فى التوراة .. الإسرائيليون غزاة والقدس عربية

كان ديفيد بن جوريون مؤسس إسرائيل كاذبا عندما أعلن بوقاحة أن حقوق اليهود فى أرض الميعاد يضمها كتاب " التوراة " ، بينما التوراة نفسها تصف القدس أو أورشليم دون لبس أو غموض بأنها جزء من أراضي الأعداء .. أما هؤلاء الأعداء فهم الكنعانيون أو الفلسطينيون سكانها الأصليون ، وقبل أن يعرف اليهود طريقهم إلى القدس كانت مصر الفرعونية تسيطر عليها كما تقول نقوش آنية فخارية باللغة المصرية القديمة ترجع إلى فترة حكم الفرعون " سيزوستريس  الثالث  " ( 1878 – 1842 ق . م ) وكانت عليها أسماء تسع عشرة مدينة كنعانية من بينها مدينة " روشاليموم " ، وتعتبر تلك أول إشارة إلى تلك المدينة فى أي سجل تاريخي ، أما اسمها فيبدو أنه يتضمن اسم الإله السوري " شالم " الذى قيل إنه هو نفسه الشمس الغاربة أو كوكب المساء .

كما تم اكتشاف نصوص فى تل العمارنة بمصر عام 1887 تحتوى على 360 رسالة من أمراء كنعان إلى الفرعون تستنجد بهم ضد أعدائهم ، ولكن يبدو أن مصر التى كانت تحارب الحيثيين آنذاك لم تؤازرهم المؤازرة المرجوة .. وأنهى ( عبدي – هبة )  حاكم القدس رسائله قائلا  إنه إذا أحجمت مصر عن إرسال المدد فسوف تسقط أرض القدس بلا جدال فى أيدي أعدائه – وذلك هو الدرس القديم الذى يعلمنا إياه تاريخ ما قبل التاريخ وهو أنه إذا لم تكن مصر هناك فإن القدس تسقط ، وحينما صارت هناك حررها صلاح الدين الأيوبي ، وحين ضعفت أو انتكست سقطت القدس فى يد إسرائيل .

***

الحديث عن التاريخ والقوانين والمواثيق الدولية هو حجة الضعفاء فى عالم لا يحترم إلا الأقوياء ، لكن دروس التاريخ أيضا تعلمنا أن الغزاة راحلون راحلون ، وأن أصحاب الحق عائدون عائدون .

لقد جاء الصليبيون ليبقوا ، فأقاموا الممالك والإمارات ، لكنهم فى النهاية أخرجوا بعد أن تهاوت دعاواهم " بالدفاع عن موطن المسيح " .. شعار حملاتهم الملطخة بدماء ضحاياهم ، بينما المسيح ودينه " السلام " منهما براء ، لتظل القدس عربية إسلامية لما يقرب من ألف وثلاثمائة عام ، باستثناء الفترة التى احتلها الصليبيون .

وجاءت جولدامائير رئيسة وزراء إسرائيل لتعلن مقولتها الشهيرة : " لا وجود للفلسطينيين " – إنها قدرتهم التاريخية على الكذب والتزوير .

ويقف وزير الدفاع الإسرائيلي الجنرال موشي ديان بعد سيطرته على القدس عام 1967 ليتابع المسئولين الإسرائيليين : " لقد عدنا إلى أكثر أماكننا قداسة ، لقد عدنا ولن نتركها قط مرة أخري " .

غير أن ادعاء إسرائيل ملكية المدينة - وهو  أمر مشكوك فيه – تطور تطورا خطيرا .. ففي نهاية حرب الأيام الستة كانت إسرائيل قد احتلت الضفة الغربية وغزة وشبه جزيرة سيناء والجولان إلى جانب القدس ،  ويعتبر هذا مخالفا لكل من قوانين لاهاي التنظيمية الصادرة عام 1907 ، وأيضا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ، فطبقا للقانون الدولي فإنه لم يعد مسموحا بضم الأراضي التى يتم الاستيلاء عليها عسكريا .. هذه الحقائق التي لا تقبل الجدل تأتي كشهادة علمية محايدة من الكتابة البريطانية " كارين أرمسترونج " فى كتابها  ( القدس مدينة واحدة .. عقائد ثلاث ) الذى ترجمه إلى العربية د. محمد عناني ، ود. فاطمة نصر ، وصدر عن دار نشر " سطور " .

تبدو أهمية كتاب القدس فى أنه يتتبع التاريخ الدموي لمدينة السلام .. ولم يكن حكام القدس من العرب والمسلمين إلا دعاة سلام ، بينما كانت الكراهية هي الدين الذى حكم به غيرهم القدس ، حتى مملكة داود وسليمان فى القدس والتي تستند إليها إسرائيل كحقوق تاريخية لم تحاول أن تنحو منحى أنبيائها ، حتى أن كثيرا من اليهود ينظرون لدولة إسرائيل على أنها فعل إنساني ينتهك الدين .

إن الإصرار على كون المدينة مقدسة دون فرض العدالة التى هي جزء جوهري من قدسية المدينة ، معناه السير فى طريق محفوف بالمخاطر .

وبالإمكان إدراك مدى الخطورة إذا نحن تأملنا بعض الأنظمة الماضية ، حيث تعقد المؤلفة البريطانية كارين أرمسترونج مقارنة منصفة بين حالة القدس حين تولى أمرها أصحاب الديانات الثلاث وغيرهم ، لتؤكد أن حكامها من غير المسلمين كانوا ينظرون إلى أهمية المدينة مهملين واجب التراحم ، فقد غاب البر عن أورشليم اليهودية حيث أصبح حكامها سادة مملكة لم تختلف نظمها كثيرا عن النظم الهيلينسية القاسية التى كان اليهود يحاربونها ، وأدى سلوكهم ذلك إلى اغتراب طائفة منهم – الفريسين – إلى الحد الذى طلبوا فيه من الرومان فى مناسبات عدة عزل الملوك اليهود ، حيث رأوا أن الحكم الأجنبي أفضل بكثير من حكم أولئك اليهود الأشرار .

كما تقدم أورشليم المسيحية مثلا صارخا على أخطار نبذ التراحم وعدم احترام حقوق الآخرين ، حتى أن الأباطرة المسيحيين كانوا ينظرون لوجود اليهود بالمدينة باعتباره كارثة ، وأسموهم بالهراطقة ، ومن ثم رحب اليهود بفاتحي فلسطين من الفرس والمسلمين ، وقدموا لهم العون العملي .

أما أورشليم الصليبية فكانت مدينة أشد ضراوة ، فقد قام الصليبيون كما يفعل إسرائيليو اليوم بتشييد مملكة ذات حيز أجنبي تعتمد على المساعدات الخارجية وتحيطها دول معادية ، وقد رأينا كيف كان الصليبيون مثل الإسرائيليين اليوم مولعين بالأمن – الذى لم يتحقق – لأسباب رأوها صحيحة ، لذا لم يكن هناك سوى قليل من الإبداع الحقيقي فى أورشليم الصليبية ، لأن الأدب والفن لا يزدهر فى جو قتالي .

وأيضا تحقق بعض الفرنجة فى أورشليم – كما يفعل الإسرائيليون – من أن مملكتهم لا يمكنها البقاء غريبة فى الشرق الأدنى ، وأن ما يجب عليهم فعله هو تأسيس علاقات طبيعية مع العالم الإسلامي المحيط بهم . إلا أن دين الكراهية الصليبي كان متأصلا لدرجة أنهم انقلبوا على بعضهم البعض مدفوعين بسموم أحقادهم . ودين الكراهية لا يجدي ، ومن السهولة أن يصبح انتحارا . وفقد الصليبيون دولتهم التى أقاموها على الظلم والاضطهاد ، والتي كانوا قد شقوا طريقهم إليها عبر جثث ثلاثين ألفا ، وبحر من الدماء وصل إلى ركبهم . وهو نفس ما تمارسه إسرائيل منذ قيامها ، كما تشهد لهم بذلك مذابحهم فى دير ياسين وكفر قاسم وقانا ، وهي شاهدة على أن سياسة الكراهية مع الدين هي التى تحكم إسرائيل منذ قيامها، فذبحوا الفلسطينيين أو شردوهم ، وهدموا مساكنهم،  وسرقوا مساجدهم ولفائف البحر الميت من المتحف الفلسطيني ، وهدمت البلدوزرات حي المغاربة التاريخي الذى يعتبر أقدم الأوقاف فى القدس ، وكان ذلك هو الفعل الأول فى عملية طويلة مستديمة لهدم القدس التاريخية العربية ، وتغيير مظهرها وشخصيتها تغييرا كليا .

وصارت القدس اليوم مدينة حصون تحدها شرقا مستوطنات ضخمة تقبع حول المدينة ، مثل التحصينات الصليبية القديمة ، إلا أن الأسوار والحصون لا تجدي ، وإلا كانت قد نفعت الصليبيين حين آن وقت إخراجهم .

لقد افتقدت المدينة المقدسة العدالة التى عرفتها فى أورشليم " اليبوسية " القديمة ، واستمرت فى ظل حكم داود " يابوسية " إلى حد كبير ، ولم يحاول طرد المسئولين " اليبوسيبن " من أورشليم ، وبقيت الإدارة اليبوسية فى مكانها ، إلا أن الحكومة الإسرائيلية لم ترق أبدا إلى نموذج داود – وهو منهم براء – ففي عام 1948 فقد ثلاثون ألف فلسطيني منازلهم فى غرب القدس ، ومنذ عام 1967 استمرت أعمال نزع ملكية الأراضي ، واستمرت الهجمات المهينة والخطيرة على الحرم الشريف .

ومن المفارقات أن اليهود لم يتمكنوا من دخول المدينة المقدسة إلا فى ظل الفتح الإسلامي فى مناسبتين سابقتين ، فقد دعا كل من عمر بن الخطاب ، وصلاح الدين الأيوبي اليهود للاستقرار فى المدينة المقدسة بعد توليهما الحكم هناك ، حتى أن صلاح الدين اعتبر متسامحا فى حق جرائم الصليبيين ، إلى درجة الخطأ ، لأنه لم يعاملهم بالمثل دما بدم وقتلا بقتل .

Katen Doe

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص