أم كلثوم نجيب محفوظ: أنا وأختى رأينا شخصين يقتحمان شقتنا للقبـض على والدى

هذا حوار للتاريخ... تحدثت فيه أم كلثوم نجيب محفوظ -الشهيرة بـ"هدى"- بكل صدق وشجاعة وإيمان بوالدها ومحبة له..

 تحدثت بلا حسابات وبلا مواءمات.. والحديث حول صاحب نوبل وعنه لا يحتاج إلى مناسبة.. وحين تتحدث ابنة نجيب مصر فهذا فى حد ذاته أمر مهم ولافت للنظر.. اتصلت بهدى نجيب محفوظ لأقول لها إنه يشرفنى أن أهديها كتابى (نجيب محفوظ حكايات الراوى الأعظم) فشعرت بمسحة حزن فى كلامها.. سألت واستفسرت.. وعرفت.. لماذا كانت ابنة نجيب محفوظ حزينة.. بل وغاضبة.

لماذا الحزن؟

قالت هدى: بالصدفة وأنا أقلب بين القنوات الفضائية سمعت الأديب أحمد الخميسى يتحدث للدكتورة صفاء النجار فى برنامج أطياف على قناة الحياة.. كان الرجل يعقد مقارنة بين نجيب محفوظ ويوسف إدريس حول مدى مساعدة كل منهما ومساندته للأدباء الشبان فى عصرهما.. كلام تحامل فيه على أبى بشكل صارخ.. كلام تدحضه شهادات كثيرين.. قال الخميسى إن يوسف إدريس كان  يساعد الأدباء الشبان ويستمع إليهم ويوجههم.. وهذا أمر لا يضايقنى على الإطلاق.. لكن ما ضايقنى وأحزننى كثيرا هو أن يقول فى نفس الموضوع إنه حضر ندوات نجيب محفوظ فى كازينو أوبرا طوال عام ونصف العام لم يسمعه خلال هذه المدة يقول كلمة مفيدة للشباب.. وهو كلام يجافى الحقيقة تماما.. فنجيب محفوظ كان يساند الشباب ويشجعهم كثيرا  وقد علق على إبداعات شباب الأدباء أمثال محمد المخزنجى ومحمود الوردانى لبرنامج مع الأدباء الشبان الذى كانت تقدمه هدى العجيمى وأشاد بموهبة كل منهما وتحدث أيضا عن غيرهما.. وأذكر مثلا أن الراحل الكبير وحيد حامد قال لمنى الشاذلى بالحرف الواحد  -وقد حضر حامد فى أوائل حياته الإبداعية ندوات كثيرة للاستاذ- إن نجيب محفوظ كان (يساند أى حد عنده موهبة وعمره ما جرح أى حد) قال حامد هذا الكلام بعد وفاة والدي.. قاله بتجرد ولم يكن يريد شيئا من صاحب نوبل لأنه كان قد رحل.

 ثم أتساءل أيضا لماذا إذن كان والدى يعقد ندواته الكثيرة ويجعل حضورها متاحا للجميع من عامة الشعب.. ألا يعنى ذلك بكل بساطة أن الرجل كان يريد أن يكون بين الناس ومعهم دائما.. ومن الطبيعى أن يساعدهم ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

تواصل هدى: استشعرت من حوار الأستاذ أحمد الخميسى أنه معجب بيوسف إدريس، وهذا حقه التام، لكن المؤسف أن يسىء إلى نجيب محفوظ ويصفه بما ليس فيه.. وكان يبدو من كلامه أنه متضايق شوية.. لا أدرى لماذا؟

وأسال هدى عن علاقة محفوظ بيوسف إدريس بعدما كان الأخير غاضبا لأن نوبل ذهبت إلى محفوظ ولم تذهب إليه هو فقالت: عمر والدى ما قال كلمة وحشة فى حق يوسف إدريس.. وقد زاره فى المستشفى فى مرضه وحين خرج والدى بعد أن أدى واجب الزيارة جرت زوجة إدريس وراءه وقالت له: ما تزعلش.. وحينما مات يوسف إدريس ذهب والدى للعزاء.. وذهبت أمى إلى زوجة إدريس بعد ذلك لتعزيها فى وفاة ابن يوسف إدريس، وابنته أكدت هذه الواقعة  وبالعربى (احنا موش شايلين منهم). فأبى هو الذى فاز بالجائزة عن جدارة واستحقاق.. جاءته الجائزة الكبرى ولم يسع إليها.. يكفى أنه لم يسافر خارج مصر فى حياته سوى ثلاث مرات.. مرتان زار خلالهما اليمن ويوغسلافيا فى مهمتى عمل والمرة الثالثة كانت بعد فوزه بنوبل إلى لندن لإجراء جراحة بالقلب، وأذكر أنه كان (عصبى جدا) فى تلك الرحلة فهو لا يحب السفر وموش واخد على الغربة.. أما الآخرون فقد كانوا يسافرون إلى أوربا لكى يقوموا بتقوية علاقتهم بالأوساط الثقافية هناك.

 لماذا أساؤوا لأبى

تواصل هدى محفوظ: هناك من أساء لأبى ولنا نحن أفراد أسرته بعد رحيله ممن كانوا يحسبون من تلاميذه أو أصدقاء ندواته للأسف الشديد.

 مثل من؟

تجيب هدى: مثل محمد سلماوى

 كيف وقد اختاره الأستاذ ليتولى كتابة مقاله الأسبوعى بالأهرام "وجهة نظر" بناء على لقائه به كل سبت ليسمع الأستاذ ويكتب وراءه بعد حادث الطعنة فى 14 أكتوبر عام ٩٤ الذى لم يعد والدك قادرا بعده على استخدام يده اليمنى فى الكتابة؟

وتجيب هدى: سلماوى أخذ هذه المهمة من فتحى العشرى بذكاء.. أختى فاتن رحمها الله حكت لى الحكاية وكانت موجودة بالصدفة حين جاء سلماوى إلى منزلنا والتقى بوالدى وقال له: موضوع من تمليه "وجهة نظر"  بالأهرام رسى علىّ لكنهم طلبوا منى أن تكتب للأهرام خطابا بموافقتك  فقال له والدى أنا ما اقدرش أكتب، فأجابه أنا هاكتب وحضرتك توقع وبهذه الطريقة أخذ سلماوى كتابة "وجهة نظر" من العشرى.

وقتها قال لنا والدى الناس دول هايتخانقوا وأنا لا أحب هذا لو هايتخانقوا بلاش الموضوع خالص.

وتضيف هدى: والدى لم يكن يفضل أحدا على الآخر، ولم يكن يحب أن يحرج أحدا على الإطلاق.

 وماذا عن ذهاب سلماوى إلى السويد لإلقاء كلمة الأستاذ نيابة عنه فى مراسم تسليم جائزة نوبل؟

تقول هدى: أنا وأختى لم نكن نريد أن نسافر فى البداية، وسكرتير جائزة نوبل أصر على ضرورة تسليم الجائزة هناك فى السويد وطلبنا فى البداية أيضا أن يتسلم الجائزة السفير المصرى فى السويد، لكن لجنة الجائزة رفضت أيضا لأنه لا يجوز أن تتسلم الجائزة جهة حكومية، وقد قال لنا يوسف القعيد إن السفير المصرى بالسويد آنذاك هو زوج أخت سلماوى ولست متأكدة من صحة هذه المعلومة أو عدم صحتها، فاقترح السفير أن يذهب سلماوى لاستلامها، وكان سلماوى وقتها بشغل منصبه كوكيل وزارة الثقافة للعلاقات الخارجية، وحتى حين أرسل سلماوى برقية تهنئة لوالدى بالجائزة عرف نفسه بمنصبه بوزارة الثقافة.. وأذكر أن والدى قال لنا بالحرف الواحد: لقيت واحد شكله كويس وبيعرف لغات.

تواصل هدى: بعد وفاة والدى وحين كان سلماوى رئيسا لاتحاد الكتاب قال إن نجيب محفوظ كان يرفض ترشيح أحد لنيل جائزة نوبل، وفى هذا إساءة لوالدى وقد أرسلنا ردا على يد محضر لبرنامج البيت بيتك لكنه لم يذع لأن سلماوى تدخل لمنع الرد وتمت مجاملته بناء على علاقته بفاروق حسنى وزير الثقافة وقتها والذى تدخل لدى وزير الإعلام لمنع إذاعة ردنا على سلماوى الذى كان يمنعنا من إذاعة أى ردود تتعلق بنا أو بوالدى على أى شىء يقوله ضدنا وقد قلت هذا الكلام مع منى الشاذلى وشريف عامر.

ثم ُنشر بعدما ظهرت فى برنامج شريف عامر على قناة إم بى سى مصر أن أسرة نجيب محفوظ داعشية.. كل هذه الاتهامات كانت بعد وفاة والدي.. الواحد منهم  كان يطلع يقول عندى مفاجأة مش عارف إيه ليه ما قالش الكلام ده فى حياة والدي..؟ والإجابة طبعا.. لسببين أولهما أن والدى كان سيرد بالطبع وثانيهما أنه كان يستفيد ماديا من أبى مع أنه ليس محتاجا.. سلماوى كان يريد أن يحتكر الكلام عن نجيب محفوظ، وطبعا ما قاله سلماوى من أنه كان يجلس مع الأستاذ يستمع منه لمدة ساعة أسبوعيا فيه مبالغة كبيرة، هو لم يكن يجلس معه أكثر من نصف ساعة،  وكان عبارة عن شغل فقط لأنه من غير المعقول أن يظل والدى يتحدث ساعة كاملة، وقد كان طاعنا فى السن يعانى من ضعف البصر والسمع.. وأريد أن أقول إن سلماوى كان يريد أن يكون سكرتيرا للأستاذ وكان يريد أن يكون كل شيء عن طريقه.

تواصل هدى: من الأمور التى أساءت جدا لنجيب محفوظ وأسرته ما نشر بعد وفاته من أن زوجة الأستاذ وأبناءه إخوان أو داعشيات.. وهذه الشائعة عرفنا أن وراءها سلماوى ودار الشروق، قد قال خالد يوسف أن سلماوى أطلق الشائعة، وقال لى كاتب ترك مصر وسافر للخارج إن دار الشروق أطلقتها أيضاً وطبعا هذه الشائعات عبارة عن اتهامات زائفة ومغرضة.. يعنى نجيب محفوظ الذى كان عازفا عن الزواج ورافضا له وتزوج متأخرا عندما يقرر أن يتزوج يتزوج إخوانية؟ المقصد طبعا كان الإساءة لوالدى بطريقة غير مباشرة عن طريق الإساءة لأسرته وكأنهم كانوا يريدون أن يقولوا إن أسرة نجيب محفوظ هذا الروائى العظيم الذى حصل على أرفع جائزة عالمية هى أسرة تفكر بطريقة متخلفة ثم أطلقوا علينا شائعة أخرى هى اننا مش عايشين فى مصر رغم أننا لا نحب السفر كوالدى تماما ولم نكن أبدا نهتم بالسفر.. واضح أن المسألة كانت خطة للإساءة للأستاذ- وربما هى أحقاد على الرجل رغم أن من أساءوا إليه حققوا مصالح شخصية من ورائه.. ونحن لم نكن أبدا  نمانع من أن يستفيدوا من الأستاذ لكن من دون إساءة.

هنا لابد أن أحيى اثنين تمتعا بشهامة ومروءة حقيقية هما وحيد حامد الذى كان دائم الإنصاف للأستاذ ثم نعيم صبرى الذى كان وفيا جدا للأستاذ بعد رحيله.. كان الرجل يسأل عنا ويتصل بوالدتي.. هذه هى المروءة التى نعرفها وتربينا عليها مش يفضل يشتم فيه وفى أولاده.

وتضيف هدى: محمد سلماوى أيضا حاول أن يضرب فى الأستاذ من تحت لتحت كما يقولون؛ فصرح بأن أكثر من ترشح لنوبل هو طه حسين.. طبعا طه حسين قيمة كبيرة وليس لديّ اعتراض عليه إطلاقا لكن حين يقال هذا الكلام لغرض آخر فهنا يكون التوقف أمام مثل هذا الكلام.. يعنى كيف عرف سلماوى هذا الأمر؟! لا تعلن لجنة الجائزة عن الترشيحات وحتى الجهات أو الفائزون السابقون بنوبل فيهم من يعلن عن ترشيحاته وفيهم من يلتزم بأن تكون الترشيحات سرية، ولماذا لم يقل سلماوى هذا الكلام فى حياة والدى أم أن الأمر محاولة إحداث ضرر له بأى طريقة؟

تواصل هدى: إحدى مشكلات الحصول على نوبل هى الترجمة لأعمال الأدباء، ومثلا والدى تأخر كثيرا فى الحصول عليها بسبب الترجمة.. ولم تأتِ له نوبل إلا بعد ترجمة الثلاثية وهو نفسه قال إنه حصل على نوبل بعد ترجمة الثلاثية.

تضيف هدى: البعض أيضا أساؤوا لوالدى حين قالوا بعد وفاة الأستاذ بعامين فقط جملة أخذوها من روايات صاحب نوبل وهى "آفة حارتنا النسيان"، ملمحين إلى أن نجيب محفوظ قد نسى بسرعة.. طبعا هؤلاء فيه حاجة فى صدورهم تجاه الأستاذ.. هم جابوا الكلام ده منين؟ والحمد لله أن مبيعات رواياته عالية.. ورغم أن الناس العاديين فرحوا جدا لفوز والدى بنوبل وجمهوره العادى يعرف قيمته الكبيرة لكن يبدو أن الجائزة أخرجت بعض المثقفين عن صوابهم ..

 على يسار السلطة

ويصل الحوار مع هدى نجيب محفوظ إلى محطة أخرى.. مواقف نجيب محفوظ السياسية وعلاقته بالسلطة فى عصر الملكية أو عصور ناصر والسادات ومبارك.

تقول هدى: غضبت وحزنت وأسفت جدا لأننى قرأت بعد وفاة والدى وعرفت أن هناك من يقول إن نجيب محفوظ كان جبانا وليس شجاعا فى علاقته بالسلطة.. وأقول لمن قال هذا الكلام.. ما قلتهاش ليه فى حياته.

فى عصر عبد الناصر كان والدى قريبا جدا من السجن فى أكثر من مناسبة، وحكاية رواية ثرثرة فوق النيل وقصة سائق القطار معروفة للجميع.. لكن هناك موقفا آخر ذكرتنى به أختى فاتن رحمها الله بعد وفاة والدى.. كنا صغيرين جدا واقفين مع أمى فى المطبخ وهى تقوم بتحضير العشاء لنا حين فوجئنا بشخصين اقتحما علينا الشقة وضربا بقوة على باب المطبخ ثم اتجها إلى مكتب والدى، وواضح أنهم كانوا عارفين رايحين فين، وقالت لنا والدتى ادخلوا بسرعة على  غرفتكم، ودخلنا ولم نعرف ماذا حدث بعد ذلك والحمد لله أن القبض على أبى لم يتم.. كنا صغيرتين ولم نعرف ماذا حدث بعد ذلك لكننا شعرنا بخوف شديد وقتها، والدى قال لرجاء النقاش إنه ووالدتى كانا مراقبين فى عصر عبد الناصر.. ويمكن لو كنا أنا وأختى كبيرتين وقتها كنا اتراقبنا احنا كمان، يعنى العيلة كلها كانت هاتبقى مراقبة.. عصر عبد الناصر بصراحة كان أفظع عصر.

أما علاقة نجيب محفوظ بالسادات فكانت أيضا متوترة، والجميع يعلمون أن نجيب محفوظ  كان فى مقدمة الموقعين  مع توفيق الحكيم على بيان المثقفين الذى طالب السادات بإنهاء حالة اللاسلم واللاحرب، وهو البيان الذى أغضب السادات كثيرا.

أما فى عصر مبارك فقد انتقد والدى كثيرا من السياسات وكتب مقالات جريئة جدا.. وارجعوا لكتاباته فى الأهرام.. وقد قال إن بعض مقالاته منعت من النشر وأن بعضها الآخر تعرض لحذف بعض فقراته.. ومع هذا مبارك ما كانش زى عبد الناصر.. مبارك كان أرحم، إنما عصر عبد الناصر كان أفظع عصر.

وقد كان والدى حادا فى نقده لثورة يوليو، وقال إن الثورة قامت بالناس الغلط، غير أنه كان يثنى على خالد محيى الدين بعد أن أدرك أن محيى الدين كان ينحاز للديمقراطية وللحريات.. وطبعا كلنا يعرف كم كان والدى محبا لسعد زغلول والنحاس..

لكن نجيب محفوظ -تواصل هدى- مع اختلافه مع ناصر والسادات ومبارك كان لديه الرحمة فى الخلاف والاختلاف؛ فلم يكن قاسيا أبدا على أحد، ينتقد لكن لا يقسو ولا يذبح حتى فى "أمام العرش" لم يكن قاسيا.. هكذا كان أبى.. وهكذا كانت حياته الحافلة.

 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

السابعة والخمسين
ابراهيم
د. نسمة يوسف إدريس تتحدث عن أمير القصة القصيرة
إبراهيم عبد العزيز يقرأ علي مسامع نجيب محفوظ ملخصا للصحف
محمد محمد مستجاب يتحدث عن والده المبدع الاستثنائى الكبير
سيف
صلاح

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد