعد حصوله على جائزة نوبل كان المسموح به للحوار معه ربع ساعة فقط حتى يمكنه مواجهة الهجمة الصحفية المصرية والعربية والأجنبية عليه بعد أن صار أديبا عالميا ، ولكن الربع ساعة لم تكن تكفيني فطلبت منه وقتا أوسع فأعطاني موعدا بقهوة على بابا فى ميدان التحرير لأسجل معه حوارا لمدة ساعتين ، وحينما أصدرت كتابا عن توفيق الحكيم طلبت منه مقدمة فأملاها لي ووقع عليها بقلمه ، وحين صارحته أنني أريد أن أصدر عنه كتابا اقترحت عليه أن يكون موضوعه أساتذته الذين تعلم منهم وتأثر بهم ، فراقت له الفكرة وكنت أجلس إليه بمنزله على كورنيش العجوزة كل يوم سبت ليمليني ذكرياته وتأثره بكل شخصية من أساتذته وكان يوقع عليها ، مما أثار حفيظة بعض الأدباء الكبار ، ولكنه كان دائما الأستاذ الراعي لي والمشجع منذ كنت صحفيا مبتدئا ،   وأذكر أن إحدى الصحفيات المبتدئات بجريدة الجمهورية واسمها حميدة كان سببا فى تعيينها عندما سأل عنها رئيس التحرير سمير رجب وهو يستضيفه فى ندوة بالجريدة ، فالتقط الإشارة من الأستاذ ووقع قرار تعيينها كرامة للأستاذ ، ولن أحدثكم عن تشجيعه للأدباء الشبان فى ندواته والتنويه بهم فى أحاديثه ، وكان يدفع ثمن المشروبات لبعض مرتادي ندوته من محبي أدبه من متوسطي الحال .

إبراهيم عبد العزيز ونجيب محفوظ
  • كانت زوجته عطية الله تأخذ عليه تسامحه الزائد فى حقوقه ومع الناس ، وعندما كانت تناقشه فى سر هذا التسامح كان يرد فى هدوء :" خلاص ربنا لا يريد لي هذا الشئ أن أحصل عليه " ، وتنتهي المسألة عند هذا الحد ، ولذلك تعتبره زوجته " ملاك حقيقي " ، ورغم أنه ليس من طبعه الغضب أو الثورة ، إلا أنه كإنسان كان " يتنرفز " لبضع دقائق فقط عندما يدخل مكتبه ويشعر أن يدا عبثت بأعز حاجة عنده " كتبه " .

كانت زوجته شخصية مبذرة للغاية ، عندما يعطيها نجيب محفوظ تنفقها سريعا ، وعندما تطلب منه المزيد كان يعاقبها بالعتاب ثم يعطيها نقودا أخري !

  • كان لا يرفض لابنتيه فاطمة وأم كلثوم طلبا ويتعامل معهما كصديقتين ، وكانت أمهما مضطرة لاستخدام الشدة معهن لتعادل تدليله المتزايد ، ولكن الحالة الوحيدة التى اعترض فيها نجيب محفوظ على رغبة لابنته عندما أرادت أم كلثوم أن تصقل حبها لدراسة الباليه بالدراسة ، فرفض وقال :" لا أريد راقصة فى الأسرة " . وكان نجيب محفوظ يوكل لزوجته أمر شراء الذبائح فى عيد الأضحى وتوزيعها على الفقراء ، كما كان ينفق من ماله الخاص – بعد أن أصبح لديه مال بعد نوبل – على حج بعض من كان يريدون الحج ، ومنهم حارسه الخاص الذى كان يراه صديقا .
  • كان حريصا على ألا يسئ لأحد حتى لو أساء إليه الآخرون ، يعترف أنه لم يغضب طوال عمره إلا من واحد هو الناقد الأدبي صبري حافظ حينما تورط فى مهاجمة نجيب محفوظ فى مجلة " الأقلام " العراقية ، ولكنه سامحه حينما جاءه فى ندوته يستأذنه فى الدخول فسمح له وكأن شيئا لم يكن .

           وحينما أصدر الناقد محمد عطيه كتابا وضع على غلافه العلم الأمريكي وقال فيه ما معناه أن الذين أيدوا     السلام هم عملاء أمريكا ، وكان نجيب ممن أيدوا السلام ، ولما رأى الناقد انفعل وانتفض لأول مرة وقال له :" ناقشني قبل أن تشتمني ، فقال له الناقد : العفو يا أستاذ ، لم أكن أقصد " وهدأت الأمور .

  • ولم يكن نجيب يبخل على أصدقائه أو يتأخر فى مساعدتهم إن استطاع ، كان المخرج توفيق صالح محتاج ل " فلوس " فقال لنجيب : سلفني مبلغ " كذا " ، ودون تفكير قال : المبلغ موجود ومستعد أسلفك بشرط إنك ترجعه قبل العيد ، علشان العيال محتاجه مصاريف " – كان هذا طبعا قبل نوبل .
  • ولم يتردد نجيب محفوظ فى مساعدات أخري رغم خطورتها ، كما فعل مع الشاعر عبد المنعم الأنصاري الذى قصده وتوفيق الحكيم – لمكانتهما – لكتابة استعطاف للرئيس السادات لتخفيف حكم الإعدام عن ابنه طلال الأنصاري عضو تنظيم الفنية العسكرية الذى أعدم قادته كلهم جميعا لضلوعهم فى محاولة قلب نظام الحكم ، وقد استجاب السادات لوساطة محفوظ والحكيم ، فألغى حكم الإعدام واستبدله بالسجن على المتهم ليعيش ويروي أن نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم أنقذاه من حبل المشنقة ، كما لم يتردد الكبيران – محفوظ والحكيم - فى التوقيع على خطاب مشترك لرئيس تحرير الأهرام إبراهيم نافع لإعادة الناقد الأدبي غالي شكري إلى " الأهرام " بعد أن عاش منفيا فى باريس .
    إبراهيم عبد العزيز ونجيب محفوظ

وحينما رغب الأديب سعيد الكفراوي فى الحصول على منحة تفرغ طلب من نجيب محفوظ أن يكتب تقريرا يقدمه إلى لجنة المنحة ، فابتسم مرحبا فى وجهه وقال له : حاضر ، اكتب التقرير وأنا أقرأه وأوقع عليه !

  • فوجئ الروائي محمد جلال بالكاتب المسرحي عبد الله الطوخي يتصل به بعد صدور روايته الأولي " حارة الطيب " بأيام ويقول له :" نجيب محفوظ قرأ الرواية وأعجب بها ويريد أن يناقشها فى ندوة الأوبرا التى يعقدها كل أسبوع " .. وكان جلال خائفا من أن يفسد المناقشة أحد أصدقائه النقاد الذى أطلعه على عمله فنصحه أن يظل صحفيا ، ولكن الطوخي طمأنه على لسان محفوظ ألا يخاف وأنه بنفسه سيتولى الدفاع عنه ، وقد حدث بالفعل أن تولى محفوظ الرد على الناقد المهاجم ، وحول السلبيات التى ذكرها إلى إيجابيات ، لأنه كان قد قرأ رواية جلال وأعجب بها ، ليعطيه بذلك شهادة ميلاده الأدبي ، لذلك كان دائما يقول :" لولا نجيب محفوظ ما كنت روائيا ".
  • فى أعقاب هجوم ضار من أحد الكتاب على الأديبة نعمات البحيري أرسل نجيب محفوظ مع الأديب سعيد الكفراوي رسالة إلى المسئول عن الصفحة الثقافية فى المجلة التى هاجمتها مفادها استنكاره لازدواجية الواقع الثقافي الذى يكيل بمكيالين إزاء ما تكتبه المرأة وما يكتبه الرجل ، ودعاه إلى وقف هذا الهجوم البائس والذى لا معني له ولا دلالة سوى استعراض عضلات وهمية ، واستغلال مناخ محافظ - يسعى للتحرر - الذى يحقق ذكوريته .
  • كاتبة مجتهدة لقيت كتاباتها قدرا لا يستهان به من النجاح ، ويبدو أن النجاح قد أدار رأسها فراحت تتصور أنها إذا ما ناوأت الأستاذ وبدت كما لو كانت قادرة على نقد خطابه الأدبي ، فإن ذلك قد يجعلها تبدو فى مظهر الند للأستاذ الذى وصف ما قالته عنه الأديبة الشابة على أنه لا يعدو أن يكون نقد أديب لأديب آخر .. يقول هذا نجيب محفوظ بينما كان جميع الحاضرين فى قمة الغضب جراء ما قالته الأديبة الشابة عن الأستاذ .
  • بلغ إشفاق نجيب محفوظ على المنحرفين إلى حد أن وجه لهم نداء عبر مقال له فى الأهرام بعنوان " نداء إلى المنحرفين " يقول فيه " فإني أوجه ندائي للمنحرفين من كل الأنواع والطبقات ، أقول لهم إن الانحراف لا يحول بين المرء وحب وطنه وبخاصة إذا جاء انحرافه نتيجة لظروف سيئة قاهرة – ويضيف : وأنا لا أطالبكم بتقويم سلوك أو الكف عن الانحراف ، كونوا ما شئتم وما شاء الزمان لكم ، ولكن لا تنسوا وطنكم الحزين ، أدوا واجبكم بالكمال والتمام ، أقبلوا بكل همة على العمل والإتقان ، احترموا المتعاملين معكم من الشعب ، بثوا النشاط فى الحقل والمصنع والإدارة والمستشفى والشارع ، ومهما يكن من أمر فالحسنة بعشر أمثالها ، وسوف تجدون مكانا لكم فى حضن أمتكم ، وسوف تذكره لكم ، وتغفر لكم سيئاتكم جميعا ، وما أنتم فى الأصل إلا أناس طيبون يجرفهم تيار النكبات والأزمات وقدوات السوء .. ولتعودن يوم النجاة إلى أصلكم الطيب وسلوككم وتقواكم النقية "
  • بل إن نجيب محفوظ طالب فى مقال آخر بأن يتصالح المتخاصمون فيما بينهم ويتنازلوا عن القضايا التى يرفعونها فى المحاكم ضد بعضهم البعض توفيرا للجهد والوقت والأعصاب ، وإيثارا للسلامة وراحة البال من طول التقاضي الذى يجدد الأحزان والشحناء والبغضاء .
  • وصل الأمر بنجيب محفوظ أن يعاون المخبر المكلف من البوليس بمراقبة ندوته ، فى كتابة تقريره حتى لا يخطئ ولا يتعرض للوم رؤسائه ! حدث عندما كان نجيب محفوظ يقيم ندوته فوق سطح كازينو صفية حلمي أن أرسل البوليس رقيبا يكتب تقريرا عن الندوة رغم أنها كانت بعيدة عن المناقشات السياسية ، وأصبح الرقيب الأمني شخصا معروفا ومحددا ومكلفا بمهمة تفوق قدراته ، فقد كان عليه أن يكتب تقريرا يلخص فيه ما دار فى الندوة ، وكيف لمخبر بسيط أن يلخص المناقشات فى الفلسفة وعلم الجمال وتيارات الفكر العالمي ، وكان الأستاذ يطلب من بعض الحضور أن يملي على المخبر بعض السطور ليضمنها تقريره ، غير أن المخبر شكا لنجيب محفوظ من عدم فهمه لما يدور من أحاديث أدبية وثقافية ، وما يسمع من أسماء غريبة مثل كافكا وشكسبير وبروست وعوليس وغيرهم ، وطلب معاونة محفوظ فى كتابة تقرير للبوليس كل أسبوع عن الندوة ، مما جعل محفوظ يصمم على إنهائها رحمة بالمخبر وبنفسه !.
  • بكى نجيب محفوظ على المنفلوطي بعد مدة كبيرة من وفاته ، فقد كان يعلق له صورة فى بيته على أساس أنه على قيد الحياة ، ولكن اتضح له أنه فارق دنيانا ، فبكي عليه بحرقة بعد وفاته بعشر سنوات ! فقد أحب أدبه وأسلوبه  الجديد الساحر فيما يتناوله من موضوعات ، فكان مثل " المياه الحلوة " حسب تعبير نجيب محفوظ نفسه ، ولهذا كان له تأثير فى جيل محفوظ كله ، حتى أن نجيب كان يتعلم اللغة والنحو من أسلوبه ، ولذلك كان وفيا لهذا الرجل ، وبكاه كما بكى أبيه بعد موته .
  • كان مما يزيد من ألم نجيب محفوظ بعد الطعنة الغادرة التى أصابته أنه كان فى وضع صحي لا يسمح له بالمشاركة فى مراسم جنازة أو عزاء لشخص عزيز عليه ، فقد كان حريصا على قراءة صفحة وفيات الأهرام ، وكان يرسل ببرقيات التعازي لأسرة المتوفى الذى كان يعرفه ، لقد حالت الظروف الصحية والأمنية دون خروجه بالقدر الذى يتمناه ، مما منعه من المشاركة فى أي تجمعات عامة ، وكم من مرة اعتذر عن مناسبات تكريم له شخصيا أو مناسبات أخري سعيدة ، أو غير ذلك لأناس قريبين إلى نفسه ، ومع ذلك ظل موقفه ممن طعنوه هو نفس موقفه يوم سألوه عنهم وهو على فراش المرض بالعناية المركزة حين قال :" الله يهديهم .. الله يهديهم إلى سواء الطريق ، وهذا لخير الأمة وخير الإسلام " .

 

 

 

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

أحمد شوقي ومحمود أوب الوفا
ابراهيم
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
فكري أباظة جيش عربي موحد
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف
محمد محمد مستجاب يتحدث عن والده المبدع الاستثنائى الكبير
سيف
صلاح

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص