لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافـة: «للأسف.. مكانك مش هنا»

مقررها ناقد قصة.. و«أمير الشعراء الأزهريين» ضمن تشكيلها الجديد/ علامات استفهام وراء اختيار الدكتور يوسف نوفل مقررًا للجنة الشعر/ سؤال: متى يعود مؤتمر الرواية المؤجل منذ عامين للانعقاد فى دورته الجديدة؟

ذكّرنى الإعلان الأخير عن تشكيل جديد للجان المجلس الأعلى للثقافة، بمقالٍ كتبته قبل أعوام على صفحات مجلتنا، أوجِّه فيه رسالة لوم ساخرة إلى وزيرة الثقافة السابقة بعنوان "رسالة إلى الدكتورة إيناس عبدالدايم: ليس هكذا يُمكن إصلاح «الشنكل»"، راجيًا منها ضرورة تحقيق العدالة فى اختيارات لجان "المجلس"، خصوصا فى اختيار أعضاء "لجنة الشعر" التى تحظى بعدد من الأعضاء "المؤبّدين"، لأنه ليس من المعقول ولا من المنطقى أن يبقى عضو واحد موجودا فى هذه اللجنة عابرا للعصور والأجيال، كأنه لا عمل له فى هذه الدنيا الواسعة إلا عضوية لجنة الشعر، التى يفترض أن يأتى إليها كل عامين شاعر جديد ليضخ دماء وأفكارا جديدة، يضيف بها إلى أعمال اللجنة وأنشطتها ما يمكن أن يُضاف، هذا إذا كانت لاتزال هناك ـ أصلاـ أعمال تُقام أو أنشطة تنعقد.

أعترف لكم أننى تباكيتُ ولطمت الخدود فى هذا المقال السابق على ما وصل إليه حال الشعر فى وزارة الثقافة على وجه التحديد خلال مسئولية الدكتورة إيناس عبدالدايم، بسبب ما يظهر ـ ومنذ عهد الوزير الفنان فاروق حسنى  فى اختيارات أعضاء لجان المجلس من مجاملات ومواءمات، لدرجة أننى لا أصدق أن ما كتبته قبل كل هذه السنوات لا يزال قابلا للتكرار بالحرف الواحد إلى اليوم، وأن اعتراضات الأمس على أسماء محددة تأبدت فى عضوية اللجنة لا تزال هى نفسها اعتراضات اليوم، لأن كثيرا من هذه الأسماء تكرَّرت و"تأبدت" فى التشكيل الجديد، وبدا الأمر لى وكأننا فى حالة عود أبدى للفشل، ولا ضرورة ترتجى فى فضح ما فى هذا العالم من مثالب، لأنها سوف تعود أقوى وأشد بؤسا مما كانت.

ثم مع صدور التشكيل الجديد وبعد قراءة أسماء أعضاء اللجان الجدد وجدتنى أتذكر الإعلان الذى كان بطله الفنان الكوميدى أحمد فتحى يرتدى ملابس عامل "الدليفري" ويطرق بابا بينما يتحسس خشبه شاعرا أنه "بيلوق"، لينطلق صوت المذيع قائلا: "مكانك مش هنا"، لقد تذكرت هذا الإعلان لأن كثيرا من أعضاء "لجنة الشعر" يصح أن نقول لهم بالفم المليان: "للأسف مكانك مش هنا".

ورغم أننى اعتبرتُ دائما أن دور "لجنة الشعر" قد أصبح مفقودا منذ زمن طويل، بسبب ما حدث خلال العامين الأخيرين من تأثيرات "وباء الكورونا" والأزمات الاقتصادية العالمية، بسبب الحرب فى أوكرانيا وجرائم الاحتلال الإسرائيلى فى غزة، وانعكاس كل ذلك على قدرة وزارة الثقافة على الإنفاق على أنشطة هذه اللجان، حيث دفع ضغط الموازنة وتخفيض النفقات إلى تأجيل "مؤتمر الرواية" للعام الثانى على التوالى، وهى الدورة المؤجلة أصلا منذ نوفمبر 2022، الأمر الذى قلص أنشطة المجلس الأعلى للثقافة الآن إلى أقل معدلات لهذا النشاط خلال العقد الأخير.

ولأن لجنة الشعر هى اللجنة الوحيدة بين كل لجان المجلس التى يحكمها ذوق واحد ويسيطر عليها تيار شعرى وحيد فالأمل فيها ـ هى بالذات ـ مفقود، الأمر الذى يجعل انعقادها صورة طبق الأصل من لجان "عويجة" أفندى فى الفيلم المصرى القديم "أرض النفاق"، ذلك الموظف المسكين الذى يتفنن فى تشكيل اللجان المعيبة لكى يصلح ثقبا تافها فى أحد "شبابيك" الشركة، ولكى يضع فيها كل قدراته الخلاقة على إهدار الفرص ومواهبه المبهرة فى تضييع الإمكانات، إلا أننى لم أكن أتخيل أن العقل المدبر لوزارة الثقافة يمكنه الآن وفى ظل مسئولية الوزيرة نيفين كيلانى أن يحفر عميقا فى هذا الثقب التافه، وأن يتجاوز باختياراته أعضاء "لجنة الشعر" انحرافات "عويجة" أفندى والتفافه على الحق.

وللعلم فإن أعضاء اللجنة وفق التشكيل الجديد هم: يوسف حسن نوفل "مقررًا"، وعضوية: أحمد حسن عوض، أحمد عنتر مصطفى، أحمد يوسف، إيهاب البشبيشى، رشا الفوال، شيرين العدوى، عادل ضرغام، عبد الستار سليم، علاء جانب، عماد غزالى، أمجد ريان، وائل السمرى، يسرى حسان، ورئيس "بيت الشعر".

يشار إلى أن تشكيل اللجان الدائمة للمجلس الأعلى للثقافة (24  لجنة تتكون كل منها من 11 إلى 15 عضوا) يتجدد كل عامين، وفقا للقانون رقم 138 لسنة 2017 ولائحته الداخلية الصادرة بقرار وزير الثقافة رقم 338 لسنة 2020.

 أمجد ريان مقررًا

لقد سخرتُ دائما من تجاهل الشعر الجديد "قصيدة النثر" فى أعمال هذه اللجنة التى يحكمها دائما حَفظة الشعر العمودى وشعر التفعيلة، فى وقت أصبحت فيه قصيدة النثر هى المنتج الشعرى الأكثر تواجدا فى مطبوعات الدولة وفى الفضاء الثقافى العربى كله، بمعنى أن الناس الآن تكتب الشعر الجديد بينما اللجنة تعمل على الشعر القديم وتروج له وتتعبد فى محرابه، وقد بات واضحا أن التشكيل الجديد للجنة يكرس هذه الفكرة ويعمل على تثبيتها فى الأذهان بطريقتين: الأولى أن يأتى بمتخصصين فى غير الشعر من النقاد ويضمهم إلى اللجنة والثانية أن يختار أغلبية الشعراء من ذوى الذائقة التقليدية واضعا على رأس اللجنة هذه المرة رجلا محترما وخلوقا وناقدا أكاديميا مرموقا لكن لا علاقة له بالإبداع الشعرى من قريب أو بعيد لكى تنطبق عليه المقولة الدارجة "مكانك مش هنا".

لقد اختارت العقلية الحاكمة الآن فى وزارة الثقافة أستاذ النقد الأدبى الحديث فى "كلية البنات" جامعة عين شمس الدكتور يوسف نوفل مقررا لـ "لجنة الشعر"، كما اختارت الشاعر الكبير أمجد ريان وشاعر العامية الشاب علاء جانب للانضمام إلى عضوية اللجنة، والحق أن المكان الطبيعى والملائم للدكتور يوسف ليس لجنة الشعر ـ فى حقيقة الأمر ـ بل لجنة القصة، فنحن لم نسمع به شاعرا من قبل، كما أنه بمراجعة عناوين مؤلفاته نجده أقرب فى اهتماماته وتخصصه إلى نقد القصة والمسرح منه إلى نقد الشعر، فمن الذى جاء بهذا الرجل الخلوق الكُبارة (85 عاما) مقررا للجنة الشعر يا ترى؟

المدهش أن نظرة سريعة على عناوين بعض مؤلفات الدكتور يوسف نوفل لا تمكننا من أن نفهم لماذا تم اختياره مقررا للجنة الشعر فى هذه السن المتأخرة، ومن هذه العناوين: "القصة والرواية بين جيلى طه حسين ونجيب محفوظ"، "محمد عبد الحليم عبد الله وفن القصة"، "قضايا الفن القصصي"، "الأدب السعودي"، "عنترة"، "الصورة الشعرية واستيحاء الألوان"، "جماليات القصة القرآنية"، "تطور لغة الحوار فى المسرح المصرى المعاصر"، "موسوعة الشعر العربى الحديث والمعاصر"، وغيرها الكثير.

وبالطبع لا يمكننى أن أصدق أن مقرر اللجنة هذه المرة تم اختياره فقط لأنه أعد ـ بمساعدة آخرين ـ موسوعة "إحصائية" عن الشعر، مهما كانت أهميتها ومهما ارتقى فيها قمم الموضوعية والحياد، لأننا نعرف أن "مقرر" لجنة الشعر فى أى مكان محترم من العالم الحديث يُفضَّل أن يكون شاعرا كبيرا أولا وقبل أى أحد، ثم يأتى بعد ذلك فى ترتيب الأولويات أستاذ جامعى متخصص فى نقد الشعر بشرط أن يقبل كل مدارسه ويستطيع أن يستمتع بكل أشكاله، ولنا فى الناقد القدير الراحل عبدالقادر القط القدوة الحسنة، وهو ما لا نراه فى الدكتور يوسف نوفل وهو أمرٌ لا يعيبه بكل تأكيد.

المثير للغثيان أن كل سوءات التواجد فى المكان الخطأ تجلت فى قرار تشكيل اللجنة هذا العام، فبينما تم اختيار شاعر كبير مغامر مثل أمجد ريان ليكون عضوا فيها وهو اختيار محمود جدا تأخر سنوات طويلة، إلا أن هدر الإمكانات طارد هذا الاختيار أيضا، فمادمت استعنت بقيمة كبرى فى إنتاج قصيدة النثر المصرية مثله كان يجب أن يكون ابن جيل السبعينيات أمجد ريان هو "مقرر اللجنة" ـ لا الدكتور يوسف الذى نجله ونحترمه ـ باعتبار أمجد هو الأقدم والأقرب إلى مفهوم الفعل الشعرى من كل أعضاء اللجنة تقريبا، وهو يستحق ذلك عن جدارة (مواليد 1953)، نظرا إلى أنه شاعر كبير ومؤثر فى أجيال بعده، كما أن له أيضا عطاءً نقديا ضخما متخصصا فى الشعر، ويستطيع أن يستمتع بكل أشكاله وأساليبه، والحق أنه من باب هدر الإمكانات أن تترك شاعرا بقيمة أمجد ريان يجلس غريبا ـ هكذا ـ وسط شعراء الذائقة التقليدية (التفعيلة والعمودي) من ناحية، ونقاد غير متخصصين فى الشعر من الناحية الأخرى، والمكان الصحيح هو أن يجلس الشاعر الكبير أمجد ريان لا على مقعد العضو بل على مقعد "المقرر"، بينما المكان الصحيح للاستفادة من خبرات الدكتور يوسف نوفل هو فى لجنة "السرد القصصى والروائى"، التى يعمل مقررا لها "وياللغرابة" الكاتب منير عتيبة، الذى يستمد قيمته من مؤلفات فى مجالات عدة منها القصة القصيرة والرواية ومنها إعداد "تقرير الحالة السردية المصرية" السنوى، الذى كان يصدره منذ العام 2015 ليحصى فيه عدد المجموعات القصصية والروايات الصادرة كل سنة فى مصر، ونحن إذا نشكره على هذا الجهد "الإحصائى" اللافت الذى قد يؤهله لمقعد العضوية لكنه لا يكفى ليجلس على مقعد "المقرر"، فى ظل وجود كتاب قصة كبار داخل اللجنة مثل سمير الفيل وسلوى بكر والسيد نجم، والناقد الدكتور خيرى دومة، لكن يبدو أن النشاط الإحصائى يعجب "عويجة" أفندى الذى يحكم وزارة الثقافة، لدرجة أنه أصبح يختار على أساسه مقررى اللجان، من دون أن يلاحظ أن المكان الصحيح لمنير عتيبة هو أن يكون عضوا فى اللجنة، لذلك نقول له هو أيضا "مكانك مش هنا".

 صوت العامية

أما بخصوص "أمير الشعراء" أو "شاعر الأزهر" كما يلقب علاء جانب، فأنا أعتقد أن تجربته فى شعر العامية تستحق فرصة للتواجد فى لجنة الشعر، إلى جوار الشاعرين الكبيرين عبدالستار سليم ويسرى حسان، وإن كانت تجارب شعر العامية المصرية تجاوزت ذلك الأداء الأقرب إلى الشفاهى فى قصيدة العامية التى يكتبها علاء جانب، والتى تبدو أقل طموحا وأضعف تجريبا من تجارب جيلى الثمانينات والتسعينيات فى العامية، حيث تبدو معانيها فى كثير من الأحيان متوقعة البناء مفرطة الإيقاع تستخدم لغة سهلة وتسعى لتكريس القيم اللغوية السائدة، من دون أن يكون للشعر أى دور فى تصويرها.

والذى كان ولايزال لافتا هو أن لجان المجلس المتعلقة بالفنون الأخرى مثل السينما والمسرح والقصة وغيرها، حظيت بفترات تمتعت خلالها بتمثيل عادل لتيارات وأجيال عاملة فى مجالها، إلا لجنة الشعر هى فقط اللجنة المغضوب عليها بأن يحكمها تيار واحد مُسيطر، لا يسمح لغيره بالوجود، وهو تيار الشعر التقليدى سواء كان من العامية أو الفصحى أو من الشعر العمودى منه أوالتفعيلى،  وهى اللجنة الوحيدة التى تطول فيها عضوية العضو لسنوات لا حصر لها، الأمر الذى ينعكس بؤسا فى أنشطة اللجنة الراكدة وأعمالها المعطلة واجتماعاتها الرسمية التى لا تُفضى إلى أى نشاط، وباستثناء الأمسيات المحدودة والمشاركة فى أعمال لجان تحكيم جوائز الدولة لا يفعل أعضاء لجنة الشعر شيئا لا من أجل الشعر ولا من أجل غيره من الفنون.

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...