الأميرة فاطمة إسماعيل.. الأم الروحيـة للتعليم الجامعى المصرى

تبرعت بالأرض التى كانت تملكها لإقامة كليات جامعة «فؤاد الأول» عليها وتبرعت بالمجوهرات التى ورثتها عن والدها الخديو إسماعيل والخديو سعيد والد زوجها الأول/ دكتور«علوى باشا» طبيب العائلة الحاكمة ساعدها فى بيع مجوهراتها فى أوروبا وبلغت قيمتها عشرات الآلاف من الجنيهات وأودعت فى صندوق مخصص للبعثات واستكمال المبانى الجامعية لأول جامعة مصرية

فى عائلة "محمد على" التى حكمت مصر لمدة قرن ونصف القرن، فرع "إبراهيم" الذى كان ولده "إسماعيل" مجرما بكافة المقاييس، هو من قتل الأمير "أحمد" الأحق منه بالعرش، وهو من قتل "إسماعيل المفتش" بفنجان من القهوة المسمومة، وهو من قتل حلم المصريين فى التقدم والنهضة، لما استدان من بنوك أوروبا ورهن مصر كلها، ولما استولى على أجود الأراضى الزراعية وكوّن ما سمى "الدائرة السنية" التى احتوت آلاف الأفدنة، وهو من قتل الفلاحين فى "قاو الكبرى" بمديرية "أسيوط"، وهدم بيوتهم بالمدفعية الثقيلة، وهو نفسه والد "الأميرة فاطمة" التى أنفقت على التعليم والعلم الكثير من مالها الخاص، وهى التى تبرعت بالأرض التى أقيمت عليها كليات "الجامعة المصرية"، وهى التى باعت مجوهراتها الثمينة فى أسواق أوروبا من أجل شراء الأدوات واستكمال مبانى الجامعة الأولى فى تاريخنا المعاصر..

لست فى سجال ولا عراك مع الذين يرون فى "الخديو إسماعيل" عاشقا لمصر ورائدا لعملية التحديث التى شهدتها "القاهرة" وعواصم المديريات، لكننى مقتنع تماما بأنه "مجرم كبير" فى حق الوطن، وجاء ولده "محمد توفيق" ليسلم الوطن للاحتلال البريطانى مقابل حماية العرش من قوة العرابيين والشعب الذى التف حولهم فى القرن التاسع عشر، لكن "الأميرة فاطمة إسماعيل" لها دور مهم فى تأسيس "الجامعة" فى مصر، والإنفاق على المتفوقين فى المعاهد والمدارس، وقبل التطرق لقصة "بناء الجامعة المصرية"، وهى قصة كفاح شعب قرر أن يخلق "نخبة" مثقفة تستطيع التفاهم مع العصر وتفهم معنى التقدم، وتستطيع المقاومة السياسية والثقافية فى زمن "اللورد كرومر"، المندوب السامى البريطانى، الذى كان يكره الفلاحين المصريين ويكره فكرة "الثورة" و"الاستقلال"، وفى عهده وقعت "حادثة دنشواى ـ 1906" وهى ليست "حادثة" بل "جريمة كبرى" فى حق الفلاحين والشعب المصرى كله، ارتكبها ـ كرومرـ بدعم من الخونة "بطرس غالى وفتحى زغلول وإبراهيم الهلباوى"، والثلاثة عاقبهم الشعب، قتل الأول بست رصاصات من الشاب "إبراهيم ناصف الوردانى" وغنى الفلاحون له أغنية ما زالت حية فى الوجدان "قولوا لعين الشمس ما تحماشى، لحسن غزال البر صابح ماشى" وكان "غزال البر" هو "إبراهيم الوردانى" فى طريقه للموت شنقا، ومات الجسد، وبقى المناضل الوطنى فى قلوب الناس، حتى شعراء البوادى المصرية قالوا فيه القصائد التى تمجد بطولته وتضحيته، والثانى "فتحى زغلول" وهو شقيق "سعد زغلول"، وكان عضوا فى محكمة "دنشواى" عوقب بالمحو من الذاكرة الوطنية، فلا أحد يذكره، ولا أحد يعرفه، والثالث "إبراهيم الهلباوى" المحامى الذى طالب بإعدام فلاحى "دنشواى" وجلدهم، فى محكمة أقيمت فى القرية ذاتها، حتى يرى أهالى المتهمين أبشع ما يمكن للعين أن تراه، وأعدم أربعة فلاحين، وجلد إثنى عشر آخرين، حتى لا يجرؤ فلاح غيرهم على مقاومة "جيش الاحتلال" ولقى "الهلباوى" المهانة من الشعب والإدانة من شبان "الحزب الوطنى" وحمل لقب "جلاد دنشواى"، وعاش فى سنواته الأخيرة وحيدا مكروها من الجميع، ولكن "مصطفى كامل" فضح "كرومر" وأجبر "بريطانيا العظمى" على إعادته إلى "لندن"، واشتعلت من جديد "شعلة الوطنية"، وتفجرت من جديد الدعوة لبناء "الجامعة"، وتبرع "مصطفى كامل" بمبلغ "خمسمائة جنيه"، وتبرع "الغمراوى باشا" بمبلغ مماثل، وتبرع آخرون من أغنياء البلاد لهذا الغرض، وتصاعدت الدعوة لتأسيس الجامعة المصرية، واستطاع المخلصون للوطن، خلق "جامعة" فى مقر مستأجر من أجنبى "اسمه الخواجة جناكليس"، وجرى استئجار عدة قاعات فى عدة مواقع داخل القاهرة يتواجد فيها "المحاضرون" والراغبون فى تلقى العلوم والفكر، وفى العام 1908 الذى ظهرت فيه "الجامعة المصرية" توفى الزعيم الوطنى "مصطفى كامل" الذى كان له فضل الدعوة إلى المقاومة بالتعليم، وأنشأ مدرسة وطنية تعلم المصريين التاريخ الحقيقى لبلادهم كان من خريجيها الفنان الرائد "عبدالوارث عسر"، وكان "كرومر" يرى أن الشعب "الجاهل" أسهل وأطوع، وكان يعادى فكرة تعليم الشعب المصرى، وجعل التعليم قاصرا على المستوى الذى يسمح بإعداد "الكتبة والموظفين الصغار" الذين يحتاجهم "دولاب الإدارة" البريطانية، ولكن "الجناح الوطنى" من البرجوازية المصرية استطاع التقدم وبلوغ الهدف، ومن المهم هنا التوقف أمام "الخديو عباس حلمى الثانى"ـ الخديو الأخيرـ ابن "محمد توفيق" الخديو الخائن، فهو حاول أن ينتزع القليل من الحرية للعرش، وخاض معارك ضد "كرومر" استهدف منه "الحرية" لشخصه باعتباره "الخديو"، واحتمى بالحركة الوطنية المصرية، وشجع فكرة بناء الجامعة وإصلاح التعليم الأزهرى، ثم أقيل من الحكم وجىء بالسلطان "حسين كامل " ثم "السلطان فؤاد" الذى أصبح "الملك فؤاد" بموجب "دستور 1923" الذى كان من ثمار "ثورة 1919"، وكان ـ فؤاد ـ رئيسا للجنة المشرفة على تأسيس "الجامعة المصرية"، وفيما بعد أصبحت جامعة خاضعة لرعاية "وزارة المعارف"، وظلت تحمل اسم "جامعة فؤاد الأول" حتى جاءت ثورة 23 يوليو 1952 لتبدل الاسم  إلى "جامعة القاهرة" الذى ما زال ساريا العمل به حتى كتابة هذه السطور.

 جهود الأميرة فاطمة

قبل الحديث عن جهود "المحسنة الكبيرة" الأميرة فاطمة إسماعيل، من المهم أن نعرف معارك تعليم المرأة وأطوارها وحلقاتها فى التاريخ الحديث والمعاصر، فالذى حدث هو ابتعاث "رفاعة الطهطاوى" إلى باريس، فى زمن "محمد على" وظل ـ رفاعة ـ مؤثرا فى القرار السياسى والثقافى ودعا لتعليم الفتيات، لكن محمد على لم يستجب لمعرفته بالخطورة التى يمكن أن تحدثها المغامرة بتعليم الفتيات، لكنه فتح مدرسة "القابلات"، وكانت الدارسات مجموعة من الفتيات "الحبشيات الجوارى" والغرض كان تخريج مساعدات لأطباء مدرسة الطب التى أنشأها الباشا لخدمة الجيش، وبعدها أدخل العنصر النسائى فى دولاب الوظائف الإدارية، وكانت "خديجة أفندى" أولى الموظفات، وهى من فتيات "الملجأ الخيرى"، وفى عهد إسماعيل أنشئت مدرسة "السنية" للبنات، وتخرجت رائدات كان لهن الفضل فى الدعوات الإصلاحية، ومن هذه الدعوات، الدعوة لنشر المدارس، وتأسيس جامعة تربى العقول القادرة على النهضة بالمجتمع، ولكن الأميرة "فاطمة إسماعيل" رغم انتمائها إلى العائلة الحاكمة، ورغم قيام جدها "محمد على" بابتعاث والدها وآخرين ضمن "بعثة الأنجال" إلى إيطاليا وفرنسا، لم تنل حظها من التعليم الجامعى، لكنها عبرت عن شوقها للعلم والفكر بتخصيص أموال لدعم المتفوقين من طلاب المدارس العليا والمعاهد.

ولما نشرت الصحف المصرية مقالات تنادى بتأسيس جامعة مصرية، انشغلت الطبقة الغنية "الوطنية" بالفكرة، وبذلت المال،  وكانت "الأميرة فاطمة" فى قلب المشهد الوطنى، الهادف إلى إعداد "نخبة مثقفة" تستطيع النهوض بالبلاد وطرد الاحتلال البريطانى، والأميرة "فاطمة" من مواليد "1853" وأمها هى "شهرت فزاهانم"، تزوجت من "الأميرطوسون" ابن "الخديو محمد سعيد" وأنجبت له الأميران "جميل وعصمت"، وتوفى، فتزوجت الأمير "محمود سرى باشا" ومنه أنجبت ثلاثة أولاد وبنتا واحدة، وكانت مشهورة بامتلاكها المجوهرات الثمينة، وكانت تضع هذه المجوهرات فى صناديق كثيرة، وملابسها كانت مرصعة بالأحجار الكريمة، وهذا كله قدمته فى سبيل إقامة الجامعة المصرية.

كانت "الجامعة الأهلية"ـ النواة الأولى ـ افتتحت فى "21 ديسمبر 1908" وحضر حفل الافتتاح الخديو عباس حلمى الثانى، وكبار القوم ورموز الطبقة الغنية ودارت العجلة الجامعية من مقر يملكه "نستور جناكليس"، وكانت إدارة الجامعة استأجرته بمبلغ أربعمائة جنيه للعام الواحد، وهو ذاته المقر الحالى للجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأطلع "علوى باشا"ـ طبيب العيون المشهور وهو الطبيب الخاص بالعائلة الحاكمة آنذاك ـ الأميرة "فاطمة" على الوضع المالى للجامعة وعرفها باحتياج الجامعة المال فمنحته مجوهراتها الثمينة الموروثة من والدها الخديو إسماعيل وعمها والد زوجها "الخديو محمد سعيد"، وطلبت منه بيعها فى أوروبا وباعها بالفعل، وخصصت لنفقات الجامعة،  وقررت تخصيص مساحة "ستة أفدنة" لبناء مقر الجامعة عليها، وخصصت مبلغ أربعة آلاف جنيه سنويا من عوائد الأطيان التى تملكها فى مديرية "الدقهلية" تكون تحت تصرف إدارة الجامعة تنفق منها كيف تشاء لخدمة البحث العلمى ودفع أجور المحاضرين، وهى التى تبرعت ببناء مقر الجامعة وبلغت تكاليفه ستة وعشرين ألفا من الجنيهات " ولست فى حاجة لتذكير القارىء العزيز بقوة الجنيه المصرى فى تلك الحقبة، فالجنيهات كانت قيمتها تعادل الملايين بمقاييس الوقت الحالى، وهى التى استكملت بناء "كلية الآداب " على نفقتها الخاصة، وهى التى خصصت فى العام 1913 عوائد مائة فدان زراعية تملكها فى المنصورة والجيزة لنفقات ديوان البحرية والحربية على طلبة البعثات العسكرية، ونفقات الفقراء والأيتام من طلبة المدارس، وبيعت مجوهراتها فى مدن أوروبا، وخصصت عوائدها للجامعة أيضا، وتنازلت عن "السراى" الخاص بها ومساحتها "125 ألف متر مربع" وتم تحويلها إلى "المتحف الزراعى"، وكان نصيبها من هذه التبرعات "لوحة من نحاس" على جدار كلية الآداب بجامعة "القاهرة" ـ الاسم الحالى للجامعة المصرية ـ تتضمن الشكر للأميرة على ما قدمته لخدمة الجامعة، وتذكرتها ـ جامعة القاهرة ـ فى حفل أقيم فى "7 ديسمبر 1996" فخصصت جناحا يحتوى صورها وصورمجوهراتها التى تبرعت بها، لكن الأهم من هذا كله أن الباحثين والمؤرخين يعرفون أن "الأميرة فاطمة إسماعيل" هى الأم الروحية للتعليم الجامعى المصرى.

Katen Doe

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - جواهرجى القماش

يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...

المكر والمكيدة والحيلة وسائل الخداع القديمة.. تجدى فى الأوقات الصعبة

الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين

نسمة عودة: الأدب يعيش بقرائه.. وكل قراءة جائزة للكاتب

فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...

مريم العجمى: الجائزة هدهدة على كتف الكاتب

القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة


مقالات

دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م
الفخ الأكبر والأخطر
  • الجمعة، 16 يناير 2026 11:10 ص