«الإسلام السياسى... الخروج من التاريخ» كتاب يكشف أخطاءهم وخطاياهم

«الإخوان» أقصـــوا أنفسهم مــن «دولة 30 يـونيو»/ الإخوان كرروا أخطاء 1954 فى 2013 وانتظروا نتائج مختلفة!/ فوز الجماعة بـ88 مقعدًا فى البرلمان كان سببًا فى إحياء أطماعها

رغم اقتراب أحداث ثورة 30 يونيو 2013 إلا أن تحليلها لا يمكن أن يكون بمعزل عن أحداث 9 عقود سبقتها، فهذه الثورة الشعبية لم تكن نبتا فى الفراغ بل كانت تراكما لأحداث كثيرة. وكانت نتيجة لأخطاء وقعت فيها جماعة الإخوان المسلمين كررتها خلال تاريخها الطويل.

وفى كتابه الجديد "الإسلام السياسى.. الخروج من التاريخ" يشير الباحث فى العلوم السياسية محمود الجمل. إلى مصطلح الإسلام السياسى، وكيفية نشأته، وما تداعيات وجود ما سمى لاحقا بـ"جماعات الإسلام السياسي"، منذ عشرينيات القرن الماضى وحتى الآن. كما يناقش الكتاب مصطلح الخروج من التاريخ، وماذا يشكل هذا الخروج فى الواقع السياسى المعاش على مستوى مصر والعالم العربى.

ويشير الباحث القادم من بلاط صاحبة الجلالة، والذى عاش بعض أحداث وردت فى الكتاب من خلال عمله الصحفى، إلى أن مصطلح الإسلام السياسى قد ارتبط منذ صكه بجماعة الإخوان المسلمين، التى أراد مؤسسها حسن البنا أن تلعب أدوارا سياسية إلى جانب دورها الدعوى. بغض النظر عن تعارض المنهجين، الدعوى المرتبط بقيم أخلاقية وقواعد دينية لايمكن الخروج عنها أو عليها، وبين لعبة السياسة التى تسمح بممارسات برجماتية وبخروجات عن كل ما هو أخلاقى فى بعض الحالات، طالما أن ذلك يقوى من موقف الجماعة التى حرص مؤسسها منذ البداية على أن يؤكد أنها حالة متشابكة، جماعة دعوية، لها مشرب صوفى، وأهداف سياسية. وأن كل الخطوات متاحة ومطلوبة من أجل الوصول لما يسمى لاحقا بـ"أستاذية العالم".

لكن كيف وضعت الجماعة الأم لكل فصائل الإسلام السياسى قدما خارج التاريخ فى وقت كانت تمثل قوة فاعلة فى مصر، بلد المنشأ؟ ويشرح الكاتب أن خروج الإخوان المسلمين من التاريخ مسألة لا يمكن اختصارها، بل هى فى حاجة لبعض التفصيل، فالتعامل مع الجماعة باعتبارها منظمة إرهابية صدر فى المرة الأولى عام 1954 عقب محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى ميدان المنشية بالإسكندرية. وهى المحاولة التى نسبت للجماعة وقيل إن أحد أفرادها محمود عبداللطيف، هو الذى قام بإطلاق النار على عبدالناصر، وتم القبض عليه وإعدامه هو وستة آخرين قيل إنهم ضالعون فى المؤامرة. ومنذ هذا التاريخ وحتى عام 1964 ظلت الجماعة خارج التاريخ السياسى المصرى، عمليا ونظريا، خاصة مع تعاظم شعبية عبدالناصر داخليا وخارجيا عقب اندحار العدوان الثلاثى فى عام 1956.

ويوضح الكاتب أسباب وضع جماعة الإخوان المسلمين لقدمها الأولى خارج التاريخ، وهى أن الجماعة منذ البداية وهى تدير علاقتها بالسلطة برعونة وبقدر عال من الندية غير المنطقية، وبالإحساس العالى بالتميز والشعور بأنها "صاحبة فضل" وأنها كانت شريكا فى ثورة يوليو، وبالتالى كان من الطبيعى أن تتقاسم السلطة مع ضباط الجيش، ورغم أن هذا الإحساس بلا أساس حقيقى إلا أن ضباط يوليو لم يأخذوا موقفا عدائيا من الجماعة، لكنها أرادت فرض شروطها وهو ما لم يرض قائد الثورة الحقيقى، جمال عبدالناصر صاحب الكاريزما غير المسبوقة، وعرض عليهم بعض المقاعد الوزارية فى أول حكومة للثورة، إلا أنهم أرادوا وزارات محددة على رأسها وزارة المعارف، إلا أن عبدالناصر لم يوافق على طلباتهم، واكتفى باختيار الشيخ أحمد حسن الباقورى، عضو مكتب إرشاد الجماعة وزيرا للأوقاف، فتم فصله من الجماعة عقابا له على قبول المنصب، بل وأصبح أحد أبرز المرشحين للوزارة، حسن العشماوى مطلوبا ومطاردا. وبالمناسبة كان صاحب واحدة من أكثر تجارب الهروب من سلطة عبدالناصر تشويقا، وقامت مجلة روز اليوسف منذ أكثر من ثلاثين عاما بنشر قصة هروبه المثيرة،

ويلمح الكتاب إلى تشابه الحاضر القريب مع الماضى البعيد، فما أقرب 1954 من عام 2013. إلا أننا أمام سيناريو متكرر، نظام سياسى جديد وجماعة لها تواجد شعبى ملموس ومؤثر على الأرض بحكم تفاصيل كثيرة، ورغبة مشتركة فى التعايش، إلا أن الاختلاف على النسب دائما سبب فى "الاحتكاك الخشن" وصولا إلى الصدام الدامى.

لكن، هل كان يمكن للجماعة أن تستمر فى المشهد السياسى وألا تخرج من التاريخ فى ثورة 30 يونيو 2013؟

يجيب محمود الجمل خلال كتابه، أو بحثه السياسى إن صح الوصف، أنه للأمانة التاريخية، كان يمكن لجماعة الإخوان المسلمين أن تظل واحدة من مكونات المشهد السياسى المصرى لو أدرك قادتها أن مهارات المعارضة تختلف كثيرا عن مهارات الحكم، وأنهم ظلوا عبر أكثر من ثلاثين عاما لهم تواجدهم النيابى داخل البرلمانات المتعاقبة منذ فوز مرشحهم حسن الجمل فى انتخابات مجلس الشعب عام 1979 على مصطفى كامل مراد زعيم حزب الأحرار وأحد ضباط الصف الثانى لثورة يوليو ومرورا بانتخابات عام 84 والتى شهدت تحالفا بين الجماعة وحزب الوفد قاده فؤاد سراج الدين والمرشد عمر التلمسانى، وأسفر هذا التحالف عن تمثيل الجماعة بتسعة نواب. وكان ذلك اعترافا من الدولة المصرية ومن أكبر حزب ليبرالى فى تاريخ مصر بأن الجماعة تملك قدرا من الجماهيرية والتأثير، ثم ازداد عدد الناجحين من الجماعة فى انتخابات عام 87 والتى شهدت تحالفا ضم حزبى العمل والأحرار، حيث نجح من مرشحى الجماعة 36 نائبا، وكان من بين الناجحين اثنان ممن تولوا منصب المرشد للجماعة لاحقا وهما مأمون الهضيبى ومهدى عاكف.

وفى انتخابات 2000 نجح للجماعة 17 مرشحا كان أبرزهم محمد مرسى، الذى انتخب رئيسا للجمهورية لاحقا، وسميت هذه المجموعة بمجموعة الـ17 وكان أداؤها كفريق معارض أداء جيدا. وفى انتخابات عام 2005 حققت الجماعة أكبر انتصاراتها وبلغ عدد نوابها 88 نائبا، ولعل هذا الانتصار كان سببا رئيسيا فى خروج الجماعة من التاريخ المصرى، فهذا الانتصار الكبير عظم من طموحات الجماعة فى أن تتولى حكم الدولة المصرية. وهذا الفوز العريض لعب دورا كبيرا وأعاد بعث أحد أهداف الجماعة الكبرى ألا وهو دخول التاريخ من أوسع أبوابه عبر حكم الدولة المصرية.

وظلت العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين ونظام الرئيس مبارك، علاقة بين القط والفأر، إن سمح التشبيه والوصف، فالنظام سمح بتواجد الجماعة فى المجالس النيابية المتعاقبة عبر ممثلين برلمانيين وفى الوقت نفسه عاشت الجماعة ست محاكمات عسكرية طالت معظم القيادات والرموز. علاقة شهدت نموا للمؤسسات الاقتصادية التابعة للجماعة، وكان هناك ما يمكن أن نسميه بالحكومة الموازية، إذ لعبت المكاتب الإدارية للجماعة بالمحافظات دور إدارات التضامن الاجتماعى، وكانت تقدم دعما شهريا لقرابة 750 ألف أسرة، كانوا يشكلون ظهيرا جماهيريا مؤثرا للجماعة تظهر أهميته أمام صناديق الاقتراع.

ويوضح الكاتب أن الدولة المصرية وفى ذروة انتصارها فى 30 يونيو 2013، لم تقرر إخراج جماعة اللإخوان المسلمين من صدارة المشهد السياسى، فعقب الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسى، وجهت الدعوة للدكتور سعد الكتاتنى لحضور اجتماع 3 يوليو إلا أنه لم يحضر. وعند تشكيل أول وزارة برئاسة حازم الببلاوى، دُعى ثلاثة من وزراء حكومة هشام قنديل للمشاركة فى الوزارة الجديدة. وذلك رغم الرفض الشعبى للجماعة لكن حرصا على رأب أى صدع داخلى.

والسؤال، ماذا لو وافق الكتاتنى على حضور اجتماع 3 يوليو، وماذا لو شارك الوزراء الثلاثة فى حكومة توافقية، بالتأكيد لتغير المشهد كثيرا.

وفى ختام الكتاب يجيب الجمل عن سؤال يطرح نفسه، هل خرج الإسلام السياسى من التاريخ ومن المشهد إلى غير رجعة، أم يعود للساحة بصورة مختلفة؟

ويقول الجمل إنه فى ظل وجود حزب النور الذى شارك فى مشهد التغيير فى 3 يوليو بممثله وأمينه العام وقتها المهندس جلال مرة، وتمثيله فى مجلس النواب بسبعة نواب، لا يمكن الحديث عن غياب تيار الإسلام السياسى، والذى مثل أيضا فى مجلس الشيوخ باثنين من المنتمين إليه أحدهم النائب أشرف ثابت. ورغم حالة المقاومة التى أبداها بعض المعارضين لهذا التيار وحديثهم عن عدم دستورية وجود مرجعية دينية لحزب سياسى، إلا أن هذا الطرح تم التعامل معه بإهمال من قبل مؤسسات الدولة المصرية والتى قدرت موقف الحزب المساند لها فى يوليو 2013، وبغض النظر عن التمثيل المحدود بالمجلسين، إلا أن هذا الوجود يشكل اعترافا بوجود تيار سياسى له مرجعية إسلامية واضحة بجوار تيارات يمينية وليبرالية ويسارية ممثلة فى المجلسين، وبالتالى فإن الموقف الرسمى من جماعة الإخوان لا ينسحب على حزب النور أو أى سياسيين يتقدمون لخوض انتخابات نيابية من مواقع مستقلة بغض النظر عما يطرحونه من أفكار يمكن تصنيفها بأنها تنتمى لما يسمى بالإسلام السياسى، بعيدا عن أى علاقة تنظيمية بجماعة الإخوان.

 	ناصر حجازي

ناصر حجازي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

قطب
حسن

المزيد من ثقافة

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص