ما سر ذلك القلم "العجوز" الذى كان إحسان عبد القدوس لا يكتب إلا به، وأحس بالضياع عندما ضاع منه،
وتصور أن مستقبله انتهى بعده؟
وما سر تلك العقدة الغريبة التى كانت تطارد "بنت الشاطئ"، وحولتها إلى "مدمنة" لشراء الأقلام الفاخرة، ثم بسبب بيت من الشعر لشاعر مجهول شُفيت من هذا الإدمان، لكنها ظلت تحتفظ بأقلامها الفاخرة للذكرى دون أن تستخدمها؟
وكيف تحول النجاح الأسطورى لأغنية "أسمر ملك روحى" إلى "عقدة" لمطربتها سلطانة الطرب الست منيرة المهدية؟.. وكيف كادت أن تصبح بسببها "سلطانة" حقيقية فى إمارة عربية؟
الإجابات فى هذه الحكايات..
(1)
سر قلم إحسان "العجوز"
كان الصحفى الشاب إحسان عبد القدوس فى باريس يقضى إجازته، وتصادف أن كان هناك صديقه الأستاذ بشارة تقلا رئيس تحرير الأهرام، الذى أقنع إحسان بمرافقته فى زيارة سريعة لبلدة "شامونيكس" على أطراف باريس، وبالفعل انطلقت بهما السيارة فى الرابعة صباحا حتى يلحقا شروق الشمس فى تلك البلدة الساحرة، وبعد ساعة قطعتها السيارة فوجى تقلا باشا بصديقه الصحفى الشاب يصرخ كمن لدغه عقرب ويطلب منه أن يتوقف!
وفتش إحسان كل جيوبه بعصبية، وكان واضحا أنه يبحث عن شيء ثمين يفتقده، ولما بان له أنه لا أثر له، امتقع وجهه وتضاعف توتره، فسأله بشارة باشا:
- خير يا إحسان.. ضاع منك حاجة؟
وأجاب إحسان بتلقائية وبصوت مذعور:
- قلمى!.. قلمى ضاع!
- عامل كل الأزعرينة دى علشان قلم.. اتفضل يا سيدى آدى قلمى مكانه؟
- سامحنى يا باشا.. لازم أرجع الأوتيل حالا.. شكلى نسيته هناك!
- عايزنا نرجع كل المشوار ده علشان قلم؟
- ممكن تنزلنى هنا وأنا ح أتصرف.. ولو رجعت على رجلى.
ولم يترك له إحسان فرصة ونزل من السيارة، لكن الباشا أمام تصميمه الغريب استرضاه وأعاده إلى السيارة، وعادا من جديد إلى الفندق، ولم يصدق الباشا عينيه وإحسان يتقافز فرحا عندما عثر على قلمه، وراح يقبله ويحتضنه وكأنه عزيز عاد بعد غياب، ولولا أن الباشا يعرف صديقه الصحفى الشاب جيدا لظن أنه أصابته لوثة عقلية!
والذين يعرفون إحسان عبد القدوس عن قرب يدركون سر هذا القلم الذى لازمه طويلا، وكتب به أشهر مقالاته ورواياته ووقع به على عقد زواجه، وكان يتفاءل به ويحرص عليه كأنه تميمته المقدسة، وعاصر مسيرته ومعاركه، وكتب عنه: "هو دائما معى ينصرنى ويقوينى ويهبنى الثقة"..
فما هو سر قلم إحسان المفضل؟
هو قلم أهداه له أستاذه أمير الصحافة محمد التابعى، قلم من ماركة "واترمان"، أحمر اللون، مستهلك وقديم بعد أن استخدمه التابعى سنوات طويلة، لكن إحسان منذ أن تلقى الهدية سنة 1943 وهو فى مقتبل حياته الصحفية فإنه أحس بألفة غريبة مع القلم، وكما حكى بنفسه: كان قلما عجوزا، فإن التابعى لم يهدنى إياه إلا بعد أن أتعبه سنوات طوالا، وبرغم ذلك فما كدت أحتضنه بين أصابعى وأدور به راقصا فوق الورق حتى أحسست أنى وجدت نفسى التى كانت حائرة، ووجدت أسلوبى الذى كان ضائعا بين أساليب الكتاب الآخرين، وأحسست أنى قد أصبحت لهذا القلم، وأن هذا القلم أصبح لى.. كنت أتفاءل به وأثق به وأستريح إليه".
وبعد عشرة السنين فوجئ إحسان مرة بضياع قلمه العزيز، اختفى فجأة من فوق مكتبه، وبحث عنه فى كل مكان فلم يجده، وكاد يُجن، بل لا نبالغ أن إحسان أحس أن مستقبله الصحفى انتهى، فهو الذى حكى:
"أحسست أننى فقدت نفسى، بل مرت فترات خُيل إليّ فيها أنى لن أكتب بعد الآن، وأنى قد انتهيت، وكنت كلما أمسكت بقلم آخر لأكتب به، خُيّل إلىّ أنى أبوح بأسرارى لشخص غريب عنى لا أطمئن إليه، ورفضت أن أشترى قلما جديدا، فالأقلام – فى نظرى- كالزوجات الكاملات، لا يُشترين بالمال، بل يهبهن القدر لك ويضعهن فى طريقك".
وجرب إحسان أقلاما عدة لكنه أحس معها بالغربة وعدم الثقة، بما فيها هذا القلم "الباركر" الذهبى الذى أهداه له صديقه "إدجار باشا جلاد" صاحب جريدة "الزمان"، ولكن إحسان لم يتأقلم معه واحتفظ به كتذكار، وراح يجرب أقلاما غيره لكن حنينه إلى قلمه العزيز الضائع ظل يلح عليه بشدة، حتى أنه كان يدعو الله أن يرده إليه سالما سليما..
وتحققت المعجزة، وفجأة لمحه إحسان فى يد واحد من طلبة الصحافة الذين كانوا يترددون على مكتبه ليتلقوا دروسهم العملية الأولى فى المهنة، عرفه وتعرف عليه فورا، ورغم ذلك لم يشأ أن يجرح الطالب الذى أخذه من فوق مكتبه وتسبب له فى كل هذا العذاب، وبلطف شديد رجاه إحسان أن يهديه هذا القلم ويأخذ مكانه ما يختار من علبة الأقلام الفاخرة على مكتبه، وكانت فرحة إحسان لا توصف بعودة القلم الضائع، القلم نفسه الذى ظل يكتب به بحب ويعامله كصديق وكان يدعو الله من قلبه أن يبقيه له!
(2)
بنت الشاطئ وعقدة الأقلام "البوص"
المـفكــرة الإسـلامية والكـــاتبة الكبيـــرة د. عـائشـة عبد الرحمن، أو بنت الشاطئ كما اشتهرت، كان لها حكاية أخرى مع الأقلام لا تقل غرابة.
فقد ولدت ونشأت وعاشت سنواتها الأولى فى قرية بسيطة، وتلقت تعليمها الأولى فى "كُتّاب" القرية، حيث الأدوات المستخدمة فى تعلم آيات القرآن الكريم ومبادئ القراءة لا تزيد على لوح إردواز وأقلام من "البوص"، ولذلك ظلت الأقلام البدائية البسيطة المصنوعة من البوص والغاب هى ما تعرفه وتربت عليه..
وكانت صدمتها الحضارية الأولى عندما التحقت بالتعليم الإلزامى بالمدرسة الابتدائية بمدينة دمياط، وهناك وجدت أقلاما حديثة لم تعرفها من قبل، وتعرضت أقلامها البوص إلى سخرية لاذعة من زميلاتها بالمدرسة، ولذلك – وخجلا منها وهربا من السخرية – اضطرت لأن تدفن أقلامها العزيزة فى صندوق قديم كانت تضع به أشياءها القديمة المهملة على سطح المنزل..
ويبدو أن هذا الموقف أصابها بعقدة نفسية من الأقلام، فقررت أن تقتنى أغلى وأفخم أنواع الأقلام، فكانت تنفق كل مصروفها على شراء الأقلام الجديدة، وكتبت بنت الشاطئ عن تلك العقدة بصراحة شديدة:
"وشهدتنى أسواق المدينة – دمياط – حائرة متجولة أطوف بباعة الأدوات الكتابية سائلة عن جديد من الأقلام ليس عندى شبيه له.. وكلفتنى تلك الهواية شططا، فما كانت ميزانيتى المتواضعة – التى تقوم على عشرة مليمات فى اليوم – تعين على مثل هذا الذى سماه أهلى عبثا.. وما أكثر ما خرجت إلى المدرسة دون إفطار كى آخذ من أمى قرشا أدخره لشراء الأقلام، وما أكثر ما أديت لشقيقتى الكبرى بعض واجباتها المدرسية نظير تنازلها لى عن مصروفها اليومى، وما أكثر ما قطعت الطريق بين البيت والمدرسة جريا ووثبا كى أوفر دقائق أقضيها عند باعة الأقلام".
وظلت عقدة الأقلام الفاخرة تلازم بنت الشاطئ حتى بعد أن لمع نجمها كاتبة وأديبة، فلم تكن تكتب مقالاتها وخواطرها إلا بقلم أنيق جميل تختاره بعناية من بين مجموعتها المنتقاة الفاخرة.. إلى أن حدث التحول فى حياتها وزالت عقدتها بسبب بيت من الشعر لم تعرف قائله، ولكن معناه استوقفها وزلزلها وغيّر وجهة نظرها، وكان البيت فى وصف القلم ويقول مطلعه: لعاب الأفاعى القاتلات لعابه..
وتحكى بنت الشاطئ عن أثر البيت عليها:
"فأدركت أن القلم ليس هذه الأداة المادية المصنوعة من الغاب الرخيص أو الأبنوس الغالى، وإنما هو ذلك اللعاب الخطر الذى ينفثه، قاتلا كالسم أو حلوا كالشهد.. ومن ذلك الحين وأنا أكتب بقلم عادى، لا يعنينى منه مظهره المادى، أو قدره المادى، بقدر ما يعنينى ليونته فى الأنامل، وانسيابه على القرطاس (الورق)، وإن كنت مع ذلك أحتفظ ببقية من مجموعتى العزيزة، ذكرى صداقة قديمة وأثر من آثار الصبا الخلى".
(3)
"أسمر ملك" عقدة الست منيرة!
وكان لسلطانة الطرب منيرة المهدية عقدة أخرى عجيبة، اسمها "أسمر ملك روحي"، أغنيتها التى كسرت الدنيا وباعت عشرات الآلاف من الأسطوانات، وتجاوزت شهرتها الحدود.. من باريس إلى تركيا.
عندما غنت الست منيرة هذا الدور أمام الخديوى عباس حلمى الثانى، فإنه أغدق عليها عطاياه، وقال لها من فرط الإعجاب: لو كنتِ رجلا لأنعمت عليك برتبة الباشوية"، فداعبته الست منيرة: "أنا مستعدة أسترجل يا أفندينا"، فقهقه أفندينا وقال: "برضه ما ينفعش".. فقد كانت تلك الرتب لا تمنح إلا للرجال!
وفى تركيا غنت الست منيرة الدور أمام الزعيم التركى الشهير كمال أتاتورك، وتسلطنت وهى تعيد وتزيد فى ندائها لحبيبها الأسمر "يا حبيبى تعالى.. تعالى بالعجل"، فوقف أتاتورك يهنئها على أدائها وقال لها بجدية شديدة: أنا مستغرب من هذا الحبيب "البارد".. كيف يسمع منك هذا الدلال ولا يستجيب حتى لو كان ميتا؟
وتلقت دعوة للغناء أمام سلطان لحج، الإمارة البعيدة فى جزيرة العرب، وتصور السلطان أنها تقصده بهذا الأسمر الذى تدعوه بأن يأتى بالعجل، ووقع السلطان فى هوى السلطانة، وأصدر أمرا بأن يقتادوها إلى جناح الحريم، وعرض عليها أن تبقى عنده ويجعل منها سلطانة بحق وحقيقى ويغدق عليها من ثروته الطائلة، وأدركت منيرة أنها لن تفلت إلا بالحيلة، فأبدت ترحيبها بالعرض السلطانى الكريم، فقط طلبت أن يسمح لها بالخروج من جناح الحريم لتوديع فرقتها التى جاءت معها من القاهرة، وما أن خرجت حتى دبرت خطة للهرب من السلطان العاشق!
لكن حاكم تونس "الباى" كان أكثر تعقلا من سلطان لحج، فقط اكتفى بأن قال لها وهو يهنئها على الدور: لو كنت أنا حبيبك الأسمر لطرت فى الفضاء وألقيت نفسى تحت قدميك!
وحدث مرة أن دعت الست منيرة عددا من الوزراء إلى عوامتها، ولبى الجميع النداء، بمن فيهم رئيس الوزراء، وفوجئت الست منيرة أن مجلس الوزراء بأكمله فى عوامتها، ولما غنت "أسمر ملك روحى" استبدت النشوة بالوزراء ورئيسهم فراحوا يستعيدون منها الدور مرات ومرات حتى بانت تباشير الصباح.
عندها تذكر رئيس الوزراء أنه ووزراءه كان ينبغى أن يعقدوا جلسة فى الصباح بشأن أمر مهم يخص سلطان مصر وقتها (غالبا كان السلطان حسين كامل)، ونظرا لضيق الوقت، فقد عقد مجلس الوزراء اجتماعه فى عوامة الست منيرة، واتخذوا القرار المطلوب ورفعوه للسلطان!
كان هذا الدور سبب سعد الست منيرة وصنع منها أسطورة وحقق لها ثروة طائلة، فقد غنته فى فرح أحد الأمراء، فمنحها "صرة" من المال، فلما فتحتها وجدت فيها ألف جنيه من الذهب، وهى ثروة هائلة بحسابات هذه الأيام وتساوى الملايين.. ورغم ذلك أضاعت الست منيرة كل تلك الثروات وماتت فقيرة معدمة، لكنها لم تندم على إسرافها وكانت تقول بفخر: هو فيه فى الدنيا ألذ من البعزقة والفنجرة على مخاليق ربنا!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لا يبحث الجميع عن رقم أمريكي. بعض الخدمات الكندية ترفض الأرقام الأمريكية تحديداً وتطلب رقماً بكود منطقة كندي: 416 تورنتو،...
طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...