علماء النفس يحذرون من خطورة الكتمان«الفضفضة»علاج لـ"متلازمـة القلب المكسور"

الفضفة يقوم فيها الأنسان باختياره الحر والتعبير عن نفسه وعن مشكلته

أقسى جرم يرتكبه الإنسان بحق نفسه هو الكتمان، فكل ما نكتمه لا بد أن يظهر على ملامحنا فتذبل أعيننا وتتلاشى ضحكاتنا وتختنق أرواحنا، ثم نفقد مع كل ذلك طعم الحياة ونعيش فيها أو بداخلنا كأننا أموات، لكن لحسن الحظ أن الكثيرين يفهم أن كلما كتم الشخص أحزانه وراكمها وراء صمته المطبق، كلما تحول كتمانه هذا تدريجيا إلى ألم نفسى وجسدى، مما يمكن أن نتخيل معه مدى هشاشة الإنسان حينئذ وهو يظن أن كتمانه نوعا من الانتصار، بينما هو فى حقيقة الأمر هزيمة منكرة للنفس يرتكبها الإنسان بحق ذاته ويسجل بها هدفا فى مرماه، فبلا شك أن كثرة الكتمان والتظاهر بالقوة يجعلان القلب أكثر ليونة، حينها قد يبكى الإنسان ولو لأتفه الأسباب، فالكتمان أشبه بنزيف داخلى لا يلاحظه أحد، والألم قد يبلغ بصاحبه إلى حد الهلاك.

الإنسان والكتمان:

لا يزال هناك من يعتبر مقولة شكسبير إن لا أحد يبوح بكل ما يؤلمه لأن بعض الكتمان كرامة، لكن المواقف والعواقب تؤكد بالرجوع إلى ماضينا أن أغلب الأحيان يكون الكتمان مجرد صدى لما تربينا وتعارفنا عليه، حيث تدل النتائج أن فى أحيان كثيرة لم تؤخذ إنسانيتنا بعين الاعتبار، وذلك منذ نعومة أظفارنا، مع العلم أن الاعتراف بأن فترة الطفولة رقيقة تؤثر فينا عميقا، لكن فترة البراءة تلك تتعرض كثيرا جدا إلى أكثر الأساليب قسوة وبعدا عن الأحاسيس التى تأخذ التفاصيل الصغيرة فى الحسبان، وذلك حين يصدر معظم الآباء والأمهات معلومات كارثية لأطفالهم مفادها أن التعبير عن المشاعر ضربا من ضروب الضعف والرخاوة والمهانة وأن البكاء خاصة لدى الأطفال الذكور مسألة تمس الرجولة فيما بعد، لذلك نسمع كثيرا عبارة "ما فيش راجل يبكي".

هذا هو المفتاح الذى يفتح باب التناقض الخطير فى شخصياتنا ويلعب على التغيير الجوهرى الذى يعبث مبكرا بإنسانيتنا فيحول فى لحظة طاقة الإحساس بالانفعالات الحقيقية وطريقة خروجها الآمن إلى أثم أو ذنب يظل جاسم على الصدور فيما بعد، الأمر الذى قد ينتج معه تشوهات فكرية ومعرفية لا تتوافق مع الفطرة السليمة فينا وتحد من حريتها وتنتهك حقوقها فى التعبير عن أبسط معاناتها التى ستصبح فيما بعد مزمنة وملازمة مع كل منا، وعندها يبدو الإنسان بمرور الوقت كأنه تربى بلا روح تعترف بالمشاعر والتفاصيل الإنسانية، لهذا قد أصبح الكتمان ظاهرة وأسلوب حياة يعتقد معه البعض أنه ميكانيكيا، وكذلك صار الكتمان وسيلة غير مباشرة من وسائل الدفاع عن النفس تمنع الإفصاح عن ما يعتمر الذات المتعبة، فلا مواجهة إذا مع الآخر، الأمر الذى يعد بطريقة أو بأخرى سبيلا للبقاء أطول فى خضم الحياة القاسية.

"سياسة التأجيل" هى ما احترفناه ممهدين بذلك مساحة واسعة للحوار الصامت مع الذات، وأصبح خروج المشاعر من النفس ليس من ضمن أولوياتنا الحالية للأسف، وهذه طريقة مؤذية للذات تخاطب ود الصورة المجتمعية على حساب أنفسنا المتألمة، وتحول معظمنا إلى كاذب أو منافق يظهر عكس ما يبطن ابتغاءً للبعد عن الضرر.

لقد حملنا آهاتنا وآلامنا وتجاربنا المؤلمة وصدماتنا النفسية وذكرياتنا الصعبة متوحدين معها بدلا من الاعتراف بها والإفصاح عنها، وبذلك الاختيار قد سلكنا الطريق الصعب غير مبالين بسموم قد تنفذ يوما إلى داخل قلوبنا وعقولنا، بل وإلى أجسادنا، وكل ذلك يسيطر علينا ويتحكم بنا وبسلوكنا وبقرارتنا، فهذه السموم قد ترسبت فى قاع اللاوعى فينا، إلى حيث دفناها ولم نعطها فرصة الخروج والظهور، وبالطبع كنا غير مدركين أن كل شعور متروك مكبوت قد لا يحتمل الدفن كثيرا، وكنا مدركين كذلك أننا حتى وإن قد اخترنا خروج ما نكتمه متأخرا فسيكون على شكل انفجارا كبيرا أو مرض نفسى يحتاج إلى جلسات علاج طويلة.

 الكتمان النفسى السليم:

ما قد يعرف بـ "الكتمان النفسى" أو لغويا بـ "الكظم" هو عملية خاصة بشعور الإنسان وبميله لاستبعاد الذكريات والمشاعر المؤلمة التى حدثت له بالماضى أو فى أية لحظة فى الحاضر وسببت له صدمة نفسية قاسية أدت إلى ضرورة نقلها بطريقة آلية من دائرة الشعور إلى اللاشعور، أو من الوعى إلى اللاوعى فى محاولة لنسيانها أو التغاضى عنها بشتى الوسائل، الأمر الذى يظهر معه فورا أعراض مثل العصبية والقلق، وقد استنتج مؤسس التحليل النفسى "سيجموند فرويد" حين تناول موضوع الكتمان أنه أحد نوعين، الأول يسمى الكتمان النفسى الأساسى، حيث يقوم الإنسان بفعله لمحاولة إخفاء مشاعره وذكرياته غير المرغوب فيها قبل أن تصل إلى عقله الواعى، أما النوع الثانى فهو الكتمان النفسى السليم، وهو مرحلة يدرك فيها الإنسان حقيقة مشاعره التى تضره فيحاول عن قصد إزالتها من عقله الواعى إلى عقله اللاواعى، ورغم حماسة "فرويد" لنظريته فى الكبت النفسى وتقسيمها لنوعين، إلا أنه اكتشف وجود عدة مشكلات، أهمها أن العديد من الذكريات و المشاعر السلبية المكبوتة التى يعانى منها الإنسان كانت فى الأصل ترجع إلى تقييم غير صحيح بالمرة، لذلك فإن مسألة كبتها أو إزاحتها لمنطقة اللاوعى تعد مشكلة حقيقية، لذلك اعتبر كثير من علماء النفس حديثا أن ظاهرة الكتمان ليست سليمة ولا تعد عملية صحيحة على الإطلاق.

 حقيقة الكتمان الخفية

الإنسان يعيش حياة لا تخلو من المصائب، وقد يمر بمحن متوالية لا يمكنه تحملها، لكن الدنيا دار امتحان ولا تصفو لأحد بلا أحزان، والناس فى ذلك أنواع، فمنهم من يصبر ويحتسب، ومنهم من يلجأ إلى الشكوى والبوح بغية التخفيف عن النفس الهلعة، ومنهم من يهرع إلى محاولة النسيان، ومنهم بالطبع أصحاب نظرية الكتمان، ولأنه لا يمكن تخيل الحياة دون أن تملؤها الوقائع المأسوية التى تترك فى النفس مشاعر سلبية ثقيلة، فإن من يختار الكتمان أو قبر ما يشعر به إنما قد اختار أن يشعل فتيل أعصابه معرضا نفسه إلى العديد من الاضطرابات النفسية التى تمتد إلى الأعراض الجسمية، وللحق أن الكاتم لمشاعره وأحاسيسه قد يكون له أسبابه المفهومة، كضعف الشخصية، فهو لا يمتلك جرأة المواجهة أو الهروب من سخرية الآخرين أو حتى شماتتهم به فى بعض الأحيان، وربما كان خجله السبب، فمن يرفع لافتة الكتمان مؤذى لنفسه، لكن الضرر الأكبر أن نتحدث إلى شخص لا يفهمنا ولا يهتم بما نمر به، وبالطبع هناك أيضا من يؤمن بأن الكتمان مضر ولكن البوح لا يغير شيئا، وعلماء النفس يؤكدون أن ما يتم كتمانه لا يمكن التخلص منه، فالمكبوت فينا لا يموت، وما الكتمان هنا إلا مجرد عملية انهيار داخلى لكن بهدوء.

 متلازمة القلب المكسور

أشارت أحدث الدراسات النفسية والعصبية إلى ضرورة علاج ظاهرة الكتمان، مشددة على ضرورة التفرقة بينه وبين الكبت، فالكبت عبارة عن حيلة لا شعورية تقوم بها الذات للدفاع عن نفسها ضد مشاعر الحزن والقهر والألم، وفى العادة تحدث هذه العملية أمام المشاعر السلبية شديدة الوطأة على الإنسان العاجز عن التكيف، لذلك يقوم العقل على إخفائها فى منطقة اللاشعور فى محاولة لنسيانها، وهنا لا يتذكرها مجددا إلا بعد الخضوع لأساليب معينة فى العلاج النفسى، وذلك لا ينطبق على الكتمان الذى تمسك به تلك المشاعر السلبية فى منطقة الشعور، ويتأملها الإنسان طويلا ويتذكرها دائما ونادرا ما يستطيع العقل الذهاب بها إلى منطقة الإخفاء الدائم.

وبعد أن عرفنا الفرق بين الكبت والكتمان تأتى مرحلة العلاج، ولعل أحدث تقنيات العلاج هى نفسها ما يقوم به غالبا أصحاب المشكلات دون أن يدروا بذلك، حيث يقومون بعملية الفضفضة إلى قريب يمكنه الإنصات والنصح، وأشار الدكتور "إبراهيم مجدى" استشارى الطب النفسى بجامعة عين شمس إلى أن عملية الفضفضة هذه عملية هامة جدا، فمن ناحية عملية يقوم فيها الإنسان باختياره الحر وبمحض إرادته بالتعبير عن نفسه وعن مشكلته مستخدما كل الوسائل، بما فيها التعبير بالإيماءات والإشارات أو بالتعبير اللفظى أو حتى البكاء، لكن السؤال المهم هنا هو: لمن نفضفض؟ والإجابة ببساطة لشخص يكون مستمع جيد وحافظ للأسرار وأمين ولا شك فى نواياه، والأهم أن تتوافر فى ذلك الشخص الحكمة وإمكانية إتاحة الوقت الكافى لنا، وهذه الشروط قد لا تتوافر بسهولة اليوم فى القريبين منا، لكن الظروف المحيطة وضغوط الحياة وتأثير وسائل التواصل الاجتماعى وسرعة الحياة قد تدفعنا إلى أن نلجأ إلى طبيب نفسى تتوافر فيه الشروط السابقة، لأن اختيار المزيد من الكتمان قد يؤدى إلى متلازمة تسمى "متلازمة القلب المكسور"، وفيها يضطرب القلب ويعتل نتيجة الضغوط المتراكمة، وبالتالى فإن عملية الفضفضة بشروطها الصحيحة تشكل صمام أمان لجعل النفس أكثر قدرة على مواجهة المصائب والتحديات.

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - يا بلالين العيد.. آنستينا

شروق أول أيام العيد، تخرج المرأة المكافحة.. لم تتناول حتى إفطارها فى البيت، فاصطحبت معها لقمة سريعة للإفطار،

الطريق إلى الله«2» ذكر الله.. حياة القلوب

"الطريق إلى الله" ليس مجرد سطور بل هو رحلة روحية تهدف إلى استكشاف معنى القرب من الله، وفهم غاية وجودنا،...

أبو بكر الصديق.. حامى دولة المسلميـن وقـاهـر المـرتدّين عن الدين

رجال حول الرسول«6» كان أول من أسلم من الرجال الأحرار وأسلمت أمه ثم أسلم أبوه وأنفق فى سبيل الله وجاهد...

صــلاح عيسـى: الشيـــخ إمـام اختار أن يكون بطلا

تحدى العجز وصنع لنفسه قيمة ومكانة و دور «2-2» الخلاف مع السادات بدأ فى 76 بسبب استثمار الحرب والتحالف مع...