قصة الرواية المصرية التى تنبــأت باستنساخ النعجة دوللى/ رفض إعتبارها رواية خيال علمى.. واعتبر المسيرى أذكى من قرأها / استوحاها مؤلفها من الحياة فى أمريكا حيث سحقت التكنولوجيا مشاعر البشر
قاوم جيل صبرى موسى التكنولوجيا كثيرا، وأغلبهم سيطر عليه تصورا ضاغطا بأن التكنولوجيا تقتل الإبداع، ولذلك قاطعوا منجزاتها وهربوا منها أو تهربوا، ومنهم من ظل يمارس الكتابة بالقلم والورقة، رافضا بشدة استخدام الكمبيوتر والجلوس أمام شاشته، ومنهم من رفض استعمال التليفون "المحمول" متوهما أنه يدمر الخصوصية والحرية الشخصية!
لكن صبرى موسى سار ضد التيار، بل كان أكثر أبناء جيله شغفا بالتكنولوجيا، وأول مبدع فى جيله يتعلم الكتابة على الكمبيوتر (فى أجياله البدائية الأولى)، ويتابع باهتمام غريب كل جديد فى هذا العالم المثير.. ليس فى مجال الكمبيوتر والهواتف فحسب بل تخطاها إلى الدوريات والنظريات العلمية وكل ما يتعلق بأخبار العلم وتطوراته وقفزاته..
(1)
الثابت أن هذا الشغف كان من توابع وتأثيرات احتكاكه بالثقافة الأمريكية وبالحياة فى هذا المجتمع المذهل فى تفاصيله وعاداته وطقوسه وقوانينه..
ومن خلال معايشته لهذا المجتمع الأمريكي، وبعيون حساسة راصدة وبحاسة قاص مبدع راح يلتقط ويراقب، وأسفرت سنوات المراقبة والتحليل عن رؤية إبداعية مرعبة، بعدما اكتشف أن الإنسان فى هذا المجتمع – رغم الوفرة والرخاء والرفاهية– فقد إنسانيته ويوشك أن يتحول إلى روبوت آلي، فاقدا للحس والإحساس ومتعة الحياة.. حوّله خواء الروح إلى كائن فى غاية التعاسة رغم كل مظاهر السعادة التى تحيطه من كل جانب..
وبخيال جامح قرر صبرى موسى أن يقدم تصوره للإنسان فى عام 2480، أى بعد أربعة قرون من الفترة التى بدأ فيها كتابه "السيد من حقل السبانخ"، الرواية المدهشة فى عالمها وشخوصها وأسلوبها.. وحتى اسمها!
وقبل ذلك فى تصنيفها الأدبى، فقد أثارت جدلا هائلا بين نقاد الأدب، وانقسم الرأى فيها وحولها بحدة، فهناك فريق وقف على رأسه د. محمد عنانى رأى أنها تنتمى بامتياز إلى أدب الخيال العلمى، وبعد بحث فى تاريخه منذ ميلاده فى العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر وصولا إلى مرحلة ازدهاره بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد حديث عن رواده مثـــل "فيـــرن" و"ويلز"، يصل د. عنانى إلى القول:
"وإذا كان هذا النوع جديدا على الأدب العالمى فهو جديد حقا على العربية، ولا يكاد القراء يذكرون إلا اسم نهاد شريف فى هذا الصدد، ولكن الرواية التى صدرت مؤخرا للروائى الراسخ صبرى موسى (السيد من حقل السبانخ) تعتبر كسبا جديدا لنا وله، فهى تضع مزيدا من الأسس اللازمة لهذا النوع الأدبى فى اللغة العربية".
وهناك فريق رأى أن الرواية هى رؤية جديدة مبدعة للمدينة الفاضلة، حلم الشعراء والفلاسفة منذ فجر التاريخ، هكذا رآها د.مدحت الجيار فوصفها بأنها "رواية طوباوية"، ولم تبتعد د. عزة الغنام عندما وصفتها بأنها " تخطيطا لمدينة فاضلة"، وبان موقف د. محمد حسن عبدالله من عنوانه لدراسته عن الرواية "حلم اليوتوبيا من جمهورية أفلاطون إلى حقل السبانخ"، وكتب د.رمضان بسطاويسى.. "الرواية فيها جانب يوتيوبى تحاول فيه أن تستشرف صورة الإنسان فى المستقبل البعيد"..ومزج يوسف الشارونى بين الموقفين عندما رأى أنها "يوتيوبيا الخيال العلمى"..
وهناك من حاول أن يبتكر تصنيفا استثنائيا يتماشى مع استثنائية الرواية، منهم علاء الديب (مع حفظ الألقاب والمقامات للجميع) الذى كتب: "إننا أمام فانتازيا فكرية تحاول أن تجيب على أصعب الأسئلة عن معنى السعادة، وعن معنى الإنسانية، وعلى الرغم مما فيها من طرافة وخفة دم إلا أن شعورا حزينا متشائما يرسم لك حالة من الحصار داخل تلك الورطة التى هى الحياة".
ومنهم د. رفقى بدوى الذى أسهم بتصنيف مختلف، فهى عنده "رواية الآن".. الآن الواقع.. والآن القريب (المستقبل)..
وهناك من اكتفى بالانبهار دون تصنيف، فكتب طلعت رضوان مثلا.. "إنها الرواية الأولى فى مصر - فيما أعلم- التى تستخدم إمكانيات العلم المستقبلية، لا من أجل الإبهار بل لرسم رؤية عن مصير الإنسان، وهى عمل فريد من نوعه فى الأدب العربى عامة.. تبقى مع القارئ وتضيف إلى وعيه وتمس روحه، وذلك فى بناء درامى شديد الإحكام بالغ الجمال"..
وكذلك ما كتبه د. يسرى العزب: "فى روايته الجديدة "السيد من حقل السبانخ"يتجاوز صبرى موسى نفسه وجيله بدرجات فنية متعددة، حين يضع العالم كله داخل دائرة بلاستيكية معلقة فى الفضاء الكونى"..
وكأن مؤلف الرواية نفسه كان يتوقع هذا الجدل ويتحسب لهذا الخلاف النقدي، فكتب على غلافها وتحت عنوانها "رواية عن المستقبل"، وفى متنها أكد على هذا المعنى فى تلك العبارة الدالة وهو يقدمها لقرائه: "الآن أقلب لكم مرآة الزمن مقتنعا بأن صورة واضحة للمستقبل يمكن أيضا أن تمد حاضركم بعديد من البصائر التى لا غنى عنها".. وكان يزعجه تصنيفها كرواية خيال علمي، ويراها رواية واقعية تدور أحداثها فى المستقبل، ويردد بحسم: "لدى ارتباط دائم بالواقع، وعندما قالوا إن "السيد من حقل السبانخ" خيال علمى قلت إنها رواية عن المستقبل وواقعية".
ولذلك كان صبرى موسى سعيدا وممتنا لقراءة د.عبدالوهاب المسيرى للرواية، ويراها القراءة الأكثر ذكاء واقترابا مما تصوره، فما الذى قاله المسيرى عن الرواية فاستحق امتنان مؤلفها؟.. تحت عنوان "الحلم قد تحقق.. لكنه فى واقع الأمر كابوس"، كتب المفكر الكبير دراسة مطولة بمجلة "القاهرة" قدم فيها رؤية شديدة العمق والذكاء للرواية ومضمونها، ووضع يده بثقة على رسائلها ومغزاها وتصورها لمستقبل البشرية.."، ولذا فرواية "السيد من حقل السبانخ" لا تبشر وإنما تحذر وتنذر وتقدم تعريفا للنموذج العقلانى / المادى بعد أن تحقق وتكشف لنا ما تحقق للإنسان فى حضارة أسست على العلم فحسب، وكذا على الرؤية العقلانية المادية وحسب"..
وفى هذا المستقبل يتحول الإنسان إلى مجرد آلة إلى عقل محض.. بلا روح ولا قيم دينية أو أخلاقية.." وتتضح الصورة تماما حينما نعرف طبيعة إله هذا العالم، القوة التى تتحكم فيه، عقل إلكترونى شامل يعرف كل شيء ويستطيع الإجابة عن جميع الأسئلة، أى أنه عصر التحديث المادى والتقدم التكنولوجى الذى مات فيه الإله، إذ حل محله عقل إلكتروني، كما مات فيه الإنسان إذ حل محله آلة حسنة الصنع، وماتت فيه الطبيعة وأصبحت مادة ميتة خاملة"..
(2)
أخذتنا الرواية وتفسيراتها وما أثارته من جدل وما أثير حولها من صخب، ونسينا أن نقدم "السيد من حقل السبانخ" وقصته.. لنحاول أن نحكى حكايته:
لنتخيل أن الزمن قفز بنا إلى القرن الرابع والعشرين، وعلينا الآن أن نعيش المستقبل ونعايشه مع السيد "هومو" ذلك الفلاح الذى يعمل فى حقل السبانخ، وهو من بقايا سلالة بشرية تم إنقاذها بعد فناء كوكب الأرض بعد الحرب الإلكترونية الأولى التى وقعت فى القرن العشرين..
والسيد "هومو" يعيش فى مدينة فضائية (معقمة) فى عصر "العسل"، وهو العصر الذى أصبح العلم فيه هو القيمة الوحيدة المجردة، لا صوت يعلو فوق صوته، فهو الدستور والنهج والأسلوب، وفيه تُحل كل مشاكل الإنسان، ويصبح لدى كل شخص خادم آلى (روبوت) ينظم له كل شئون حياته اليومية، حيث كل شيء محسوب بدقة وبمعايير علمية محددة، وحيث يعيش نوع جديد من البشر تم التلاعب فى جيناته للقضاء على غرائزه الرزيلة التى سبق أن دمرت حياته فى الأزمنة السابقة..
الآن لا معاناة ولا فقر ولا حرب ولا صراعات ولا أزمات، إنها كلمات اختفت من القاموس البشرى، نحن الآن فى عصر الوفرة والرخاء والسمو والتكنولوجيا..
لكن السيد "هومو" فلاح حقل السبانخ والمتزوج من السيدة "ليالي" يتمرد على عصر "العسل"، يقوده التفكير إلى التمرد، وتلح عليه غرائزه البشرية وتستيقظ نقاط ضعفه الإنسانية، فيعلن رفضه لتلك الحياة التى قتلت بداخله المشاعر الطبيعية وحولته إلى مسخ، فينفجر صارخا : أيها السادة إنكم تقتلون الأحاسيس الخلاقة فى المواطنين، إنكم تقتلون الحرية الشخصية داخل فكرة الانضباط وتمنعون النزوات وتعوقون الخيال الإنسانى المقدس عن الانطلاق الجامح الذى تولد منه العبقرية الخلاقة!
يرفع "هومو" راية العصيان ويتبعه آخرون يطالبون بالسماح لهم بالعودة إلى الأرض من جديد ليمارسوا حياة الإنسان بفطرته وغريزته، برغباته وشهواته، بنزعات الخير والشر، بقوته وضعفه كما خلقه الله، ويطلق هومو صرخته وخلفه أتباعه من المتمردين: فليسمح لنا النظام بالخروج والعودة إلى أرضنا القديمة، أمنا الأرض الطيبة القديمة التى يربطنا بها وتر مشدود له شكل اللحم والدماء"..
وأمام التصميم يسمح لهم النظام بالخروج والعودة إلى الأرض، وعلى الأرض تكون فى انتظارهم صدمة قاسية يتحول معها حلمهم إلى كابوس مخيف، إذ يتفاجئون بأن الأرض فى حالة من الدمار الكامل وتستحيل فيها الحياة، وسكنتها الحيوانات الضخمة والزواحف الشرسة والنباتات المتحركة.." وفى اليوم الرابع كان هومو قد قرر العودة.. أدار سيارته وهو يصيح فى زملائه عن طريق النداء الذاتى: أيها الزملاء، العاقل منكم يتبعنى، لقد كان خروجنا خطأ.. لقد كان خروجنا خطأ"..
يعود هومو مع أتباعه إلى بوابة عصر العسل، ولكن الأبواب لا تُفتح لهم، وتنتهى الأحداث بذلك المشهد المروع:
"ذات يوم كان أحد المواطنين فى عصر العسل يتنزه مع زوجته فى سيارتهما الهوائية الخاصة بالقرب من البوابة الخارجية، فشاهد من خلف الزجاج السميك رجلا مشعث الملابس رث الهيئة وهو يدق على البوابة بكلتا يديه فى يأس، ودققت الزوجة النظر وقالت لزوجها : انظر هناك..أليس هذا هو هومو رجل السبانخ؟.. وقال الزوج وهو يشيح بوجهه: نعم إنه هو..هيا بنا نبتعد عن هذا المكان.. وقالت الزوجة: أما زال يدق الباب.. وهل نسى أن الزمان لا يعود إلى الوراء؟".
تنتهى الرواية بهزيمة هومو فى سعيه لاستعادة إنسانيته والهروب من زمن المسخ، وهى نهاية لم تكن مصادفة، فهزيمة للإنسان فى بحثه عن هويته وسعادته تمثل – كما لاحظ الناقد فكرى سعيد – العقدة الدائمة لروايات صبرى موسى.. ففى روايته الأولى "حادث النصف متر" يكون سبب هزيمة البطل هى تلك الأفكار التقليدية العتيقة التى تعرف باسم الأخلاق، فهزمته الأخلاق وجعلته أكثر تعاسة وبؤسا.. و"نيقولا" فى "فساد الأمكنة" انهزم فى صراعه مع الطبيعة.. والسيد هومو فى رجل السبانخ انهزم فى صراعه مع العلم والرغبة فى العودة إلى الوراء"..
ولكن رغم تلك النهايات لا تملك إلا أن تشعر تجاه أبطالها بالتعاطف والحب والتقدير لتجاربهم النبيلة..الفاشلة!
(3)
وعندما سئل صبرى موسى عن أكتر ما فاجأه بعد نشر الرواية، كانت إجابته مدهشة وغير متوقعة، قال:"فى سنة 1980 كتبت "السيد من حقل السبانخ" وتصورت فيها الحياة الإنسانية عام 2480 أى بعد أربعة قرون من لحظة الكتابة، وإذ بى أفاجأ بعد مرور عشرين عاما على كتابتها بأن أغلبية ما تصورته فى هذه الرواية وتوقعت حدوثه بعد مائة عام على الأقل ..قد حدث بالفعل!"..
فقد انطوت الرواية على نبؤءات وتنبؤات علمية بدت عند نشرها خيالات وشطحات يصعب وربما يستحيل تحقيقها ولو بعد قرون قادمة، فإذا بها بعد سنوات تتحول إلى واقع وحقائق، وبينها مثلا موضوع الاستنساخ الذى تحدثت عنه الرواية قبل سنوات طويلة من نجاح العلم فى الوصول إلى إنجاز وإعجاز"النعجة دوللى".. والأمثلة عديدة على أن التطور اللاهث للعلم حقق خياله المبدع، وكلها تؤكد نبوءته القديمة على استعباد التكنولوجيا للإنسان وسحقها لإنسانيته..
خيال الرواية الجامح أثار المخرجين لتجسيده دراميا، وكان أسبق تلك المحاولات زمنيا هو ما قام به المخرج الإذاعى الكويتى مهند الأنصارى عندما فكّر- فور صدورها - فى تحويلها إلى حلقات إذاعية من إنتاج إذاعة الكويت، وبعدها بنحو 17 عاما أى فى نهاية التسعينات قرر المخرج المسرحى د. حسين جمعة تحويل الرواية إلى عرض مسرحى مبهر باستخدام أحدث التقنيات الفنية، والتقى مؤلفها كثيرا ليتفق معه على رؤيته لأفكار الرواية، وقطع د. حسين جمعة شوطا كبيرا فى التحضير للعرض وانتهى بالفعل من تجهيز ديكوراته، لكنه توقف فجأة ولم يخرج العرض للنور، والغالب لأنه لم يتمكن من توفير الإمكانيات المادية والميزانيات المناسبة لخروج عمل بتلك الضخامة، وهو السبب نفسه الذى جعل السينمائيين يحجمون حتى الآن عن تحويلها إلى فيلم سينمائي، رغم أن الرواية راودت خيالهم.. وجنونهم!
لكن تبقى "السيد من حقل السبانخ" رواية ملهمة وقادرة دوما على إثارة الدهشة، واختارتها الباحثة مها مظلوم (نهاية سنوات التسعينات) لتكون موضوع رسالتها للدكتوراة، وحصلت على الدرجة العلمية مع مرتبة الشرف..
كما تبقى الرواية أكثر حظا من تجربة أخرى لصبرى موسى يمكننا أن نمنحها لقب الرواية اللغز فى مشوار أديبنا الكبير، ونعنى بها رواية "فنجان قهوة قبل النوم"، وما أكثر الألغاز فى حياة صبرى موسى..!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...