بعد 20 عامًا على صدورها قدمتها السينما فى فيلم لنيللى ومحمود ياسين/ «حادث النصف متر» تزلزل ثوابت المجتمع المصرى/ تعاطفت مع المرأة بصدق وتناولت قضية «شرف البنت» بجرأة
فى تجاربه السينمائية الأولى اعتمد صبرى موسى فى كتابة سيناريوهاتها على قصص أدبية لآخرين، بداية من "البوسطجي" و"قنديل أم هاشم" ليحيى حقى، و"الشيماء" لعلى أحمد باكثير، و"رغبات ممنوعة" لحنيفة فتحى، صحيح أنه أضاف لهذه الأفلام الكثير من روحه وإبداعه، ومنح سيناريوهاتها فيضا من الأحداث والشخصيات والمواقف والمعانى الجديدة والخلاقة أخذتها إلى سماوات من التألق والنجاح والتميز، لكن فى النهاية كان هناك من يقاسمه فى نجاحها ..
ولذلك كانت تجربته مع فيلم "حادث النصف متر" مختلفة ومغايرة، فقد كان هو وحده صاحب كل عناصر التأليف: القصة والسيناريو والحوار ..
كتب صبرى موسى "حادث النصف متر" عام 1961 ونشرها فى شكل حلقات مسلسلة بمجلة "صباح الخير"، وأثارت عاصفة من الجدل وصلت إلى مجلس الأمة وظهور مطالبات تحت قبة البرلمان بمنعها من النشر..
(1)
قبلها بشهور معدودة كان مجلس الأمة ينتصر لصبرى موسى فى معركة "النقطة الرابعة" وينحاز لدعوته بوقف مشروع تجفيف البحيرات، وهو ما يمكننا أن نعرف تفاصيله من أوراق صبرى موسى وبكلماته:
"وكان وراء هذه الفكرة – تجفيف مساحات من البحيرات فى مصر وتحويلها إلى أرض زراعية – مشروع أمريكى يسمى وقتها "النقطة الرابعة"، عرضته أمريكا على مصر وقتها كمعونة.. لقد حسبتها على الورق وقلت كم سيعطينا فدان من السردين الحى دون تكلفة سوى عمليات الصيد، وكم سيعطى فدان الأرض بعد أن نخصم أو نضيف التكاليف الهائلة التى سنتكبدها بغسيل الأرض وإعدادها للزراعة، وقد نجحت حملتنا التى نشرتها "صباح الخير" على مدى أكثر من ثلاثين أسبوعا فى إثارة القضية فى مجلس الأمة وتم وقف المشروع"..
لكن يبدو أن نجاح الحملة لم يكن على هوى بعض الأعضاء وأضر بمصالحهم، فطالب عدد منهم بوقف نشر روايته "حادث النصف متر" بدعوى أنها تفسد أخلاق المجتمع، لكن مجلس الأمة انحاز لصبرى موسى من جديد..
"حادث النصف متر" كانت إذن حدثا فى مشوار كاتبها، فقد كانت أولى رواياته، ثم إنها كانت بمثابة صدمة حقيقية هزت الثوابت الأخلاقية المستقرة للمجتمع!
لنؤجل الصدمة ونبدأ بالدهشة التى يثيرها عنوان الرواية، وهى دهشة تنسحب على عناوين روايات صبرى موسى ومجموعاته القصصية المتتابعة، فهى تبدو من الوهلة الأولى غريبة ومتفردة ولافتة، ولابد أن تتوقف أمامها متأملا ومندهشا وأنت ترددها على لسانك: "حادث النصف متر"، "فساد الأمكنة"، "السيد من حقل السبانخ"، "مشروع قتل جارة ".. ولن تحتاج إلى وقت يذكر حتى يستقر الاسم فى ذاكرتك ولا تنساه بعدها أبدا..
وربما كان أستاذنا علاء الدين أسبق من لاحظ هذه الفرادة فى عناوين تلك الأعمال الروائية فكتب بإعجاب صارخ: إن صبرى موسى يكاد أن يكون أبرع الزملاء فى اختيار العنوان وأقدرهم على تركيب الجملة اللعوب!
ومن دهشة العنوان إلى صدمة المضمون، فقد كانت الرواية كاشفة وفاضحة لرؤية المجتمع الزائفة لفكرة الشرف، حيث يُعطى الشاب قبل الزواج حريته الكاملة فى إقامة العلاقات غير الشرعية، لا يحاسبه على نزواته واستهتاره وتحرره، يغفر له أخطاءه وخطاياه وغزواته، لكنه فى المقابل لا يرحم الفتاة إذا أخطأت ولو مرة واحدة، ولو مجرد غلطة عابرة اضطرتها إليها ظروف قاهرة، فيحاسبها عليها بقسوة.. وحتى آخر العمر..
الرواية من أول سطر تنحاز إلى المرأة وتتعاطف معها وتطلب لها الصفح والغفران، وتدين موقف المجتمع منها، وتحاكمه وتجاهر بالعدل فى مسألة الشرف، وهو المعنى الذى قصده صبرى موسى عندما كتب فى أوراقه: روايتى الأولى "حادث النصف متر" التى صدرت عام 1962 كانت تتحدث عن علاقات الحب فى مجتمعنا الشرقى وما يكبلها من خداع اجتماعى وتقاليد مغلوطة ومفهوم مزيف وخاطئ لفكرة الشرف يؤدى بها فى النهاية إلى الفشل والانكسار، والفتاة عادة هى التى تدفع ثمن الفشل، بينما يزهو الشاب بانتصاراته الزائفة ويتحرك كالطاووس دون أن يدرك أنه مليء بالانكسارات فى الداخل"..
وهو معنى لم تتحمله أخلاق أصحاب الفضيلة فرأوا فى الرواية تجاوزا وتطاولا ودعوة للانفلات.. وهو الأمر الذى لم يقصده مؤلفها ولم يخطر بباله..
فأحداث الرواية تدور حول قصة حب تبدأ فى أتوبيس مكدس بالركاب، بين شاب عادى لا يشغل باله سوى البحث عن المتعة بصحبة صديقه المقرب وزميله فى العمل، يعيش تلك الحياة اللاهية إلى أن تتغير حياته بعد تلك المصادفة العبثية وهو محشور داخل الأتوبيس..
"وقد اهتز الأتوبيس فجأة ففقدت الحسناء التى بجوارى توازنها وتعلقت بذراعى بشكل غير إرادى، وخلال هذا الحادث الصغير الخاطف قابلتها.. وقد استعادت توازنها ثم رفعت يدها الصغيرة العقيقية عن ذراعى الخشن وهى تبتسم لى فى خجل، فرأيت وجهها الطفولى الضاحك، ولم أكن ساعتها أعلم أنها ستكون تفاحة حزنى.. وما كان باستطاعة أى عراف ذائع الشهرة يجيد قراءة الغيب فى الرمل والفنجان والورق أن يجعلنى أصدق أنه بعد عامين من هذا الحادث الصغير الخاطف الذى لا تكاد تزيد مساحة الأرض التى وقع عليها عن نصف متر.. سوف ينحنى أمامى رجل طويل لا أعرفه، ويطلب منى بطريقة عصرية مهذبة أن أبتعد عن هذه الحسناء.. لأنه سوف يتزوجها" .
من قصة الحب التى ولدت فى الأتوبيس يأخذنا صبرى موسى بمهارة إلى القضية التى يود تفجيرها، فبعد أن يتمكن الحب من قلب البطل، وبعد أن يتأكد أن الحبيبة تبادله الحب وما هو أكثر من الحب، يكتشف أنه لم يكن الرجل الأول فى حياتها، ومن تلك اللحظة تبدأ المأساة، حيث يعذبه الشك ويطارده، ويقف ماضى الحبيبة سدا يمنعه من العبور إلى قرار الزواج:
"فى تلك الأيام استولى عليّ شعور مر المذاق بأن الماضى الغامض يطاردها ويطاردنى ويقف بيننا.. وكان إصرارها الشديد الغاضب على الاحتفاظ بالحقيقة بعيدا عن متناولى قد ظل دائما، من تلك اللحظة وما بعدها، يغلف صورتها فى نفسى بنوع من الغموض جعلها هى نفسها تبدو لى فى كثير من الأحيان غير حقيقية.. غير حقيقية لدرجة أنه يستحيل على من كان مثلى متقلب المزاج وله بعض التجربة.. أن يطمئن إليها"..
يتخبط البطل فى شكوكه وثقافته الشرقية وعقليته المحافظة وتجاربه الذكورية، وفى اللحظة التى يحسم أمره ويقرر الاحتفاظ بحبيبته، تكون هى قد ضاعت منه، ولا يبقى له سوى الخيبة والمرارة والانكسار.. وهى نهاية جعلت عددا من النقاد يمنحون الرواية ويحمّلونها بتفسير سياسى لافت ويعتبرونها من الأعمال الإبداعية النادرة التى بشّرت بهزيمة يونيو واستشرفتها، وهو ما يشير إليه مؤلفها ويؤيده عندما يقول فى أوراقه: "وبالطبع فإن انكسارات الأفراد وهزائمهم تؤدى فى النهاية إلى انكسار الوطن وهزيمته، وتلك هى الإسقاطات التى استخلصها النقاد من الرواية.. بما كشفته من عورات اجتماعية وسياسية فى المجتمع.
(2)
ورغم النجاح اللافت التى حققته الرواية الأولى لصبرى موسى، ورغم ما لاقته من أصداء نقدية باعتبارها "نقطة انطلاق جديدة للمؤلف يمضى بعدها إلى ارتياد آفاق أكثر عمقا وأصالة"، ورغم ما أثارته من جدل واسع باعتبارها صدمة لقيم المجتمع المحافظ الأخلاقية، نقول رغم كل ذلك فإن السينما انتظرت أكثر من عشرين عاما حتى تفكر فى نقلها إلى الشاشة، لكنها عندما فعلت فإنها عوّضت هذا التأخير الطويل بتقديم فيلمين عن الرواية فى وقت متزامن، أحدهما فى مصر وثانيهما فى سوريا.
فى مصر تولى صبرى موسى بنفسه تحويل روايته إلى عمل سينمائى، فكان هو صاحب القصة والسيناريو والحوار والرؤية الجديدة، فقد أدخل تعديلات جوهرية على الأحداث بما يمنحها جاذبية إضافية بالنسبة لجمهور السينما، وهى التعديلات التى كتبت عنها الناقدة القديرة حُسن شاه، فأشارت إلى أن القصة الأدبية كانت تنتهى بالبطل وهو يتراجع عن قرار الزواج من الفتاة التى أحبها بعد أن كشفت له بمحض اختيارها قبل الزفاف عن خطأ قديم وقعت فيه رغما عنها.. فيصحبها إلى طبيب ليجرى لها جراحة للتخلص من ثمرة علاقة الحب التى كادت تصل بهما إلى الزواج لكن الفتاة تموت على منضدة العمليات ويهرب البطل بكل جبن تاركا خلفه ليس فقط ذكريات أصدق قصة حب عاشها فى حياته، وإنما حتى جثة الفتاة وجنينها الذى حكم عليه بالموت أيضا..
لكن هذه النهاية التراجيدية عاد نفس المؤلف صبرى موسى فغيّرها فى الفيلم الذى قام بإنتاجه وإخراجه أشرف فهمى.. وهو تغيير يتناسب مع التطور الذى حدث فى حياة وفكر المجتمع خلال عشرين سنة مضت على كتابة القصة، فالبطلة فى الفيلم "نيللى" لا تموت، وإنما تُشفى بعد أن يقف إلى بجانبها ابن عمتها الطبيب الذى يدرك أن ما وقعت فيه من خطأ لم يكن عن طبيعة فاسدة، وإنما عن لحظة ضعف إنسانية يمكن اغتفارها.. وعندما يعود البطل "محمود ياسين" ليعلن للبطلة أنه قد غفر الماضى وعلى استعداد للزواج منها تكون المفاجأة أنها هى التى ترفض الارتباط به وتتركه..
وباعتبارها كاتبة وناقدة وامرأة ونصيرة لحقوقها تعترف صاحبة "أريد حلا" بأن صبرى موسى مؤلف القصة وكاتب السيناريو والحوار قدم دفاعا اجتماعيا حارا عن المرأة من خلال الأحداث، ومن خلال المشاهد المتوازية التى تجعل البطل يعطى لنفسه الحق فى أن يمارس ألوانا من العلاقات الرخيصة مع عدد من النساء الساقطات، فى نفس الوقت الذى لا يغفر لحبيبته لحظة ضعف مع خطيبها السابق الذى كانت تحبه فى ليلة سفره إلى ميدان القتال، وأيضا من خلال الحوار الذى أداه على لسان الأبطال كاتب قادر على السمو بالكلمة".
(3)
أثبت أشرف فهمى ذكاءه ودهاءه كمنتج عندما اختار هذه القصة تحديدا لينتجها ويخرجها، فقد كان يعانى قبلها من حالة من "التوهان"، تورط خلالها فى أن يضع اسمه على أفيشات أفلام تجارية رديئة لا تليق بتاريخه وموهبته، فجاء "حادث النصف متر" ليعيد إليه توازنه وثقته بموهبته ويدخل به إلى مرحلة من النضج والتألق.
وباعتراف ناقد مرموق مثل سامى السلامونى فإن وجود صبرى موسى – كاتبا للقصة والسيناريو – كان فارقا فى نجاح تجربة أشرف فهمى الجديدة، وفى كتابات سامى السلامونى يندر أن تجده متلبسا باستخدام أفعل التفضيل، ولكنه فى واحدة من تلك المرات النادرة يكتب:
"وصبرى موسى حالة مثيرة للدهشة فى السينما المصرية، فهو من أفضل روائيينا الشبان بلا أدنى شك رغم إقلاله الواضح فى العمل، ثم هو حتى فى مجال الكتابة للسينما كان أكثر إقلالا، لكن أحدا لا يستطيع أن ينسى له سيناريو وحوار "البوسطجي" أحد أفضل الأفلام، ليس فقط بالنسبة لمخرجه حسين كمال، بل وفى تاريخ السينما المصرية كله.. وفى العرض الأخير لهذا الفيلم فى التليفزيون منذ نحو شهرين جاءتنا الفرصة مرة ثانية وبعد كل تلك السنوات لإعادة تأمل مدى البراعة والعمق فى صياغة "البوسطجي" صياغة سينمائية على أعلى مستوى يقرب من المستويات العالمية بلا مبالغة، مما يؤكد موهبة صبرى موسى فى الكتابة السينمائية التى لا يمكن إرجاع الفضل فيها إلى "دنيا البابا" شريكته فى كتابة "البوسطجي" (وزوجته وقتها)، وإلا لكانت قد لمعت بمفردها فى هذا المجال بعد ذلك!
ومما لفت نظر السلامونى كذلك أن الصدمة الشديدة التى أحدثتها الرواية (الصادرة فى الستينيات) بمناقشتها الجريئة لقضية "شرف البنت" ( الذى كان المجتمع وقتها يعتبره مثل عود الكبريت) لم تلق نفس الصدى فى الفيلم الذى عُرض فى الثمانينيات (كان عرضه الأول فى 14 مارس 1983)، ربما لاختلاف الزمن وتغير المجتمع وتطوره، ويحاول السلامونى أن يقدم إجابة منطقية:
"هل لأن الفتاة المصرية الجديدة أصبحت هى نفسها عنصرا اجتماعيا أكثر إيجابية وممارسة للواجبات والهموم الاجتماعية الأكثر حدة..؟!.. هل لأن مشاكل الحياة اليومية للمرأة والرجل معا بالذات للشباب المقدم على الزواج أصبحت هى الشقة والجهاز والطبيخ والمواصلات وليست عود الكبريت؟!
وربما كان هذا التغير الذى طرأ على المجتمع العربى كله، سياسيا واجتماعيا وفكريا، من الأسباب التى دفعت سمير ذكرى المخرج السورى الموهوب إلى البحث عن رؤية جديدة ومختلفة للرواية، التى كانت صفحاتها الثمانون تستوعب رؤى جديدة ومختلفة.. بل وتحرض عليها، فما الجديد التى قدمته النسخة السورية من "حادث النصف متر"؟!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة