المخرج السينمائى "ألفريد هيتشكوك" صاحب أشهر أفلام الرعب قال: "إن الانفجار فى حد ذاته لا يرعب، إنما انتظار حدوثه هو المخيف،
ولطالما اتسمت علاقتى بالخوف بالاضطراب، ففى أشد لحظات رغبتى لاستدعاء الخوف لم يستجب عقلى، وغابت مخافة تلبية النداء، وحلت بدلا منها مشاعر غير مفهومة وغير قابلة للتصنيف، وتشابكت الأحاسيس واهتزت دون أن يطغى أحدها على الآخر، ودون أن يتصدر أحدها المشهد، وفى أشد لحظات احتياجى للتماسك والثبات الانفعالى يهب الخوف جاثما فوق قلبى مرتجلا على أكتافى وطائفا فى كل مكان؛ ولقد تعرضت لتجارب عصيبة كثيرة ولم أشعر بالخوف فى خضم التجربة، أما عند انتهائها فالخوف يتولد من تكرارها، فنحن نعيش الانفجار بصلابة لكننا نخشى توابعه".
نظرة على الخوف
منذ زمن الإنسان الأول العاقل والبشر يبحثون عن تفسيرات للمعانى المجردة وتحليلات للمشاعر الإنسانية المختلفة غير الملموسة، كالحب والكراهية والقلق والخوف، لكن محاولة تفسير وتحليل المجرد ووضعه فى قوالب نظرية محددة يفهمها العقل البشرى ببساطة تكاد تكون من أصعب المهام التى مرت على الإنسان.
الفلاسفة يتبارون على مر العصور لتقديم أطروحات مقنعة مدعمة بالبراهين والأدلة والنظريات عن تصوراتهم للخوف وما يمر به الإنسان الخائف، ورغم ذلك ظلت المفاهيم العامة أكبر من قدرتنا كبشر على استيعابها، ومن وقتها والمفكرون والكتاب يخوضون محاولات لتبسيط الأمر والتقرب منه جيلا بعد جيل، لكن هذا الحراك الفكرى المستمر الذى يشعرنا بقدرتنا على التفكير ومن ثم يشعرنا ببشريتنا ظل ناقصا لا يمنحنا الرضا إزاء محاولة إيجاد تفسير معظم الأشياء المجردة، فقد رأى "أرسطو" مثلا أن القلق نوع من أنواع الخوف لكنه الخوف من المجهول، الخوف من عدو خفى أو متخفٍ خطير وغير واضح؛ فيما رأى "داروين" أن الخوف سلوك أكثر تطورا، لأن استشعاره هو ما يساعد الفرد على التكيف مع المخاطر والتهديدات المحتملة، فهو الذى يقوم بمهمة التنبيه، ويفعل واجبه فى توقع الخطر ويعمل إنذارا مبكرا للكوارث.
لقد اكتشف "داروين" أن البشر ابتكروا وسائل من الانفعالات كوسائل للتعبير مثلا عن القلق والخوف، وكان ذلك للتعامل مع التهديدات البيئية فى أول الأمر، حيث يقوم الخوف هنا بالتنبيه عبر الإيحاءات وتعبيرات الوجه والحركات الجسدية ونبرة الأصوات قبل مرحلة وصول الإنسان للتعبير بالكلام، فكان الخوف يبدو من جحوظ العين ورعشة الصوت، وربما ظلت تلك الانفعالات لها أهميتها الكبرى فى بقاء الإنسان ونجاة البشرية من المهالك فى مقابل غضب الطبيعة المستمر والصراع على الأرض بين بنى آدم والوحوش الضارية وغيرها من الكائنات المنقرضة الآن، ولعل هذا الخوف قد حل واستمر من وقتها حتى الآن، فقد ظل بشكل أو بآخر باقيا ولو عن طريق بكاء طفل لا يستطيع تفسير ما يجرى من حوله.
أبو الأخلاق
فى كتابه "جينالوجيا الأخلاق" بحث الفيلسوف الألمانى "فريدريك نيتشه" عن أصل الخوف فى القاموس الأخلاقى للبشر، وكيف تكونت الأعراف الأخلاقية، وفى نظره يأتى الخوف ليلعب دورا جديدا وخطيرا ومؤثرا ليتحكم فى البشر وفى خط التاريخ البشرى كله، حيث يدفع الناس أحيانا لتبنى الأكواد الاجتماعية، فيسيرون وراء القطيع خوفا من النقد وفكرة النبذ أو الشعور بالغربة والاختلاف عن الآخرين، ومن ثم يتصالح الإنسان مع ما يراه الآخر فى هذه اللحظة ويقاطع الخوف؛ ومن ناحية أخرى رأى "نيتشه" أن الخوف يلعب دوره الأساسى فى السياسة إذا ما اتبع مع المحكومين سياسة الخوف، كما يلعب دورا آخر فى اجتذاب التابعين للأديان، فالخوف فى الأولى من التعذيب والنفى، والخوف فى الثانية من غضب الآلهة.
العبث
قال "إدموند بيرك" إنه لا توجد عاطفة تستطيع أن تسلب العقل قدرته على التصرف والتفكير مثل الخوف؛ ومن هذا المنطلق يأخذنا السيناريست "محمود أبو زيد" إلى تعريفه الخاص لخطورة الخوف وتأثيره على سلب الإرادة والتفكير المنطقى، وذلك فى فيلمه "البيضة والحجر" عام ١٩٩٠، حيث شرح البطل - الذى يلعب دور أستاذ الفلسفة ودخل عالم الشعوذة والدجل صدفة – إلى صديقه فكرته عن الخوف فى أحد المشاهد قائلا: "خوف الناس من المستقبل يسبب لهم القلق، ويخلق لديهم الاستعداد لتقبل الإيحاء، ووقتها يصدق الإنسان كل شىء، وممكن أن يسمع ويرى أشياء ليس لها وجود، وذلك يبرر تعلق البشر بالتخاريف منذ الأزل، بل يتلذذون بالوهم ويشاهدون ذلك فى الأفلام ويقرأون عنه فى الروايات، وهذا يرجع لرغبتهم فى إيجاد شيء يسيطرون به على القلق والخوف، فالغد هنا يطاردهم بما فيه من غموض، لذلك تجد الجميع "يهجص".
لخص "أبو زيد" رؤيته ورسالته فى هذا العمل من خلال كلمة واحدة هى "الهجص" أو "الهجايص"، وهى الكلمة العامية التى استخدمت بعد ذلك على نطاق واسع كتعبير مختصر دارج يعنى الكلام الساذج والخزعبلات والتخاريف والأفكار المبنية على اللامنطق، وبالطبع أرجع المؤلف ذلك كله إلى الخوف ليؤكد على أن الذكاء العقلى ليس له أدنى صلة بالثبات الانفعالى، لأن الانفصال عن الحقيقة يتساوى فيه الكل، خاصة عند تقبل لحظات الخوف، بلا فرق بين مثقف أو جاهل، فالخوف يعمل على تعطيل التفكير ويشل القدرة على التصرف والتركيز، ويدفع الخائفين إلى أتون "الهجايص".
الفلسفة
لقد شكل الخوف هاجسا لدى الفلاسفة والمفكرين والمبدعين، وقلما نجد مبدعا إلا وتناول الخوف فى أعماله بزاوية من زواياه، سواء كان ذلك بشكل مباشر أو غير المباشر أو حتى بطريقة رمزية فلسفية؛ ويرى الفيلسوف "ميشال فوكو" أن الخوف لا يختفى فى لحظات الثورات، بل إن الثورات قد قامت أصلا مدفوعة بقوة الخوف، وقال: "إن الثورة تأتى دوما من رحم الخوف وضبابية المشهد، لذلك لا يستطيع الإنسان العيش دون خوف، فالخوف أحيانا ما يدير عجلة الحياة للأمام، فإما أن يطرد خوفا أو يطارد خوفا، وهكذا تتولد المخاوف المختلفة بشكل منطقى".
ونجد الخوف متمثلا فى الكثير من الأعمال الفنية، فهو ما دفع مثلا بطل فيلم THE SHAWSHANT REDEMPTION إلى الانتحار بعد فترة أربعين سنة قضاها فى السجن، وفور إطلاق سراحه نراه فجأة ينتحر ربما خوفا من الحرية.
الشاعر فؤاد حداد قدم جانبا آخر من الخوف فى قصيدته "رقصة الفأر" عندما قال:
سكران / يمكن / خايف / أيوه خايف / وسلاما على الخوف ملك الإحساس / ولا حد يفهم فى الشجاعة إلا الطاحونة الجعانة / كنت أول الخلق على السفينة / كنت خايب / لا / خايف / آه.
وفى كثير من الأعمال يود الفنانون أن يقولوا إن الخوف أساسى فى حياة البشر، بل إنهم قد ينجذبون إليه كما تنجذب الفراشات للنور، كما أن السينما اعتمدت على الخوف فى أفلام الرعب للتأثير على المشاهد، وتحت هذا التأثير أنتجت أفلاما يدخلها الناس طواعية متقبلين فكرة الخوف والذعر وهم جالسون فى غرفة مظلمة تتدفق الدماء فى عروقهم مع اضطراب فى نبضات قلوبهم فى شبه هوس غير محسوس بهذا النوع من الأفلام.
ولقد أبدع المخرج الشهير "ألفريد هيتشكوك" جانبا خاصا به من الخوف أطلق عليه "الرعب النفسى" بداية من عام ١٩٦٠ فى فيلم PSYCHO ليصل الى ذروته فى فيلم THE BIRDES، وفى هذا الفيلم جعل الطيور رمزا للجمال والرومانسية، تبدو كأداة هجوم وقتل تخيف الناس إلى درجة بقائهم فى منازلهم خوفا منها، ثم سار كثير من المخرجين خلف سياسة "هيتشكوك" السينمائية، فنظر صناع أفلام الرعب إلى الطبيعة المظلمة، فرأينا أفلاما تشيطن الأطفال ودمى يسكنها الجان وحيوانات غريبة تهاجم مدنا ومرايات تنتج أرواحا شريرة، وبهذا عبر المؤلفون إلى الخوف إلى درجة أن حولوا كل الأشياء إلى مصادر له.
ثقافة الخوف
ربما جرى الأمر كما يراه الكثيرون فى أن الخوف لازم لحياة الإنسان دائما، ولولا الخوف لانقرض الإنسان من الأصل، فالخوف فى هذه الحالة يضمن البقاء، وهو أيضا حالة إنسانية فردية أو جماعية ناتجة عن مواجهة شىء إما حقيقى أو متخيل، لكنه خطر يهدد الطمأنينة والسلام، ومن وجهة النظر هذه يعد الخوف ظاهرة قديمة قدم الإنسان ذاته، لذلك تناولته الأفلام وتحول من الفلسفة إلى علم النفس التحليلى مرورا على الميثولوجيا وأصناف من الإبداع الأدبى والفنى والتراث الشعبى، ثم حدثت تلك النقلة النوعية غير المسبوقة التى حولت الخوف إلى التخويف، فيما يسمى "ثقافة الخوف"، خاصة مع انتشار الإرهاب واتخاذه بعدا عالميا فى الخطاب السياسى وفى المخيلة الجمعية، وقد بدأ ذلك مع أحداث ١١ سبتمبر بأمريكا التى فرضت هذا النوع من الحديث عن الإرهاب فألبسته رداء دينيا وأصبح إرهابا سياسيا من نوع جديد ربما كانت المخاطر من قبله لها منظور يحتمل التوقع، لذلك كان الخوف يمكن مواجهته بل وتحديه، أما الخوف الجديد هنا، ويقصد به ثقافة الخوف، فلم يمكن توقعه ولا تحديه ولا انتظاره ولا وضع الخطط من أجل تعقبه أو إنهائه، فالخوف قد تحول نوعيا إلى ثقافة بعد أن أطلق ذلك المصطلح مجموعة من الساسة والعلماء والاقتصاديون، وأصبح تأثيره المجتمعى أشمل وأعمق، وانتشر بعدها كالنار فى الهشيم فى كل العالم.
"مجتمع الخوف" كتاب لعالم الاجتماع الألمانى "ألريش بالك" صدر عام ١٩٨٦، وقد تبنى فيه مؤلفه فكرة الحداثة والتقدم التى أرفقت بالسعى والاندفاع القاتل نحو ما هو غير بشرى، وهو نفس ما أكده بقوة الفيلسوف "هابرماش" فى كتاب نشره تحت عنوان "الخوف من تكنولوجيا العصر" وفيه يرصد المؤلف صور الخوف من المجهول المتولد من التكنولوجيا السريعة المتواترة بلا تأن، أو الخوف من المستقبل وما سيحدث به من تقدم فى الثورة الرقمية التى ربما تهدد البشر أكثر مما فعلته بهم الحرب العالمية الثانية بكل ويلاتها.
بلا شك صار العالم بعد دخوله القرن الواحد والعشرين خائفا، أو هكذا رصدت الأبحاث، وكان ضمن ما نشر من نصوص فى هذا الاتجاه مقالات لمفكر مثل "هنتجون" الذى نشر كتابه الأشهر "صدام الحضارات"، وقد اعتبر هذا الكتاب نداء ضد عدو خفى مخيف أسماه هذه المرة "ثقافة العداء" وهى النتيجة التى خرجت من رحم ثقافة الخوف، وقد سأل فيه سؤاله المدهش: ممن نخاف؟ وكان العدو هنا مترامى الأطراف ذا أصابع خفية يلعب بكل المقدرات فى خوف لا محدود.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد