عائشة راتب.. أول سفيرة وأول وزيرة تنحاز لأصحاب الهمم والفئات المحرومة

هى مصرية الروح والعقل والإرادة، من مواليد "الدرب الأحمر" بالقاهرة، من أب مصرى وأم أوربية، وكانت "شجاعة" لما التحقت بكلية الحقوق،

 وطلبت اللحاق بمجلس الدولة، أسوة بالذكور، ورفض المجلس طلبها، وكانت أول سفيرة ـ فى تاريخ الدبلوماسية المصريةـ تعينهــا وزارة الخـــــارجيـة فى "الـــدانمـارك"، وأول "وزيــــرة للشئون الاجتماعية" تنحاز لذوى الهمم والفئات المحرومة فى المجتمع، وظلت تؤدى دورها العلمى والسياسى والخدمى حتى آخر لحظة من حياتها..    الدكتورة "عائشة راتب"، واحدة من سيدات الفكر التقدمى والعمل الخدمى فى المجتمع المصرى، فى الفترة الواقعة بين أواخر أربعينيات القرن العشرين، ونهاية العشرين الأولى من القرن الحادى والعشرين، أى أنها قضت ما يزيد على نصف القرن فى خدمة الوطن وأبنائه فى كل المواقع التى أتاحتها لها الظروف.

د.عائشة راتب مولودة فى العام "1928" فى حى "الدرب الأحمر" الشعبى بمدينة "القاهرة"، وهذا الحى كان ضمن مجموعة الأحياء الشعبية الفاعلة فى المقاومة والتصدى للمحتل البريطانى، مثل "حى بولاق" و"الحسينية" و"السيدة زينب"، وهى الأحياء المسماة "الوطنية" لأنها مسكن الطبقات الكادحة، ولايسكن فيها الأجانب أو الباشوات، وهى الحضانات التى تحتوى الروح المصرية والموروث الحضارى المحمول فى صدور الشعب منذ عهود قديمة، وكانت عائلتها مستورة تنتمى إلى الطبقة المتوسطة، وكانت أمها أوربية الجنسية، وهذا منحها الجرأة والثقة بالنفس فى زمن كانت فيه الظروف تعادى انطلاق المرأة وتحررها، رغم أن الرصيد الذى تركته "هدى شعراوى" كان فى نفوس الفتيات والسيدات، لكن المجتمع كان محافظا، ذكوريا، ينظر للمرأة نظرة دونية، ويراها أقل من الرجل، ويغطى هذه النظرة بمقولات تراثية محفوظة من عصور الظلم والاستبداد فى القرون التى شهدت حكم الدولة الأموية والدولة العباسية وغيرها من الدول التى احتقرت الأنثى، ومنحت الذكر القوة والسلطة، وكان اختيار"عائشة راتب" لكلية "الحقوق"، اختيارا له دلالة ومغزى،.. هى "ثائرة" على الوضع العام، وترغب فى المقاومة والتصدى لكل ما هو سلبى وسيئ، وكانت "كلية الحقوق" تمنح الطلاب المعرفة القانونية التى تسمح لهم بالدفاع عن "الحق" الفردى، والحق الجماعى أو القومى، والدراسات القانونية كلها تعتمد على المنطق وتحتاج قدرات عالية من حيث القدرة على التفكير المنظم والقدرة على إبداع الرؤى والأفكار، وكانت "عائشة" موهوبة فى هذا الميدان، ولأنها عاشت فى ظرف له خصوصية سياسية وثقافية واجتماعية، استوعبت "قانون الظرف" فالفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية وحرب "فلسطين" شهدت تطورا حركيا فى القطاع الطلابى الجامعى والثانوى والأزهرى، فاستطاعت القوى المنحازة للمرأة، والتقدم أن تنتزع مقاعد "بالانتخاب" فى "اتحاد الطلبة" و"اللجنة الوطنية للطلبة والعمال"، فأصبحت "وداد مترى" و"لطيفة الزيات" وكذلك دكتورة "سهير القلماوى" من الوجوه النسائية الجامعية التى استطاعت كسر أسوار "الذكورة" التى تحاصر الحركة الديمقراطية النسوية، وكانت "عائشة" من ضمن فتيات تلك الحقبة الثورية، التى جعلت المجتمع المصرى يترك القوى التقليدية "حزب الوفد والأحرار الدستوريون" ويشكل الصيغ التنظيمية المعبرة عن احتياجات الشرائح الناهضة، فزاد عدد النقابات، والجمعيات، وزاد عدد الصحف، وتحولت الاتحادات الطلابية إلى منابر للمقاومة والتصدى للاستعمار، والتعبير عن "القضية الوطنية" وهى القضية الأولى فى تلك الحقبة، وكان "الوفد" هو المهد الأول للثورة النسوية، ومن خلاله تشكلت "لجنة سيدات الوفد" بزعامة "سيدات البرجوازية الوطنية"، زوجات وبنات وأخوات أعضاء الوفد "الهوانم"، ولكن حركة "الهوانم" تطورت وتحولت إلى حركة "فتيات شعبيات" من الطبقة المتوسطة، وكانت "عائشة" طموحة، فتقدمت إلى "مجلس الدولة" فى عهد حكومة ملكية محافظة "حكومة حسين سرى باشا" وطلبت قبولها فى وظيفة "قاضية"، بحكم دراستها القانونية "كلية الحقوق" وحصولها على الشهادة "الليسانس" وعدم وجود نص دستورى يحول دون قبولها فى المجلس، لكن هذه الخطوة، لم تنجح، ورفض رئيس الحكومة تعيين "أنثى" فى وظيفة "قاضية"، لكن هذه الخطوة ذاتها كانت "نقطة النور" التى أضاءت الطريق للمرأة المصرية لتولى منصب "القاضى" والقيام بمهامه بنجاح وتفرد، ولولا الخطوة التى خطتها "عائشة راتب" خريجة كلية الحقوق فى أربعينيات القرن الماضى، ما تمكنت " تهانى الجبالى" من الجلوس على منصة القضاء فى "المحكمة الدستورية العليا" فى بدايات القرن الحالى، وما تمكنت عشرات الفتيات من المتخرجات فى كليات الحقوق من الحصول على لقب "قاضية".

 زمن ثورة يوليو

    كانت "عائشة راتب" المتخرجة فى كلية الحقوق "جامعة فؤاد الأول"، ناشطة فى جمعيات نسوية عديدة، بهدف الحصول على حقوق المرأة واستردادها من "المجتمع الذكورى" المعادى لطاقات ومواهب وأحلام وقدرات المرأة، ومن هذه الجمعيات انطلقت نحو العمل العام، المتجاوز فكرة المطالبة بحقوق فئوية، وسافرت لتكمل دراساتها القانونية فى "فرنسا" وفى العام 1955 حصلت على درجة "دكتوراه فى القانون الدولى" وكان هذا المجال جديدا، فكانت من رائدات دراسته فى "حقوق القاهرة "، وكانت ثورة يوليو 1952، ذات برامج تقدمية مستمدة من أفكار "الجبهة الوطنية " التقدمية التى دعمت حركة "الضباط الأحرار"، وكانت المرأة المصرية محل اهتمام ـ الثورة ـ فمنحتها حق التصويت والترشح فى الانتخابات العامة فى العام 1956، وهو العام الذى صدر فيه "الدستور المؤقت"، وجرت انتخابات رئاسة الجمهورية، وفاز فيها "الرئيس جمال عبد الناصر"، وفى العام ذاته تعرضت مصر للعدوان الثلاثى، بسبب تأميمها قناة السويس، وكانت "المرأة" على خط النار، وخط المواجهة، فحملت السلاح ودافعت عن "بورسعيد" الباسلة، وقامت بأدوار بطولية فى كافة الميادين، خاصة فى الهيئات السياسية التى شكلتها الثورة، مثل "هيئة التحرير" و"الاتحاد القومى" و"الاتحاد الاشتراكى" وكانت "عائشة" ناشطة مثل غيرها من الخريجات المثقفات، وبعد حصولها على "الدكتوراه" انضمت إلى هيئة التدريس بكلية الحقوق، ونشطت ضمن لجان "الاتحاد الاشتراكى" وبنفس الكفاءة التى عرفت عنها فى "الحرم الجامعى" مارست دورها السياسى فى "اللجنة المركزية" بالاتحاد الاشتراكى، وكانت "وطنية الهوى" صادقة فى انحيازها للثورة والتحالف الطبقى الذى حكم مصر فى العام 1962، بعد فشل الوحدة المصرية السورية، وقرار التحول من "الرأسمالية" إلى "رأسمالية الدولة " أو "الاشتراكية العربية" وهى صيغة طرحها "جمال عبد الناصر" وقبلها المجتمع، صيغة التحالف بين "العمال والفلاحين والجنود والمثقفين الثوريين والرأسمالية الوطنية"، واختيرت ضمن قائمة "لجنة المائة" التى تتولى الإشراف على الانتخابات فى الاتحاد الاشتراكى، وتصعيد القيادات من مستوى تنظيمى إلى آخر، ومن المهم ـ يا عزيزى القارئ ـ أن تعرف أن المهارات السياسية التى تمتعت بها "دكتورة عائشة راتب" والقدرة على خوض المعارك، تعلمته من حياتها فى حى "الدرب الأحمر" ودراستها فى "المدرسة السنية" فى حى "السيدة زينب "، وفى الدعوى القضائية التى تقدمت بها ـ ضد مجلس الدولة ـ أمام "المجلس ذاته" لما رفض قبولها "قاضية" ضمن قضاته، فجرت ـ عائشةـ معركة قانونية بين فريق من القضاة يرى أن من حقها تولى منصب "القاضى" وفريق آخر يرى أن "المرأة لاتستطيع الوفاء بالتزامات هذا الموقع الدقيق"، ورغم عدم تمكنها من الحصول على الوظيفة، انتزعت اعترافا من "دكتورالسنهورى" رئيس مجلس الدولة ـ الفقيه القانونى المعروف ـ بأن من حق المرأة أن تتولى منصب "القاضى" لكن ما يحول دون تمكينها، العرف الذكورى السائد فى المجتمع، ولم تقبل ـ عائشة ـ الهزيمة، بل اتجهت نحو ميدان آخر، ميدان "هيئة التدريس" بكلية الحقوق، وطلبت من إدارة الجامعة تعيينها "معيدة"، ورفض طلبها، ولم تسلم الراية، بل سافرت إلى "فرنسا" وعادت حاملة "دكتوراه" فى القانون الدولى، وهذه المعارك الكبرى أكسبتها صلابة، ومنحتها ثقة "الدولة الناصرية"، وهى وجدت نفسها فى هذه الثورة المجيدة التى منحت المرأة ما لم تستطع الحصول عليه فى زمن "الملكية الدستورية"، ولما تشكلت لجان مناقشة مواد "دستور 1971"، كانت "عائشة" ديمقراطية التوجه، فى كل المناقشات، وكانت ضد تركيز السلطات فى أيدى "رئيس الجمهورية"، وهذا الموقف جعل "السادات" يقرر تعيينها "وزيرة الشئون الاجتماعية"، لتكون الوزيرة الثانية التى تتولى هذه الحقيبة بعد "دكتورة حكمت أبوزيد"، وكان الظرف السياسى والاجتماعى الذى تولت فيه المنصب الوزارى، هو ظرف "حرب الاستنزاف" أى السنوات الواقعة بين "هزيمة 5 يونيو"، و"العبور المجيد"، وهو ظرف كان قاسيا على الفلاحين والعمال والطبقات الشعبية التى أرسلت أولادها إلى الجبهة للدفاع عن الوطن، فتعطلت مصادر الرزق بغياب الشباب فى "الخنادق" على الجبهة، وكانت وزارة الشئون الاجتماعية "القلب الرحيم" ـ حسب وصف عبد الناصرـ فاهتمت بالمحرومين وقررت لهم معاشات استثنائية، وأدخلتهم ضمن "معاش الضمان الاجتماعى" وهو معاش خصصته الدولة للذين لايملكون أرضا زراعية أو تجارة أو حرفة  تقيهم ذل الحاجة ومذلة السؤال، واهتمت بأسر المجندين على الجبهة وجعلت لهم معاشات من الوزارة، وجعلت وزارة الحربية تزيد من رواتب الجنود إلى عشرة جنيهات بدلا عن ثلاثة جنيهات، ولم تنس شريحة أصحاب الهمم، فانتزعت لهم تشريعا يلزم الهيئات والجهات الحكومية بتعيين نسبة خمسة بالمائة منهم ضمن العاملين بها، وهذا التشريع مازال ساريا حتى يومنا هذا، وعقب انتصار جيشنا الباسل وعبور طلائع قواته إلى سيناء، تفرغت ـ وزيرة الشئون الاجتماعية ـ وكل قطاعات الوزارة لخدمة المعركة، وخدمة مصابى العمليات، وقدمت كل ما يحتاجه أبطال الجيش، وكانت فى بداية توليها منصب "الوزيرة" تخشى الفشل، لكنها حققت النجاح الكبير، باعتراف "دكتور محمود فوزى" رئيس الوزراء والرئيس "السادات" رئيس الجمهورية، ولم تشغلها مهام العمل فى الوزارة عن تأليف الكتب المتخصصة فى القانون الدولى، ومن مؤلفاتها "التنظيم الدبلوماسى، النظرية المعاصرة للحيـــاد، الفـــرد والقانون الــــدولى، ثــــورة 23 يوليو"، وظلت فى موقع الوزيرة حتى العام 1977، العام الخطير فى حياة المصريين، وفيه تفجرت مظاهرات الخبز "18و19 يناير" وفيه انقسم النظام، بين رافض قرارات السادات الخاصة برفع أسعار السلع الرئيسة فى حياة الطبقات الشعبية، وبين مؤيد لهذه القرارات، وكان "الفريق عبدالغنى الجمسى" وزير الحربية الذى أصدر أوامره لقوات الجيش باستعادة الأمن والسيطرة على الشارع بعد فشل وزارة الداخلية، ضمن الفريق المعارض لرفع أسعار السلع، وكانت "دكتورة عائشة راتب" أكثر "راديكالية" فاستقالت من الوزارة احتجاجا على هذه القرارات، واعتبرت ما جرى "انتفاضة شعبية"، والرئيس السادات كان يسمى ما حدث "انتفاضة حرامية"، وعقب خروجها من الوزارة، اختيرت للعمل "سفيرة" لمصر فى "الدانمارك" ثم فى "ألمانيا الاتحادية" أو "الغربية"، وأدت مهمتها الوطنية بنجاح كبير، وعادت إلى الوطن لتواصل العمل الخدمى العام وتتواصل مع تلاميذها فى "حقوق القاهرة" والهيئات والجمعيات، ولم تنس انحيازها للشعب وإيمانها بالديمقراطية، ورغم أنها عملت "سفيرة" فى ظل حكم "مبارك"، انتقدت بقاءه فى "شرم الشيخ" فترات طويلة، وقالت له ما معناه إن "القاهرة" هى عاصمة البلاد، وإن "الرئيس" مكانه فى العاصمة حتى يسهل العمل فى الوزارات المختلفة ويستطيع التعرف على أحوال المعيشة التى يعيشها المواطنون، وفى "4 مايو 2013" انتقلت "دكتورة عائشة" إلى الرفيق الأعلى وبقيت ذكراها العطرة فى قلوب من عرفوها واقتربوا منها.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص