حكايات عادية جداً سألتنى: ماذا نفعل لأطفال غزة؟

متكأ على الكنبة، أشاهد على شاشة الموبايل، مقطع فيديو لطفل فى غزة ينتفض، وعلى شاشة التليفزيون، تغطية مباشرة للحرب،

 تتسلل ابنتى الصغيرة خلفى، دون أن أشعر، لتشاهد نفس الفيديو، سألتنى: هو ليه بيتنفض يا بابا؟، انتبهت لوجودها، فقلت لها: كان نائما، فاستيقظ وحجارة بيته وجدرانه تتساقط عليه.

وأين والدته ووالده؟

ترددت قليلا، ثم أجبت: قتلوا جميعا تحت القصف.

تعرض شاشة التليفزيون أطفالا قتلى، بينهم طفل بلا رأس، أحاول أن أشتت انتباه ابنتى حتى لا ترى المشهد، بينما كانت قد رأته بالفعل، سألتنى: هو ليه ربنا مبيقفش مع أطفال فلسطين اللى بيموتوا، هما مش دول مظلومين، ومش دى أرضهم، ليه ربنا مبيتدخلش؟، قلت لها: "لا يصح أن نسأل الله على أفعاله" لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون"، وليس من شأنى أو شأنك،  ربما لحكمة ما، هو يعلمها"، وقبل أن أستمر فى تلك الإجابة، تذكرت فيديو شاهدته بالأمس،: لحظة، ربما تجدين فى هذا الفيديو إجابة".

كان الفيديو لطفلة فلسطينية، ممدة على سرير مستشفى، يمتلأ وجهها بالجروح، كانت تقول بإيمان يليق بشيخ صوفى وبابتسامة بريئة: "إحنا عارفين أن ربنا بيختبرنا، وعايز يشوفنا قد إيه إحنا صابرين، وإحنا صابرين والحمد لله، كلنا فدا فلسطين".

"بابا، هو إحنا ممكن نعمل ايه عشان الأطفال دول؟".

تهربت من الإجابة، متحججا بضرورة أن تنام حتى تتمكن من الاستيقاظ مبكرا للمدرسة.

ما الذى يمكن أن نفعله من أجل أطفال غزة؟

سأكون معك صادقًا يا ابنتى، سأظل أتابع الأخبار، وسأمل فى النهاية، سأقول لنفسى كفى كآبة وصور مفزعة، لا داعى للاكتئاب، ربما أبحث عن فيلم كوميدى نهاية السهرة، يخرجنى من تلك الحالة.

وفى الغد، سأصلى الجمعة، وسأدعو مع المصلين خلف الإمام، "اللهم حرر لنا القدس والأقصى، اللهم عليك بالمعتدين وأعوانهم، شتت شملهم وزلزل الأرض من تحت أقدامهم، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا أرحم الراحمين"، سأدعو من كل قلبى، وسيشعرنى ذلك بالراحة، ثم سأعود للبيت، لأجلس على السفرة وأتناول وجبة الغداء معكم، ككل جمعة.

وحين أعود لمتابعة الأخبار مرة أخرى، سألعن العدالة الدولية، التى لا تطبق سوى على الضعفاء، سأشتم أمريكا، وفى الغد، ربما أرتدى الكوفية الفلسطينية، وأشترى علما، وأشارك فى مظاهرة من تلك التى يدعو لها الحزب أو تلك التى يتبناها أصدقائى وزملائى المثقفين، وسأهتف بأعلى صوتى: "من غزة طلع القرار انتفاضة وانتصار"، و"لا تهجير ولا توطين.. الأرض أرض فلسطين"، "مطلب واحد للجماهير قفل سفارة وطرد سفير"، و"بالروح والدم.. نفديك يا فلسطين"، وفور أن أنتهى، سأجلس على المقهى المجاور للمظاهرة، مع بعض الأصدقاء، سنتحدث ونحلل ونثرثر كثيرًا، سنلعن الموقف الدولي، سنتعرض لكلام الرئيس، وتصريح مايا دياب، عما قاله محمد صلاح، وما فعله محمد رمضان، وبعد أن ننهى شرب الشاى وتدخين الشيشة، سنعود إلى بيوتنا.

فى البيت سأرتاح قليلا قبل أن أعود لشاشة التليفزيون، بالتأكيد سأنفعل مرة أخرى، ربما أكتب تويته على x، أو بوست على فيسبوك، وبعد أن أمل من متابعة الأخبار، سأكون فى حاجة لهدنة، ربما أعود للفيلم الكوميدى بحثا عن نهاية.

وحين أجلس على نفس الكنبة، وتقودنى الأخبار إلى نفس المرارة، سأفكر فى كتابة مقال عن الأكاذيب الإسرائيلية، عن صور الأطفال التى فبركوها وقالوا إنهم ذبحوا، واتضح أن لا أطفال ولا ذبح، عن مستشفى المعمدانى التى ضربوها، ثم قالوا إن ضربها نتاج وقوع خاطئ لصاروخ من الجهاد الإسلامى، وسأكتب موضوعا آخر عن قرارات مجلس الأمن، وحق الفيتو، وتعامل أمريكا مع الأمر، وبعد أن أرسله بالإيميل، سأجلس فى البلكونة، لأشرب فنجان قهوة وأدخن وأكتب شعرا، سأتخيل فيه أننى فلسطينى: "على شط دم، ماسك حجر/ شايل على كتافى الكفن/ ميهمنيش/ طيارة تيجى تبصلى/ متهزنيش/ أنا الشهيد".

وبعد أن أفرغ تلك الطاقة، وقبل أن أنام، ستتردد فى أذنى كل العبارات المؤلمة التى سمعتها طوال اليوم: "بدى شعره منه، ماتوا إخواتى، شايل بالشنطة أخوى لصغير، يوسف عمره 7 سنين شعره كيرلى وأبيضانى وحلو"، وسينتابنى القلق ويهرب النوم، سأفكر بالتبرع بالدم، وبالمال بعد وصول الراتب، وسأقرأ فصلا من رواية الطنطورية لرضوى عاشور قبل النوم، وفصلا من كتاب "حياة غير آمنة" لشفيق الغبرا بعد النوم، و... ، و..... .

لكن، ولأكون معك صادقا يا ابنتي، كل ما يمكن أن أفعله أنا وأنت، حتى لو رأى فيه البعض أهمية أو تأثير، لا يساوى شيئا أمام حقيقة مشهد واحد مما يحدث فى الواقع، لا يساوى شيئا أمام صورة أب يحمل أطفاله قتلى فى أكياس بلاستيكية، لا يساوى شيئا أمام مشهد جلوس طفل يلقن أخاه الشهادة، ولا يساوى أى شىء أمام عودة أب إلى منزله فلا يجده، لا يجد منزله ولا زوجته ولا أطفاله، لا يساوى أى شيء أمام بشر يستقبلون الموت فى كل ثانية بـ "الحمد لله"، و"كله فدا فلسطين".

الدرس الوحيد الذى يمكن أن تعلمنا إياها هذه الحرب، هو أننا لا بد أن نكون أقوياء، فالعالم لا يعترف بالضعيف، لا يهتم لرأيه أو مشاعره أو معاناته، ولكى نكون أقوياء، علينا أن نتعلم جيدا، ونعمل جيدا، ونحب بلادنا أكثر.

عزائنا الوحيد يا ابنتى، أن هذه الحرب البعيدة والقريبة، كشفت لنا حقائق الناس، البائع والمائع، الكاذب والمحتال، الصادق والحقيقى، وهذه هى قيمة الأوقات الصعبة، تظهر قيمة الناس ومعادنهم.

ما يفعله الفلسطينيون الآن هو الحقيقة، ما يقدمونه من أجل أرضهم وقضيتهم، تقبلهم للخسارات برضا وإيمان وأمل، هو الحقيقة الوحيدة التى بإمكانها أن تغير الواقع، أما غير ذلك فكله كلام، وفى أدراج تاريخنا وتاريخ هذه القضية كثير من الكلام، وما أسهل الكلام.

***

غابت ابنتى قليلا، وحين عادت طالبتنى بترك الكنبة والذهاب معها لترينى شيئا، كانت قد رسمت علم فلسطين ولونته، وعلقته فى غرفتها.

 

 	أحمد عطا الله

أحمد عطا الله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

السماء الثامنة

المزيد من ثقافة

تنزيل فيديو انستا: طريقة حفظ مقاطع IG بدون تطبيقات إضافية

هل سبق أن كنت تتصفح انستغرام فصادفت مقطع فيديو قلت في نفسك "لازم أحفظ هذا" ثم اكتشفت أنه لا يوجد...

سقوط الثوابت: لماذا قد لا تكون دروس الماضي كافية للنجاح في أسواق 2026

رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...

كيفية الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج

الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!