علية الجعار .. شاعرة الحب الإلهى وآخر عنقود شعراء آل البيت

كتب لها أحمد رامى مقدمة ديوانها الأول «إنى أحبك»/ قصة الأغنية التى كتبتها لشادية وتسببت فى اعتزالها/ محنة «السرطان» جعلتها أقرب صديقات شادية ومها صبرى وتحية كاريوكا

فى 13 نوفمبر 1986 وقفت صوت مصر "شادية"، بفستان أبيض ملائكى على مسرح الجمهورية، لتختتم "الليلة المحمدية" بأغنية جديدة أعدتها خصيصا لهذه المناسبة العزيزة على القلوب.. وما أن أعطى المايسترو عبد العظيم حليم إشارة البدء بعصاته لفرقته (النيل الموسيقية) حتى انسابت نغمات شجية، بدت غريبة على ألحان الأغانى الدينية المعتمدة على الناى والدفوف..

لكن الشجن العذب فى تلك اللحظات انساب من آلات ومقامات غير معتادة، ثم سرعان ما اتضح السر واستبان، إنها كلمات الأغنية التى ألهمت وفرضت واستدعت الحالة، وهو ما تأكد عندما انسابت الكلمات على حنجرة شادية، إنها كلمات ليست كالكلمات، بل مناجاة لرب السماوات وقصيدة فى محبة رسوله الأمين، مكتوبة بقلب خاشع وإيمان عارف ودموع تائب، وبكريشندوا متصاعد ذابت شادية فى الكلمات، لم تعد تغنيها بصوتها بل بقلبها وبشغاف روحها، وهو ما أحس به الجمهور بلا عناء، فتفاعل وانفعل، وإذا بنا فى حضرة صوفية وليست حفلة غنائية، القلوب فيها تناجى وتتوسل:

وآدى حالى وحال جميع المؤمنين

اللى آمنوا بالنبى الهادى الأمين

اللى جه رحمة لكل العالمين

يا نبينا يا ختام المرسلين

خد بإيدى.. خد بإيدى

استعاد الجمهور الكلمات، ودوى التصفيق وتعالى، وانسابت دموع شادية مرات، ولم يكن أحد يدرى أنه مشهد الوداع المهيب الذى تختتم به شادية مسيرتها الغنائية الطويلة .

وأصبحت "خد بإيدى" هى حديث الناس وحدث العام ، وبالطبع صار اسم كاتبة الأغنية الأخيرة لشادية مدويا.. الشاعرة علية الجعّار.

ورغم ذلك يمكننا أن نقرر أن "خد بإيدي" ظلمت "علية الجعّار".. فالشهرة الطاغية التى حظيت بها الأغنية، جعلت كثيرين يختصرون تجربتها المتنوعة الرائعة فى أغنيتها الوحيدة مع شادية.. فى حين أن فى رصيدها وسيرتها ما هو أهم وأبقى وأروع وأكثر تأثيرا..

(1)

بل يمكننا أن نقول كذلك ونقرر إن تجربة علية الجعار كمبدعة أشمل وأوسع من الشعر الصوفى، رغم تميزها فى تلك الساحة  وتألقها إلى الحد الذى جعل ملحنا قديرا مثل حسين فوزى (الذى تميز بألحانه الدينية والصوفية مثل صلينا الفجر فين لعلى الحجار ويا بركة رمضان لمحمد رشدي) يقرر أنها آخر عنقود شعراء آل البيت وصاحبة التجربة الأروع بعد عبد الفتاح مصطفى وعبد السلام أمين..

ففى دواوين علية الجعار ستجد تنوعا مدهشا من الأغانى العاطفية والدينية والوطنية، بداية من ديوانها الأول "إنى أحب" الذى كتبته وهى لم تزل طالبة بكلية الحقوق جامعة القاهرة، وهو الديوان الذى كتب أحمد رامى مقدمته وبشّر بصاحبته شاعرة مجيدة.." راقنى منها حُسن الأداء ولطف الإشارة، وإحساس صادق بما تقول، فقلت فى نفسى هذه برعمة من براعم الشعر توشك أن تنبثق وأن يسرى عبيرها عُرفا ذكيا".. هكذا كتب شاعر الشباب فى مقدمة ديوانها الصادر فى أغسطس 1966..

وهو التنوع الذى تجده كذلك فى ما كتبته من أغنيات، غناها مشاهير المطربين والمطربات، من أمثال سعاد محمد وعلى الحجار والحلو وسوزان عطية وعليا التونسية ومحمد ثروت.. ولحنها مشاهير الملحنين بداية من عبد الوهاب والموجى، وكان من بينها واحدة من أجمل أغانى حرب أكتوبر، وهى تلك التى غنتها شهرزاد بعد أيام من النصر العظيم : وسمينا وعدينا وايد المولى ساعدتنا/ وشقينا طريق النصر..

وهو التنوع الذى تجده فى تجربتها الحياتية والإنسانية، التى مارست فيها الصحافة والمحاماة والشعر وكتابة الدراما التليفزيونية والإذاعية ووصلت فى مناصبها الوظيفية إلى مدير عام الشئون القانونية باتحاد الإذاعة والتليفزيون..

لكن تبقى تجربتها فى التصوف والأغنية الصوفية، وتجربتها فى عشق آل البيت ومدحهم هى التى أنزلتها تلك المنزلة العالية فى القلوب، خاصة بين الملايين من محبى آل البيت ومن مريدى الطرق الصوفية، وبعضهم يعتبرونها من الأولياء الصالحين وصاحبات الكرامات..

وهى تجربة تستحق أن نتوقف عندها بالرصد والتأمل والتوثيق، إذ فيها من التفاصيل والوقائع ما يفيض بالمعانى النبيلة والجميلة.. ولدى ابنة شقيقتها الإعلامية هالة الجعار ما يمكن أن تقوله وتضيفه وتكشفه، وقد كانت قريبة من عمتها وشاهدة على عديد من الوقائع التى عاشتها .. فلنستمع ونتأمل:

"الجذور الدينية والروحية فى تربية عمتى عميقة وممتدة وضاربة فى أعماق روحها، فوالدها تخرج فى كلية دار العلوم وحصل على درجة الأستاذية فى الشريعة، وعمل لفترة أستاذا للشريعة بجامعة أم القرى ورئيسا للبعثات الأزهرية بلبنان، وقبل ذلك كله مديرا للمعهد الأحمدى فى طنطا.. ورغم ثقافته الدينية الرفيعة كان متفتحا ومحبا للشعر ويكتبه، بل إنه اختار لها اسم علية تيمنا بعلية بنت المهدى أخت الخليفة هارون الرشيد وكانت شاعرة وأديبة وعارفة باللغة والبلاغة..

 وسمح الدكتور محمد الجعار لابنته أن تلتحق بمدرسة الأمريكيين وهى مدرسة أبناء النخبة فى طنطا.. كما سمح لها أن تسافر إلى القاهرة لتلتحق بكلية الحقوق.. رغم أنه كان يريدها أن تصقل موهبتها الأدبية بالالتحاق بكلية الآداب أو دار العلوم لكنه ترك لها حرية الاختيار..

ومنه ورثت حب الشعر ، خاصة العمودي، وكتبته منذ كانت صبية فى العاشرة، وتنوعت أشعارها فى تلك المرحلة، فكتبت الشعر العاطفى والسياسي، والدينى بالطبع، وتعددت دواوينها: إنى أحب، أتحدى بهواك الدنيا، غريب أنت يا قلبى..

إلى أن أصيبت بالسرطان فى مطلع الثمانينيات، ربما فى العام 1981، وهى المحنة التى تغيرت بعدها حياتها، وكانت سببا مباشرا فى صداقتها بالمطربة الكبيرة شادية، فقد تصادف أن طبيبهما كان واحدا وهو د. إسماعيل السباعي، وخضعا لمشرطه فى نفس التوقيت ونفس المستشفى، قربتهما المحنة، وفى المحن يكون الإنسان أقرب إلى الله، واتفقتا على أن تسافرا لأداء فريضة الحج، وفعلا أديتا الفريضة بعد نجاح العمليتين وكنت وقتها أعيش فى السعودية واستقبلتهما فى تلك الرحلة، وكانت عمتى موهوبة فى الدعاء، تحفظ مئات الأدعية وترددها بطلاقة وخشوع، وفى مرة وهما فى مقام النبى بالمدينة لاحظت الحاجة علية أن الحاجة شادية انتهت سريعا من الدعاء أو ربما لم يعد لديها ما تدعو به، وفعلا لما سألتها: مش بتدعى ليه؟، قالت ببساطة: خلاص دعيت هقول إيه تانى..

وراحت عمتى تدعو الله وشادية تردد وراءها أدعيتها، وكان من من ما رددته: يا رب خد بإيدى..

ولما عادتا لمصر ، طلبت منها شادية أن تكتب لها كلمات الأغنية التى تجهزها لتشارك بها فى الليلة المحمدية، ومن وحى تلك الأدعية عند مقام النبى كتبت الحاجة علية أغنية خد بإيدى..

الأغنية اكتسبت تلك الشهرة المدوية بعدما اعتزلت شادية بعدها وقيل إنها كانت سببا فى اعتزالها بعدما أحست بمعانيها.. لكن العلاقة الإنسانية استمرت وتعمقت، حتى أن الحاجة شادية كانت تنادى عمتى باسم تدليل لطيف: يا علوشة، فى حين كانت عمتى تناديها باسم التدليل الذى اشتهرت به.. شوشو!

كذلك ربطتها صداقة المحنة مع الفنانة الراحلة مها صبرى، وكانت عمتى أقرب صديقاتها فى فترة مرضها الأخيرة، وأدت مناسك الحج بصحبتها.. وحكت مها صبرى أنها مرت بعملية جراحية صعبة بعد إصابتها بالسرطان، حتى أنها فقدت الوعى لثلاثة أيام متواصلة، وتصورت أسرتها أنها النهاية وبدأوا يجهزون ترتيبات دفنها وعزائها، ولذلك كانت عودتها للحياة معجزة.. وقبل أول موسم للحج بعد تلك المحنة فوجئت بالحاجة علية تزورها بدون ميعاد على غير العادة لتخبرها أنها تحمل لها دعوة بأداء مناسك الحج، بدا الأمر مستحيلا لمها صبرى، فالطبيب يمنعها ألا تتحرك إلا بعد سنة من العملية ولم يكن قد مر عليها أكثر من 6 أشهر، ثم أن اليوم هو الخميس وآخر موعد لحجز الطيران والتأشيرة هو الأحد، لكنها فوجئت بكل الأمور ميسرة وكأنها دعوة من الله لزيارة بيته، فسافرت بصحبة الحاجة علية، وبكت كثيرا وهى تردد وراءها أدعيتها.. ولما توفيت مها صبرى كانت الحاجة علية هى التى غسّلتها وكفنّتها ونزلت معها إلى مقبرتها لتدفنها بيديها..

وكذلك ربطتها صداقة بالحاجة تحية كاريوكا.. كانت حبيبتها.. وفاكرة وأنا عايشة فى السعودية جاءت الحاجة تحية وأقامت معنا شهرا وأدت مناسك الحج وكانت تذهب معنا إلى الحرم بسيارتنا.. وفى العام التالى جاءت لتؤدى العمرة"..

(2)

لا يعرف كثيرون أن الحاجة علية الجعار من الأشراف ويمتد نسبها من جهة أمها "فايقة" إلى مولانا الحسين.. فهى حسيبة نسيبة، وكانت تقول عن السيدة نفيسة "عمتى" بحكم أن نسبها يمتد إلى سيدنا الحسن..

ولذلك كان عشقها مضاعفا لآل بيت النبي، وكتبت فى حب النبى وآله ما جعل تجربتها فى الشعر الصوفى متفردة..

كتبت عن سيدنا النبى أجمل ما غنى مداح النبى محمد الكحلاوى:

حب الرسول يا ابا دوبنى دوب

عن المعاصى يا ابا توبنى توب

وكان الكحلاوى يعتبرها كابنته عبلة تماما..

وعن السيدة زينب كتبت واحدة من أجمل قصائدها، وبحسب المرويات المتواترة فإن السيدة زينب أملت عليها فى المنام بعض أبياتها، فيقولون إن  الحاجة علية بعد عودتها من مقام السيدة زينب حضرها الإلهام لكتابة قصيدة عنها، لكنها لما شرعت فى الكتابة لم تجد فى خاطرها سوى الشطرة الأولى من بيتها الأول: إنى أحبكِ أنتِ.

وجاءتها السيدة زينب فى المنام لتطلب منها أن تكمل قصيدتها، ولما استيقظت وجدت القصيدة تنساب على لسانها:

إنى أحبك أنتى/ يا بنت أكرم بنتِ

يا زهرة قد تسامت/ فى نور أطهر بيت

يا بضعة من علىّ/ وللبتول انتسبتِ

فى ظل طه نشأتِ/ ومن يديه ارتويت

إلى أن تختمها بقولها:

أنا بالباب أرجو فضلا/ فهلا منحتِ

وفى "عمتها" السيدة نفيسة قالت:

حبيبة القلب كيف العيش لولاكِ

يا صدر أم إليه يلجأ الشاكى

نفيسة العلم رب الكون أكرمنا

أتيتِ مصر حيث اختار مثواكِ

وعن جدها الحسين كتبت:

وجئتك يا سيدى أشدو وأشدو

يعلو فى المدى صوتى قويا

وقد أوقفت بالأعتاب قلبى

حسينى الهوى صبا فتيا

فمر تفتح له الأبواب وصلا

واطفى شوقه وانظر إليّا

فإن حزت الرضا أرضيت ربى

فحبك سيدى فرض عليّا.

وربما لا يعرف دراويش وجمهور الشيخ ياسين التهامى بأن عميد دولة المداحين ينشد فى حفلاته سبعا من قصائد الشاعرة علية الجعار ، ومنهم من يظن وهو يتمايل مع صوت الشيخ ويطرب للكلمات أنها من ديوان سلطان العاشقين ابن الفارض الشاعر المفضل للشيخ ياسين، ولكن الحقيقة أنها من كلمات وقلب شاعرة الحب الإلهى كما يحلو للمتصوفة أن يلقبوها.. علية الجعار..

وعندما تسمع الشيخ ياسين وهو ينشد ويذوب طربا فى قصائد: أنين القلب، أيا ملهمتى، طينتى، سلسال الحب، الحب منك إليك، كتاب الله، غريب أنت يا قلبى.. عليك أن تنسب الفضل لأهله.. والشعر لكاتبته..

(3)

كانت الحاجة علية الجعار من المقربات لإمام الدعاة الشيخ الشعراوى، وبحكم هذا القرب كانت هى المرشحة الأولى لكتابة تتر المسلسل التليفزيونى عن حياة الشعراوى، وكتبته بالفعل، تتر البداية والنهاية، ليغنيه محمد ثروت.. لكن المسلسل ظهر بتتر مختلف غناه محمد فؤاد.. وفى العدد القادم ننشر نص التتر الذى كتبته علية الجعار لمسلسل الشعراوى..

 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...

دعاء إبراهيم: أكتب لأفهم نفسى والآخرين

اختلاف الثقافة يعمّق الإحساس بالاغتراب.. والألم لا جنسية له


مقالات

سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص
كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م