زينب عفيفى: الكتابة فعل حياة

الأفكار الروائية هى التى تحدد الصيغة التى تكتب بها/ الفنون كلها مولودة من رحم واحد.. والكتابة تخلصنى من أوجاعى

تمثل كتابات الروائية والكاتبة الصحفية زينب عفيفى نمطاً خاصاً عبر سرد يعكس ثقافة الراوى وخبرته بالحياة وموسوعيته الفكرية.. هى هنا فى حوار خاص عن آخر أعمالها رواية «عزيزى المستبد» الصادرة عن الدار المصر اللبنانية

هل كانت الرسائل فى رواية «عزيزى المستبد» الخيار الوحيد للتعبير عن أزمة كورونا فى المستبد؟

كتابة الرسائل فى رواية «عزيزى المستبد» جاءت فى فترة العزلة التى فرضها علينا فيروس كورنا، وفى العزلة والابتعاد عن عالم الآخرين تتفجر الحكايات بداخلنا والذكريات وقصص الماضى هروباً من المستقبل الذى تملأه المخاوف من فيروس لم يستطع أحد رؤيته بعينة المجردة، وسبب كل هذه المخاوف إلى درجة أن كل واحد كان منعزلاً عن أقرب الناس إليه، فى حالة إذا أصيب بالفيروس اللعين، الذى أثار الفزع داخل كل القلوب، وفى هذه المرحلة جاءت فكرة كتابة الرسائل التى وجهتها إلى صديق مقرب للروح حتى تتمكن كاتبة الرسائل من البوح، الذى غالباً يأتى فى حالات الخوف حتى ولو لم يكن هناك فيروس كورونا، الخوف دائماً يجعل الإنسان يحتاج إلى من يحتمى فيه، فجاء اختيارى لصديق روح ذات طبيعة خاصة صنعته من خيالى.

 خلال سردك لرواية «المستبد» تحدثت عن «حرافيش محفوظ»، وحب البطلة لتوفيق الحكيم، حدثينا عنهم وعن أهم الكتاب الذين كان لهم تأثير عليك؟

مَلحمة «الحرافيش» من أكثرَ أعمال الكاتب نجيب محفوظ قدرةً على تجسيد الخير والشر، والحق والباطل، والظلم والعدل؛ ففى الحارةِ المصرية، النموذجِ المُصغَّرِ للكون كله، كتب محفوظ ملحمته الرائعة من خلال عشرِ حكايات، كل حكاية منها تمثِّل جيلاً من الحرافيش ليصوِّر لنا مسيرةَ الحياة وتقلُّبات الزمن، إنها من الأعمال التى تجيب عن تساؤلات الحياة فى حكايات تبدو عادية وهى ليست كذاك، تأثرت بكتابات صاحب نوبل على مدار مسيرتى الصحفية والإبداعية ولحسن الحظ التقيته مرتين فى حياتى ولهذه المقابلات أحاديث طويلة تعلمت منه، كيف يكون المبدع عملاقاً وفى الوقت نفسه فى منتهى البساطة والتواضع، وكيف يكون الشخص بكل هذه الكاريزما ويبدو لك أنه من أقرب الناس إلى الروح، أما الكاتب توفيق الحكيم لقد وقعت فى غرام كتابته من أول لحظة قرأت له «سجن العمر، وزهرة العمر» ثم توالت قراءتى له وتوقفت طويلاً أمام نظرته الفلسفية الساخرة وعشقت مسرح اللامعقول الذى يعتبر من رواده الأوائل، ولا أعرف إذا كنت محظوظة أم هو قدرى بأننى التقيت به فى بداية عملى المبكر فى الصحافة من خلال حوارات صحفية تضمنها أحد كتبى «هؤلاء يعترفون»، كل ما أستطيع أن أخبرك به أن توفيق الحكيم أديب ومفكر يصعب تكراره، أما بالنسبة للظروف التى أتاحت لى مقابلة العديد من عمالقة الأدب والفكر، فإنها ترجع إلى الحظ والظروف التى أوجدتنى فى هذا العالم الملىء بعمالقة الأدب حينذاك؛ فى بداية خطواتى الأولى فى مجال الأدب والصحافة، يكفى أن أقول لك إن الكاتب أنيس منصور كان أول من علمنى كتابة الجملة الصحفية الأدبية بكل بساطة وتلقائية الإحساس، ثم توالت لقاءاتى مع القاص والكاتب إحسان عبدالقدوس، وفتحى غانم، ورشاد رشدى وأحمد رجب وأحمد بهجت ولويس عوض وغيرهم وهم كثر تضمنها كتابى «موعد مع الورق» وهناك لقاءات مع بهاء طاهر والكاتبة الجميلة التى أحببتها وكان لها فضل كبير عليّ الكاتبة والمبدعة سناء البيسى، والفنان صلاح طاهر والفنان يوسف فرنسيس وغيرهم.

 لكِ لغة خاصة حالمة تتحدث عن الطبيعة ومشاعر مفقودة فى عالمنا المتسارع هل هى رواية نفسية أم هى طبيعة فى شخصيتك؟

الحقيقة أننى بطبيعتى شخصية رومانسية، فإذا كانت الرومانسية تهمة فى هذا الزمن الحالى، فأعترف أننى متهمة مع سبق الإصرار والترصد، ربما لأننى بدأت القراءة مبكراً لأدب يوسف السباعى وإحسان عبدالقدوس وعبدالحليم عبدالله، وقد أثروا بشكل أو بآخر فى تكوينى بالإضافة إلى تأثير أمى على حياتى وقدرتها الفائقة فى تعليمى الصبر والحلم فقد كانت كفيفة وجعلتنى أرى العالم من حولى بكل هذا الجمال والخيال. وتكوينى الثقافى والأسرى شكّل وجدانى وانعكس ذلك على طبيعتى، كل أعمالى فيها روح رومانسية حتى حين كتبت روايتى «أهدانى حباً» وهى رواية سياسية بالدرجة الأولى إلا أنها بداية من عنوانها إلى سطور سردها تتضمن الروح الرومانسية، قد تندهشون لو قلت لكم إننى لا أحب العالم من حولى بكل هذه الرومانسية فقط، وإنما إذا كرهت أو غضبت فإننى أكره برومانسية وأغضب برومانسية أشد.

 بطلة روايتك فنانة تشكيلية، والصديق كاتب روايات.. إلى أى مدى تتماهى الفنون معاً كما عبرت عنها خلال سطور الرواية؟

فى اعتقادى أن الفنون جميعاً مولودة من رحم واحد، هذا تشكيلى، وذاك روائى، وآخر سينمائى وهكذا وكل مبدع له حريته فى تشكيل إحساسه الداخلى للعالم الخارجى، وحينما اخترت الرواية واللوحة بشكل محدد فى السرد الروائى فقد تصورت أنهما توأمان لروح الفنان الذى يعبر بالكلمة المكتوبة والصورة المرسومة، وكان هناك البطل الثالث فى الرواية وهو الموسيقى، وفى اعتقادى أن الفن مكون من صورة وكلمة ولحن، وكل منها يكمل العالم من حولنا فى صورة الطبيعة من لون السماء والبحر وصوت العصافير وحفيف الأشجار وغير مما تستدعى خيال الروائى فيكتب روايته، والحياة لا تخلو من هذه الفنون.

 «الخيانة» تعانى البطلة من فشل قصة الحب، ثم فشل الزواج، أزمة العالم فى فهم الصداقة بين رجل وامرأة، حتى لو كانت على الورق هل نعيش ذلك فى العالم العربى.

علاقة المرأة بالرجل بشكل عام من أكثر العلاقات المثيرة للجدل فى الحياة منذ بدء الخلق، ولكن إذا صورنا بعض العلاقات عن قرب مثل علاقات الحب والزواج والصداقة، فالجدل هنا يشتد وخاصة فى المجتمعات الشرقية المتشددة، التى قد ترى فى علاقة الرجل بالمرأة بدون إطار شرعى مصدر شك وإذعان، فى الوقت التى تتزامل فيه المرأة مع الرجل منذ طفولتهما فى المدرسة وشبابهما فى الجامعة ثم العمل وحتى فى الحياة العامة وكلها علاقات شكلية اتخذت الشكل الطبيعى فى جميع المناحى؛ لكن الفهم بينهما ما زال محل شك وظنون وتأويل وفى اعتقادى هذا يحدث فى بعض المجتمعات قليلة الوعى والثقافة والفهم والإدراك بأن هناك علاقات صداقة نقية بين الرجل والمرأة، وفى علاقات أخوية أيضاً لا تربطها علاقة دم وإنما ترجع أصولها للتربية والتكوين الثقافى لكل من الطرفين، وفى مجتمع مستنير لا يحمّل الأمور أكثر من حجمها الطبيعى، لكن الطبيعة البشرية تفضل الظن والشك وإلا لما نهى الله عز وجل عن كثير من الظن، لأن بعضه إثم.

 ماذا عـن كواليس كتابة المستبد؟

بعض الأفكار الروائية هى التى تحدد الصيغة التى تكتب عليها، أو بمعنى أدق هى التى تحدد تكنيك كتابتها ورواية عزيزى المستبد، اخترت أن يكون سردها رسائل، لأنها وسيلة من وسائل البوح دون الارتباط بالمكان أو الزمان، ففى الرسالة يمكن أن تتضمن الحلم والواقع والخيال وممكن أن تحكى عن اللحظة الآنية والراحلة والمستقبلية فى آن واحد، وربما أيضاً تتضمن هواجس وجنوحاً، وهذا ما كنت أريد أن تتضمنه رسائل البطلة للشخص المستبد سواء للزوج الخائن أو الصديق النرجسى المستغل لثقافتها، فالاستبداد هنا يعنى الاستبداد الروحى وترك الجسد فارغاً من الروح، ولكنها قاومت واختارت الوحدة والعزلة واستعادت روحها التى سُرقت منها بغض النظر عن احتياجها للرجل سواء كان صديقاً أو زوجاً.

 هل العمل الصحفى والثقافى أفادك ككاتبة؟

بالتأكيد الصحافة منحتنى التجربة الحياتية الواقعية، لكى أشكل بها الخيال الروائى.

 حدثينا عن الفنان صلاح طاهر؟

الفنان صلاح طاهر درّس لى فى كلية الإعلام مادة الفن التشكيلى، وهذه المادة كنت أحبها جداً، ولا أخفى عليك أن تنسيق الجامعة فى الثانوية العامة رشحنى لدخول كلية الفنون التطبيقية، فى الوقت الذى كانت فيه اختبارات شخصية للالتحاق بكلية الإعلام جامعة القاهرة، وحين نجحت فى الاختبارات اخترت كلية الإعلام وعاش الفن التشكيلى بداخلى، ولذا كنت طالبة مفضلة لدى الفنان صلاح طاهر لأننى كنت كثيرة النقاش معه حول ماهية الفن واللون والمنظور الجمالى للوحة، ومن هنا نشأت صداقة بين الطالبة والأستاذ، والرسالة التى تتضمنها رواية المستبد عن الفنان صلاح طاهر حقيقية إضافة إلى بعض الرتوش الخيالية وربطها ببطل الرواية المتخيل.

 ماذا عن أعمالك الأخرى؟

بدأت الكتابة الإبداعية مبكراً، كبرت على استحياء بجوار الكتابة الصحافية، لأن الصحافة لا تحب الشريك، أنتجت ستة عشر عملاً بين القصة القصيرة والنوفلات والروايات والكتب أيضاً. بدأت بكتاب حوارات «13 رجل وصحفية» صمم الغلاف الفنان يوسف فرنسيس ثم أعيد طباعته تحت عنوان «هؤلاء يعترفون» عن دار المعارف ثم نوفيلا «إليك وحدك» و «عفواً إننى أحببتك» تصميم الغلاف أيضاً للفنان يوسف فرنسيس ثم تلتها كتاب عن «أعظم قصص الحب فى القرن العشرين» ترجمة وإعداد - عن دار مدبولى للنشر «اسمى حنفى» رواية - عن دار نهضة مصر. «امرأة متهمة بالقراءة» عرض كتب تحمل صفة السير الذاتية - عن دار العالم العربى. «كلام فى منتهى الأدب» مقالات فى الادب والثقافة - سلسلة «اقرأ» عن دار المعارف. «بن لادن» سيرة ذاتية من واقع كتب صدرت باللغة الأجنبية.. عن دار العالم العربى، «اتصل فى وقت لاحق» قصص قصيرة - عن دار أخبار اليوم سلسلة كتاب اليوم. «موعد مع الورق» حوارات أدبية وسياسية وثقافية ونقدية مع كبار مبدعى مصر عن دار العين. رواية «شمس تشرق مرتين» عن الدار المصرية اللبنانية، «خمس دقائق» مجموعة قصصية عن الدار المصرية اللبنانية، «رواية أهدانى حباً» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، رواية «أحلم وأنا بجوارك» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، - رواية «معك تكتمل صورتى» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، رواية «عزيزى المستبد» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية.

 هل لك طقوس خاصة فى الكتابة؟

ليس لدىّ طقوس محددة غير أن تكون هناك فكرة فى رأسى لا تهدأ حتى أكتبها، وأنا يقظة أو وأنا نائمة فى أحلامى فالحياة لدىّ متواصلة بين اليقظة والنوم.

 هل العزلة مرادف للكتابة ومساعد لها؟

العزلة تساعد على تهيئة طقس الكتابة لكنها ليست بالضرورة عاملاً أساسياً للكتابة، الكتابة قصة مختلفة حين تأتى للكاتب أو المبدع لا تمنحه فرصة الاختيار للمكان أو الزمان أو الظروف إنها تأتى بدون استئذان مثل الحب.

 هل الكتابة محاولة لفهم العالم أم للهروب من ضجيجه لحياة أفضل؟

الكتابة كل ذلك، ولكنها بالنسبة لى تخلصنى من أوجاعى، الكتابة تمنحنى فاصلاً للتوحد مع نفسى حد الجنون والصراخ دون أن أنتظر رد فعل أحد، بأن يصفنى بالجنون، أو بالعقل، الكتابة أمر يخصنى بالدرجة الأولى، الكتابة فعل حياة.

 	 هانم الشربينى

هانم الشربينى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

تنزيل فيديو انستا: طريقة حفظ مقاطع IG بدون تطبيقات إضافية

هل سبق أن كنت تتصفح انستغرام فصادفت مقطع فيديو قلت في نفسك "لازم أحفظ هذا" ثم اكتشفت أنه لا يوجد...

سقوط الثوابت: لماذا قد لا تكون دروس الماضي كافية للنجاح في أسواق 2026

رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...

كيفية الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج

الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!