مدحت صفوت اسم يحيلك لناقد متمرد، قادر على الدفاع عن ما يكتبه، ومستحق تماما للجائزة لاجتهاده ومواصلته الدفاع عن أفكاره النقدية،
التى تتخذ أسئلة مغايرة يسعى للإجابة عنها.. هو هنا فى حوار معك من أول السطر..
كيف تقرأ الاحتفاء بفوزك بالجائزة؟
المفاجأة كانت فى 3 أمور، أولًا حجم التفاعل والتبريكات، ثانيًا الصيغ التى وصلتنى بها التهانى، إذ أكدت فى مجموعها على الاستحقاق وتأخر الموعد، والاستحقاق هنا قصد به كثيرون الدور الذى ألعبه فى الوسط الثقافى، نشاطًا وبحوثًا منذ نحو 16 عامًا، ومحاولة تقديم ما هو جديد ومختلف، وعلى نحو مشاغب، ومتسائل لا أحمل فيه يقينًا بقدر ما أطرح التساؤلات، فدورى الرئيس هو طرح الأسئلة وليس تقديم الإجابة، مع العلم أن الصياغة السليمة للسؤال نصف الطريق الذى نود أن نهتدى إليه.
وماذا عن الأمر الثالث؟
تمثل فى حالة الاحتفاء من جمهور القراء بالكتاب، فضلا عن الاهتمام النقدى بتناوله عرضا ودراسة من المتخصصين والنقاد، إذ تناولوه نقديًا فى أسابيع قليلة، أساتذة كبار منهم الدكاترة صلاح السروى وسيد ضيف الله وأشرف منصور ودينا عبد السلام، وصحفيون منهم محمد عبد الرحيم، وهى حفاوة اكتملت ذروتها بحصولى على جائزة الدولة. وﻷن الكتاب يتناول "أشباح الحقيقة"، فدائمًا أقول إن الأشباح منحتنى الكثير. الأمر الذى عده البعض تقديرًا نيابة عن كثيرين مجتهدين من أبناء جيلى. وهنا من الجدير أن أمتن للجنة التحكيم التى ضمت أسماء وقامات أفخر بها، وهم الدكاترة محمد يونس عبد العال، ومحمود الضبع، ورانيا فتحى، وكرمة سامى، وعبد الحميد مدكور.
كثيرًا ما تكرر فكرة طرح الأسئلة، إلى أى مدى يصلح هذا فى قراءة النصوص؟
إنها المغامرة، التى لا تعدو أن تكون سؤالًا، السؤال الذى يدعونى للتجريب، وهو ما حققته فى كتاب "5x5"، قلت سأجرب مبحثًا جديدًا لم يجرب كثيرًا فى النقد اﻷدبى العربى، وهو دراسة اﻷشباح، بجانب مقولة «الاستحضار الإنكارى"، التى لم تُجرب نقديًا فى الدراسات العربية، ولم تختبر على أيّ نصوص، ما يجعلها غريبة وجديدة فى الوقت ذاته، وأعتقد أنها المرة اﻷولى التى تستعمل فى قراءة نصوص عربية، ولا أدعى أننى فتحت بابًا لم يفتحه أحد من قبل، بقدر ما اجتهدت فى الطّرق عليه، دون انتظار أىّ ردٍ أو التعويل على أىّ مجيب.
عنوان كتابك غير مألوف على الدراسات النقدية، فلماذا 5x5؟
سعيد أن هناك من يرانى أطرح رؤى على غير المألوف، فالمغايرة هدف فى حد ذاتها، بعيدًا عن الذين يعادونها ويخاصمون من يسعى للاختلاف، بقولهم «خالف تُعرف»، أفكر دائمًا: لماذا لا تصبح تَعرف بفتح التاء، أى أن تختلف فتجرب فتدرك وتتعلم، ومن هنا يأتى عنوان 5X5 غير مألوف، هل تعتقدين فى وجود كتابٍ نقدى سابق بعنوان كهذا؟! كما قلت المغامرة، فأنت تذكرين عنوان كتاب رولان بارت «س/ ز»، هنا تسلحت بالتفكيك، ودخلت إلى عالم المجموعات القصصية الخمسة، ورأيت بعد قراءة المجموعات، أن أقسم أشباح الحقيقة إلى 5 محاور طيفية، لنصبح أمام 5 أشباح فى 5 مجموعات، وهو ما قصدته بالعنوان الرئيسى، كشكل من العنونة لم تعتده الدراسات النقدية العربية.
تعالى نعتبرها «مسألة طيفية» أى إنّنا نعمل على إنتاج كتاب نقدى منهجى قدّ يخاصم المنهج، فالتفكيك استراتيجيات تعادى المنهجية، ومن ثمّ فلا داعى للعنونة القديمة، حتى وإن تلمس العنوان الشارح بعضًا من السياقات المعتادة.
لماذا إذن كل هذا الغرام بالتفكيك؟
الدخول إلى استراتيجيات ما بعد الحداثة عمومًا ليس أمرًا سهلًا، فمع معرفة السياقات المنتجة لهذه الاستراتيجيات وإدراك أبعادها الفلسفية، يتطلب الأمر إخلاصًا مزدوجًا، يتطلب أن تخلص للجدية واللعب فى الوقت نفسه، إنه أشبه بالزواج من ضرتين، كيف تلعب فى جدية، وكيف تكون جادًا فى اللعب، ومن هنا أرى أن الاشتغال فى هذه الاستراتيجيات يتوافق مع طريقتى فى الحياة، لعبة جادة، فالحياة جادة حتى اللهو. وهى رؤية ليست ببعيدة عن مشروعى الفلسفى الذى لا يزال قائمًا، ولديّ كتاب قيد الانتهاء منه بعنوان «فى ضيافة ابن رشد»، ويستكمل ما بدأته فى دراسة «صوت الغزالى وقرطاس ابن رشد»، كمحاولة لفهم جوانب أخرى فى كتابات فقيه قرطبة الشهير.
بدأت مبكرًا كناقد، فما هى روافدك الأولى؟
كانت البداية فى المرحلة الثانوية، وقتها قررت أن أكون ناقدًا، ولأننى كنت أتردد على قصر ثقافة أسيوط، منذ طفولتى، وقت إقامتى هناك حينذاك، انتقلت فى هذه الفترة من نشاط الطفل، إلى نادى الأدب، وفى مرحلة الجامعة نادى أدب كلية طب أسيوط، وكانا الناديان بمثابة ورشة ثقافية، ناهيك عن مجموعات اليسار، وبعد فترة الجامعة كنت سعيد الحظ بالدور الذى لعبه فى حياتى الناقد الدكتور صلاح السروى، فمثل أبًا ثقافيًا ولم يبخل عليّ بعلم ولم يضن على بتشجيع. هنا أود أن أشير إلى دور شاب مثقف رحل عن دنيانا منذ أسابيع، لعب دور المُثقِف الرئيس فى حياتى، هو الباحث ممدوح مكرم، فلقد كان نعم الصديق، وأساس تفتح الوعى على قضايا شائكة.
كتابك الحاصل على جائزة الدولة يتناول السرد القصصى، ألا يستحق الشعر منك كتابًا مماثلًا؟
دعينى أوضح أمرًا أراه مهمًا، وهو كثيرًا ما يقف النقاد أمام نصوص كتاب راحلين، ولو دققنا النظر سنرى أن الكتابات النقدية التى تواكب المنتج الحالى تكاد تكون منعدمة، أو نادرة، وربما يلجأ الناقد إلى ذلك ليكتسب نصه النقدى مكانة من خلال النصّ المدروس، بمعنى الكتاب النقدى يصبح له شأن من خلال اﻷسماء التى يتناولها.
لكنى هنا أعترف لكِ، اخترت المجموعات الخمسة بقصدية تامة، كان يمكن أن أقول إن النصوص اختارت بعضها بعضًا، دعكِ من هذا الكلام الرومانسى، كل شىء مقصود فى عالمنا، والواقع التطبيقى يشير إلى أن المسألة كانت بالتواطؤ المتفق عليه ضمنيًا، اخترتها من بين مجموعات عدّة قرأتها فى العامين الأخيرين 2020-2022، على أقل تقدير، ربما لأنها تتيح لى اللعب بشىء من الحرية مع الأشباح، وربما لأنها حدّ ذائقتى، مجموعات مشبعة فنية، لا أقول جيدة، فعالم الأطياف والتفكيك ليس فيه جودة ورداءة، ولا تقييم رأسى للفنيات، فالخطابات واحدة ومتساوية.
وماذا عن الشعر؟
بالفعل، لديّ مشروع نشرت فصولًا منه بعنوان "دريدا قارئًا للشعر"، وبعد كتابى الأخير، قررت أن أجرب مقولة "الاستحضار الاستنكارى" على الشعر العربى المعاصر، دون الالتفات لنوعية القصيدة، تفعيلية أو نثر، مؤكد الأمر مغر، أن أبحث فى كيف استدعى الشعراء سياقات بعينها لهدمها ودحضها وإنكارها، وكيف جرى ذلك من خلال أدوات القصيدة.
إذن هذا هو مشروعك المقبل؟
أعتقد أنه بحاجة للوقت، والأقرب أن تأثيرات التكنولوجيا الفائقة، بحقائقها وأشباحها، هى محور المشروع المقبل، بعد الجائزة.
بمناسبة التطور التكنولوجى، هل النقاد فاعلون فى عالم التكنولوجيا؟
السؤال الأدق هل دخل المثقفون عصر التقنيات الحديثة؟ صحيح أن الناقد يغرد على «تويتر»، ويدون بـ«فيس بوك»، ويستخدم «يوتيوب» فى نشر محاضراته، ومواقع الكتب الإلكترونية فى إتاحة مؤلفاته، لكننى ألاحظ أن أغلب القضايا التى تدور فى نقاشات النقاد هى ذاتها قضايا بداية «النهضة» العربية فى منتصف القرن التاسع عشر. وفعليًا هى آفة ثقافية فى عمومها، فلا يزال المثقف العربى، فى جلّه وليس فى مجموعه، يتحدث عن الثنائيات التى شغلت تفكير رفاعة الطهطاوى، ومحمد عبده، وطه حسين، أبرزها الشرق والغرب، الأصالة والمعاصرة، وأغلب الكتابات يدخل لمعالجة هذه الثنائيات بالأدوات القديمة ذاتها، ويتكلم المفكرون دون أن نقع فى التعميم عن التوفيق بين الوافد والمستقر فى الثقافة، ما يعد سببا من أسباب إخفاق النهضة العربية.
وما وجه اعتراضك على التوفيق؟
التوفيق ليس أداة منعزلة عن السياق، وإنما كان نتاجا لطبيعة التناقضات الاجتماعية والسياسية التى يعيشها المجتمع منذ منتصف القرن التاسع عشر، وكانت نظرة التوفيق منسجمة مع طبيعة البرجوازية القائمة التى لم تنجز ثورة تقضى على الموروث وتؤسس بديلا جديدا، بل كانت «صحوة» حاولت التوفيق بين الموروث والوافد، بمعنى أنها لم تكن ثورة على «القديم» بل انتقت منه أسس صيغتها الجديدة، كما انتقت من الوافد ما يلائم هذا الموروث المنتقى.
ما يعنى أن المثقف لا يزال يلجأ إلى «النهضة» سابقة التعليب، والجاهزة، ظنا منه أنه بهذه الطريقة سيلحق بركب التقدم، وهو ما يجعل جيل «مواقع التواصل» ينظر إليه بريبة، ويعتبره واحدا من أهل الكهف؛ فلغته أشبه بالعملة التى لم تعد تعرفها الأجيال، وأطروحاتهم كأنها نقوش «متحفية» تجاوزها الواقع كثيرًا.
نعود للجائزة فى محطتنا الأخيرة، لمن تهديها؟
كما أهديت الكتاب، إلى محاسن محمد، أمى حقيقة وطيفًا. وإن استسمحتها فى إضافة اسم، وأظنها ستسعد به، لأنها تعتبره ابنها، صديقى الراحل ممدوح مكرم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...