كانت من أوليات المخرجات فى التليفزيون المصرى.. وعملت فى إدارة التمثيليات وبرامج المرأة / تعاونت مع فتحية العسال وأسامة أنور عكاشة واستطاعت أن تتفوق على كثير من المخرجين بشهادة الجماهير من المحيط إلى الخليج/ قدمت الفيلم الوطنى.. ومن أشهر أفلامها «حكايات الغريب» و«الطريق إلى إيلات»
المخرجة التليفزيونية الكبيرة "إنعام محمد على" ـ متعها الله بالصحة والعافيةـ صعيدية من "المنيا" وهى التى قدمت لنا قصة "دولت فهمى" وكيلة مدرسة الهلال الأحمر بالقاهرة، التى كانت من مجاهدات ثورة 1919، وشهيدات التقدم فى تاريخنا المعاصر، لأن ـ إنعام ـ مبدعة ومناضلة منذ طفولتها، اختارت قسم التاريخ بكلية الآداب، ورفضت وصاية إخوتها الذكور، وخاضت تجربة الدراسة الأكاديمية وحصلت على الماجستير فى موضوع "الدراما التليفزيونية ودورها فى تطوير المجتمع"، وقدمت قصص الرموز الوطنية مثل "أم كلثوم، قاسم أمين" ودافعت عن حقوق المرأة المصرية والعربية بالكاميرا، وحققت النجاح الكبير فى الفن بشهادة الجمهور الذى يعشق أعمالها، وهو جمهور كبير العدد ممتد من المحيط إلى الخليج.
فى بدايات تسعينيات القرن الماضى، ألحقنى الصديق الشاعر الكبير "ياسر الزيات" بمجلتنا الغالية "الإذاعة والتليفزيون"، وبعد شهور من عملى فى قسم "المراجعة ـ الديسك" تفجرت حوادث الإرهاب فى الصعيد، ولأننى صعيدى، أكره الإخوان والجماعات الإرهابية الوهابية منذ نعومة أظفارى، كتبت مقالة واستعنت فيها بمعلومات من كتاب ـ أحمد شوقى الفنجرى ـ الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ونشرت المقالة، وفوجئت بالسيدة المخرجة "إنعام محمد على" تطلبنى على التليفون الأرضى الموجود فى مكتب الأستاذ محمد الغريب مدير التحرير، وكان يشاركه فى المكتب الأستاذ فهيم أحمد، رحمهما الله بواسع رحمته، وأبدت الفنانة الكبيرة إعجابها بالأسلوب والفكرة، وطلبت لقائى فى التليفزيون، ولكن السيدة رئيسة التحرير ـ سكينة فؤاد ـ رفضت، فنسيت الأمر، ودارت عجلة الحياة، ولم ألتقِ السيدة "إنعام" حتى يومنا هذا، لكننى طوال السنوات الماضية كنت مشاهدا ومهتما بأعمالها، وكانت حلقات "هى والمستحيل" التى أذيعت فى العام 1979، باقية فى ذهنى "طشاش"، و قناة "ماسبيرو زمان" أعادت إذاعتها مرة ووجدتنى أعيد مشاهدة الحلقات من جديد، ولم أكن أعرف أن "هى والمستحيل" من تأليف الكاتبة "فتحية العسال"، رغم أننى قابلت ـ فتحية ـ فى "سوهاج" وفى القاهرة، وقرأت مذكراتها وعرضتها فى جريدة "التجمع" التى كان يرأس تحريرها دكتور أحمد الحصرى، وقرأت كتاب "دراما الحب والثورة" وأجريت حوارا صحافيا معها ونشر فى جريدة "الأسرة العربية" فى بدايات عملى الصحفى بعد الانتقال ـ النهائى ـ من "كوم العرب ـ سوهاج" إلى "القاهرة"، وتبين لى أن قصة مسلسل "هى والمستحيل" هى سيرة ذاتية للكاتبة فتحية العسال، فهى حين تزوجت الكاتب الراحل "عبد الله الطوخى" والد الفنانة "صفاء الطوخى" كانت أمية، تسكن فى حى السيدة زينب بالقاهرة، وهو كان ضمن الجامعيين الذين انخرطوا فى صفوف الحركة الشيوعية فى خمسينيات القرن الماضى، وتحركت الرغبة فى اللحاق بالحضارة والمدنية، واستطاعت "فتحية العسال" أن تتعلم وتبدع وتكتب المسلسل الإذاعى والمسرحية والمسلسل التليفزيونى وتنخرط فى صفوف الحركة النسائية المصرية وتصبح واحدة من رائدات الكتابة، وهذا ما جعل "هى والمستحيل" صادقة، ناجحة فى اختراق القلوب، وبالطبع لايمكن نسيان الدور الكبير الذى قامت به المخرجة "إنعام محمد على"؛ فهى التى شجعت "فتحية العسال" على كتابة هذه القصة الواقعية، ولايمكن نسيان الأدوار التى قام بها الفنانون "محمود الحدينى، سامح الصريطى، سوسن بدر، صفاء أبوالسعود، علية عبد المنعم، عبد العزيز أبوالليل، نادية رفيق"، هؤلاء الأبطال، كان كل واحد منهم فى مكانه الصحيح، وكان أداؤه نابعا من مفهوم "الفن رسالة"، وهو المفهوم الذى جعل " إنعام محمد على" لاتكتفى بدراستها فى "قسم التاريخ" بكلية الآداب، جامعة عين شمس، بل أعدت رسالة الماجستير حول موضوع "الدراما ودورها فى تطوير المجتمع" وكانت حلقات "هى والمستحيل" تطبيقا للرؤية التى حملتها رسالة الما جستير، فهى ترى أن الدراما يجب أن تكون من أدوات التقدم فى المجتمعات النامية، ولو تأملنا موضوع الحلقات لوجدناه هادفا لدفع المرأة فى اتجاه التقدم والتحرر، والمفاهيم المتضمنة فى القصة والسيناريو والحوار، مفاهيم راقية، تدعو الفتيات للحاق بالمعاهد والكليات والتطور العلمى، واختيار الزوج وفق مقاييس الشراكة، لامقاييس البيع والشراء، وعدم الخضوع للرجل الغنى، بل البحث عن الرجل الذى يصلح شريكا فى رحلة الحياة، والمسلسل "عشر حلقات" احتوى دعوة لكل الفتيات مكسورات الجناح للنهوض والمعافرة والعمل من أجل التخلص من القيود، وكانت المفاجأة التى أدهشت ـ إنعام محمد على ـ فى العام "2016"، وبالتحديد فى أرض المعارض بالقاهرة، وكانت ضيفة ضمن ضيوف معرض القاهرة الدولى للكتاب، وعقب انتهاء الندوة، تقدمت سيدتان نحو المنصة وصافتحا ـ إنعام ـ وقالتا لها "احنا الاتنين دكاترة فى الجامعة، وقبل كده كنا ناسيين التعليم خالص، ولما شفنا مسلسل هى والمستحيل بتاع حضرتك، تأثرنا بكفاح "زينب" وعملنا زيها، وتعلمنا ونجحنا واتوظفنا فى الجامعة، وقلنا لازم نيجى نشكر حضرتك"،.. هذه هى لحظة "التحقق والسعادة" التى يعمل الفنان من أجلها، ولم تكن حلقات "هى والمستحيل" وحدها التى تركت أثرا فى وجدان المشاهدين، بل كانت حلقات "الحب وأشياء أخرى" تنادى بالحب والإنسانية، فى مواجهة "مجتمع الصفقة" الذى طغى على "مجتمع القلب"، فقتل القلب، وأصبحت "الصفقة" هى القانون الحاكم للعلاقات بين الناس، فالفنان أحب الطبيبة، فى زمن "الصفقة" فضاع الحب، لأن "المال" هو الأقوى بالطبع فى المجتمع القائم على نظرية البيع والشراء، وكذلك استطاع مسلسل "ضمير أبلة حكمت" أن يعرى الواقع الفاسد فى مجتمع "الصفقة"، ويكشف أن التجار، لايهتمون بالقيم التربوية والأخلاقية، بقدر اهتمامهم بالوجاهة الاجتماعية والسلطة والمنصب، ومؤلف المسلسل هو أسامة أنور عكاشة" ـ أسطى الدراما التليفزيونية ـ والبطولة للفنانة الكبيرة "فاتن حمامة"، وهذا المسلسل هو أول عمل تليفزيونى لها، وكانت "إنعام محمد على" قادرة على أن تكون قاعدة المثلث، وتحقق النجاح الكبير، وتجعل "ضمير أبلة حكمت" صوتا للضمير والقيم والمنظومة الثقافية الوطنية الرفيعة فى مواجهة "مافيا التعليم الخاص"، التى لاتسعى لبناء الوطن، بل تدمير عنصره البشرى و"شفط" خيراته والهروب بها إلى "بنوك سويسرا "، ومازالت حلقات "ضمير أبلة حكمت" شاهدة على قدرة "إنعام وعكاشة وفاتن" على الرفض بالفن، والتصدى والمقاومة بالإبداع لكل القبح الموجود فى مجتمع "الصفقة" الفاسد.
ولم تكتف "إنعام محمد على" بالوقوف وراء الكاميرا وتقديم "الورق"، بل هى صاحبة رؤية وطنية تقدمية، تشارك فى بناء القصة والسيناريو، وبناء "الممثل" أيضا، وهى التى تميزت بتطوير قدرات الممثلين الذين عملوا معها فى كل أفلامها ومسلسلاتها، فهى التى علمت "فاتن حمامة" التمثيل التليفزيونى والتعامل مع "الكاميرات الثلاث"، وهى التى منحت "صفاء أبو السعود" و"صابرين" و"كمال أبورية" و"آثار الحكيم" و"ممدوح عبدالعليم" مساحات وبطولات، وجعلت كل "ممثل" منهم يعيد اكتشاف ذاته وقدراته.
ورغم هذا السجل الخصب الحافل بالأعمال الدرامية المؤثرة، يبقى مسلسل "أم كلثوم" علامة فارقة فى تاريخ "إنعام محمد على"، فهى التى غامرت بفنانة شابة من الصف الثانى وهذبت موهبتها وعلمتها ودربتها، حتى جعلت منها "أم كلثوم" التى ظهرت فى المسلسل الكبير المعروف الذى لاتمل العيون مشاهدته، وكذلك مسلسل "قاسم أمين" الذى قدم لنا "كمال أبوريه" فى ثوب مختلف عن الأثواب السابقة، وتبقى السهرة الدرامية "دولت فهمى التى لايعرفها أحد" نقطة تحول فى حياة ـ إنعام ـ فهى سهرة تحولت إلى عمل درامى "ثقيل الوزن" لما فيها من سرد وتفاصيل لحياة الشهيدة "دولت فهمى" ـ وكيلة مدرسة الهلال الأحمرـ التى كانت ناشطة فى "الجهازالسرى" لثورة 1919 وهو الجهاز الذى كان يقوده "عبدالرحمن فهمى" و"دكتور أحمد ماهر" و"النقراشى"، وقرر الجهاز منع "محمد شفيق باشا" من المشاركة فى تشكيل الحكومة التى أرادها الملك فؤاد لتكون أداة طيعة تخدم مصالحه وتخدم مصالح الاحتلال البريطانى، وكان "سعد زغلول" رافضا قبول المصريين تشكيل حكومات تتعاون مع جيش الاحتلال والقصر المتحالف معه، وتطوع الطالب "عبدالقادر شحاته" للمهمة، وألقى القنبلة، وقبض عليه، وكان مطلوبا منه ـ أمام المحقق ـ أن يثبت براءته من التهمة، وقرر الجهاز السرى للثورة تكليف "دولت فهمى" بالوقوف أمام وكيل النيابة والشهادة بأن "عبدالقادر" كان معها فى غرفة نومها، ولم يكن هذا صحيحا، لكن هذه الشهادة حسنت الموقف القانونى للفدائى "عبدالقادر"، وفى الوقت ذاته، تسرب الخبر "خبر الشهادة المزيفة التى شهدت بها دولت" إلى أهلها فى قرية "أبو عزيز" فى "مطاى" بمديرية "المنيا"، وشعر أهلها "العربان" بالعار، فقتلها أخوها، ليغسل العار، حسب الأعراف البدوية فى الصعيد، وكانت "دولت فهمى" بريئة، لكنها ضحت بسمعتها وحياتها من أجل حرية "عبد القادر" الفدائى البطل، ومن أجل حرية الوطن!
ولولا "إنعام محمد على" المثقفة، منياوية المولد والنشأة، الدارسة لتاريخ مصر فى كلية الآداب فى جامعة عين شمس، ما عرفنا قصة "دولت فهمى" التى قامت بدورها الفنانة القديرة "سوسن بدر" وشاركها البطولة "ممدوح عبدالعليم"، ولولا موهبة ـ إنعام ـ ما أصبح لدينا هذه الأعمال الوطنية ومنها "فيلم حكايات الغريب" الذى خلد بطولات شعب "السويس" فى ظل الحصار الذى فرضته قوات إسرائيل التى تسللت وحاصرت السويس والجيش الثالث بعد خطيئة "ثغرة الدفرسوار"، وفيلم "الطريق إلى إيلات" الذى قدم جانبا من تضحيات رجال البحرية والمخابرات المصرية فى الفترة التى أعقبت وقوع هزيمة "5 يونيو 1967"، وسوف تبقى مسيرة "إنعام" شاهدة على قدرة المرأة المصرية على النجاح والتحدى، وليس هذا بجديد فى حياتها، فهى نشأت فى أسرة تضم خمسة ذكور، وبنتين، وترعى ـ الأم ـ كل هؤلاء وتعبر بهم إلى بر الأمان، وتحرص على أن تكون "البنت زى الولد".. وكان من نصيب الفن المصرى "البنت إنعام" الموهوبة المقاتلة، التى رفضت "كلية البنات" التى اختارها لها أخوها، وحاربت حتى التحقت بكلية الآداب قسم التاريخ، والتحقت بالتليفزيون وتربعت على قمة الدراما التليفزيونية بأعمال رائعة تقدمية المضمون وطنية الهوى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يبدو اللقب غريبا، وربما هذه هي المرة الأولى التي تسمعه فيها رغم أنه معروف تماماً في منطقة الدرب الأحمر..
المشهد الثقافى يشبه بوفيه مفتوح فى عرس صاخب.. والرواية وجبة جاهزة الأكاديميات تُخرّج موظفى نقد أوشارحى مناهج وليس نقادًا
تعلّق القراء بالجوائز شىء طبيعى لأنها تمثل «فلترة رسمية» الكتابة علّمتنى الإصغاء ومنحتنى مساحة نفسية للتعامل مع الإرهاق
يذكر ستيفن أن الحظ والقدر كليهما بات عنصرا واحدا وقد تشخصن مثلا عند الإغريق فأعطوه اسما مؤنثا «توشيه» نسبة إلى...