محاولات إقصاء «الأنثروبولوجى» عن الحضارة الإسلامية

تقودها الهيمنة العلمانية الغربية

يأتى صوم شهر رمضان من تشريع الأحكام التى تدل على وجوبه كركن من أركان الإسلام، وكان قد فرض الصيام فى المدينة المنورة بالسنة الثانية للهجرة النبوية، وقد فرض فى شهر شعبان ليصبح بعد ذلك واجباً على كل مسلم فى هذا التوقيت.

العلوم فى التراث الإسلامى غنية بالبحث والدراسة، لكن علم الأنثروبولوجى لم يلق الاهتمام الكافى فى الدوائر البحثية العربية والإسلامية، على عكس حاله فى المؤسسات العلمية الغربية ومع باحثيها الذين حللوا هذا العلم ووقفوا على دراسته فى جميع ميادينه المتصلة به وإن جانبهم الصواب فى كثير من تصوراتهم نتيجة لعدة عوامل، ومن هذه العوامل الغرق فى العلمانية الزائدة بعيدا عن النظر فى فهم حقيقة الأديان، ومنها بالطبع الدين الإسلامى الذى بلا شك كان تأثيره كبيرا على المعرفة الإنسانية، لكننا يجب أن نعترف أن الغياب الشرقى عن دراسة هذا العلم دراسة جادة يعود إلى الخوف من كتابات المستشرقين وعدم التماس مثلا مع نظرية أصل التكوين، خاصة نظرية النشوء والارتقاء لداروين، وهى أحد فروع الأنثروبولوجى، وربما كانت علة هذا العلم تحديدا كونه اعتبر فى وقت من الأوقات أداة من الأدوات المهمة التى خدمت الحركات الاستعمارية للشرق، مما سبب حساسية فى التعاطى العربى والإسلامى بشكل جيد معه.

 خلفية تاريخية

يعد الأنثروبولوجى مصطلحا يونانيا فى الأصل، وقد اشتق من كلمتين "أنثر" وتعنى الإنسان و"بولوجى" وتعنى علم، ويدرس هذا العلم كل ما يتصل بالجماعات الإنسانية من حيث نشأتها وسلوكها وقيمها وأعرافها وتقاليدها وكذلك أعمالها وإنتاجها عبر الزمن فى مختلف أنحاء العالم، وقد نظر هذا العلم إلى الإنسان كونه كائنا طبيعيا اجتماعيا يعيش فى مجتمعات يسودها نظام واتساق ثقافى معين، وعلى ذلك يمكن التنبؤ بمستقبله معتمدا على تطوره ومدى ارتقائه؛ ولعل تلك النظرة الشمولية لهذا العلم هى ما شكلت جسرا رابطا بالضرورة بين علوم مختلفة كان لها تأثيرها عليه، ومع هذا نظر إليه كعلم حديث عهد بالمقارنة مع تاريخ تلك العلوم، ومنها الطب والفلك والفلسفة والاجتماع، فقد ذكر الباحث الفرنسى "جان بوارييه" أن علم الأنثروبولوجى قد ظهر أولا فى كتابات علماء الطبيعة إبان القرن الثامن عشر، وقد تمددت فروعه وتقسيماته فى النصف الأول من القرن العشرين، وكان قد أعاد بعض العلماء أصوله إلى أبعد من ذلك بكثير، وكانت مصادرهم لهذا الاعتقاد تستند على ما كتبه فى هذا العلم "فيثاغورث" العالم اليونانى القديم.

 الأنثروبولوجى والإسلام

الأنثروبولوجى بدأ مع بداية وعى الإنسان بذاته، وبدأ مع سعيه للتفاعل مع البيئة من حوله ومع أبناء جنسه، وبدأ منذ كون الإنسان مجتمعه الأول الذى انبثق منه ما انتشر بعد ذلك من جماعات بشرية مختلفة، إلا أن هذا الاهتمام بالإنسان ليس نتاج علم أرضى فقط، بل كان هو محور الديانات ورسالات الأنبياء، وقد عنت به الكتب السماوية التى أنزلت للعباد من خلقه ليؤمنوا بكل ما جاء بها، وآخرها القرآن الكريم، وهو الأمر الذى يمكن القول معه إن هذا العلم يصلح لأن يكون علما دينيا أيضا، وبالتالى علما إسلاميا بامتياز، وقد وضع أسسه الكتاب والسنة المشرفة، ثم كان ما أدت إليه حركات الرحالة والمستكشفين والمفكرين الذين نقبوا طويلا للبحث عن التجارب الإنسانية والمقارنة بين المجتمعات البشرية، اهتداء بقوله تعالى: "قل سيروا فى الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق"، وعلى هذا الأساس ربما كانت الدعوة للعودة إلى فكرة تعميق دراسة مدى إسهام الفكر الإسلامى فى كثير من العلوم ليست بالمستنكرة، وفى هذا الصدد قد انطلقت محاولات الدكتور "السيد محمد باقر" التى تجلت فى كتابه "فلسفتنا" وكتاب آخر عنوانه "اقتصادنا"، فضلاً عن الحركة العلمية التى هدفت إلى الرجوع بكثير من العلوم إلى المفكرين الأصليين من المسلمين، وكانت بدايتها على يد الشيخ "مرتضى المظهرى"، ولنعلم أن علم الإنسان الإسلامى لا يفتقر إلا إلى الدراسات المستفيضة والمستمرة والمؤمنة به، بعد أن ظل ردحا طويلا من الزمن أسيرا لنظرة ثقافية غربية محددة لا مصدر لتكوينها إلا الوجود الحسى فقط، فيما كان الوحى مصدرا أوليا مهما لعب دورا بارزا فى المعرفة الإنسانية، ولم ينظر إليه أبدا على هذا الأساس.

 القرآن الكريم وعلم الإنسان

"علم الإنسان" من الممكن أن يكون علما قرآنيا بجدارة، وعندها سيتخذ هذا العلم من القرآن والسنة الشريفة مرجعية ومنطلق لخلق صياغة وتصور جديد وحقيقى نابع من الواقع وبعيد عن الهيمنة المادية على هذا العلم، وذلك بما يحفظ للإنسان تفرده وموقعه الحقيقى، فلم يكن التعدد الشكلى واللونى واللسانى إلا عنصرا للتنوع ونوعاً من إثراء قوة المجتمعات البشرية، وهو ما نراه فى قوله تعالى: "من آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين". صدق الله العظيم، ولربما كان فى القرآن الكريم ما يدحض ما جاء مثلا فى نظرية النشوء والارتقاء وقصة التطور، وهى كما قلنا أحد فروع علم الإنسان التى تقول بانتهاء النسل فى كل لون إلى غير ما ينتهى إليه النسل فى اللون الآخر، وبذلك يصبح لكل نوع ولون أب رئيسى أو آدم خاص به، وهى النظرية القائلة أيضا إن الإنسان الأول لم يكن كاملا، بل يرجع فى أصله إلى كونه حشرة أو قرد، أى أن الإنسان قد بدأ من التطور الأدنى، مع العلم أن الله سبحانه وتعالى يقول: "الذى أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين" صدق الله العظيم، لذلك كانت دراسة الإنسان من منطلق إسلامى أو قرآنى مرجعا ضروريا لتأصيل هذا العلم على الوجه الصحيح وعلى المرجعية الربانية الحقة.

إن أكثر الكتب الخاصة بالأنثروبولوجى على أساس غربى محض، وتحديدا فى فروع مثل علم الآثار أو التاريخ، تبين أن هناك آراء غير صحيحة أصبحت من المسلمات فيه، وقد قيلت وانتشرت هذه الأفكار كالنار فى الهشيم، ومنها بدائية الإنسان وتطور مراحل عمر الجنس البشرى، من المرحلة الأولى محدودة العقل بالفطرة، إلى مرحلة التعقل، فيما يقول الخالق عز وجل: "لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم" صدق الله العظيم، أى أنه قد وضع به فى أول خلقه العقل المفكر المتأمل، بحيث استطاع التكيف مع بيئته المحيطة وأن يدافع عن نفسه ضد المخلوقات الأشرس منه، كما أمكنه خلق مجتمعات متعارفة فيما بينها، مما أسهم فى استمرارية بقائه، وهذا ينافى ما جاء به الغرب فى هذا الموضوع.

 ميلاد الأنثروبولوجيا الإسلامية

"ميريل ويفز" مدير المعهد الإسلامى فى لندن وأحد دعاة الأنثروبولوجيا الإسلامية، رأت نكران الغرب لدور الإسلام والمسلمين من الرحالة والمستكشفين فى التوصل إلى أقرب معنى للأنثروبولوجيا، وقالت إن هؤلاء قد أسهموا برحلاتهم وكتبهم ومراجعهم المهمة التى تعد منبعا حقيقيا لدراسة علم الإنسان الذى عاش فى جماعات ومع أجناس مختلفة، وربما قد اقتضت الضرورة التى أحدثتها الفتوحات الإسلامية عمل ذلك، فكان الاهتمام جليا بدراسة أحوال البلدان المفتوحة وطبيعة الناس التى تعيش بها لسهولة إدارتها على أسس سليمة، إلا أن هذا لا يلغى غاية الرحالة والمستكشفين الأساسية، وهى الغاية العلمية من المعرفة، لذلك برز دور هؤلاء العلماء فى سبيل وضع كتب ومراجع ومعاجم تدرس البلاد الممتدة جغرافيا، فكان حصاد ذلك العديد من الروافد المهمة، ومنها معجم البلدان لياقوت الحموى، ومسالك الأمصار لابن فضل العمرى ونهاية الأرب فى فنون العرب للنويرى وعادات الشعوب للسعودى وكتاب البلدان للجاحظ، بالإضافة إلى رحلات ابن بطوطة التى استمرت ٢٥ عاما حول العالم، وبرز فيها وصفه للإنسان وحياته اليومية وعاداته وتقاليده فى كل بلد زارها، وكلها أعمال تميزت باعتمادها على عنصر المشاهدة عن قرب والتجربة الشخصية، مما جعلها مادة خصبة ومفيدة فى دراسة علم الإنسان فى حقب مختلفة.

 الأنثروبولوجيا الإسلامية والمستقبل

إن ممارسة التفكير الأنثروبولوجى بكل آلياته وقواعده على أسس سليمة قائمة على مبدأ عدم إخفاء دور الإسلام والمسلمين فى المعرفة الإنسانية لإخراجهم من هذا العلم الذى يردونه غربيا فقط، هى محاولات تؤدى حتما إلى دراسات مغلقة تركن الى التضليل والاضطهاد والقمع والظلم وتكريس العنف والعنف المضاد، بما لا يمكن معه التوصل إلى منظومة أساسها الذهنية الإنسانية المتفتحة التى تدافع عن الإنسان فى المقام الأول وتهدف إلى دراسته بحق، وعلى هذا يجب أن تسعى النظرة المعاصرة للأنثروبولوجى إلى المقاربة بين ما وضعه الشرق العربى الإسلامى وما أسهم به العلم الغربى، دون التميز فى الأصل العقائدى، وذلك يحرر هذا العلم من أفقه الضيق والإقصائى ويمنح بعداً أوسع للمنظومة المعرفية، وليس من المتوقع أن تكون ثمرة هذا الجهد ملموسة فى القريب العاجل فى ظل الهيمنة العلمانية بوجهها الذى يهدف للسيطرة على التفكير فى العالم، والتى تسعى إلى انتشار الجهل بشكل مقصود وغير المقصود فى بلدان العالم الثالث، بالإضافة إلى رغبتها فى خلو الساحة الإسلامية إلى حد ما من رموزها المفكرين الكبار، حيث تهدف تلك الهيمنة العلمانية إلى استخدام الدين كأيدولوجية للصراع أكثر منها للتقارب الإنسانى، لكن الأمر لا يخلو من الأمل، فهناك من لا يزال يحارب فى هذا المجال.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مواقع العاب بلايستيشن مع أفضل نسخة لكرة القدم

تُعد العاب على كرة القدم من أكثر قطاعات العاب عبر الإنترنت نموًا وانتشارًا. ويقارن ملايين المستخدمين بين المنصات المختلفة بحثًا...

كيف تبدأ بكسب المال من المهام المصغرة عبر الإنترنت

فكرة أن تجلس على هاتفك وتكسب مالاً من تصنيف صور أو ملء استبيان أو تقييم نتائج بحث تبدو جيدة أكثر...

قصة مصورة - بعد الحضرة

هذا الممدد بطول السجادة، كأنه اتحد بها، صار جزءاً من نسيجها، كأنه محفورٌ فيها، وكأن طوق زهورها منثورة عمداً حول...

محاكمة اليأس

علم النفس الحديث يعتبر اليأس من الشرور التى تلاحق حياة الإنسان المعاصر حول العالم فتصيبه نفسيًا وجسديًا بالأمراض الميل لتناول...