«الإمام البوصيرى».. صاحب البان والعلم

يوارى ثرى مصر أجساد 40 شريفاً على الأقل من آل البيت النبوى الأطهار، وهم فى روضاتهم ينتشرون فى مختلف الربوع،

 بالإضافة إلى عشرات المقامات والأضرحة للأولياء الصالحين، لذلك أطلق المصريون على بعض تلك المناطق "بقيع مصر"، سواء عند سفح جبل المقطم أو فى مدينة البهنسا أو غيرها من المناطق بجميع محافظات الجمهورية. "الإذاعة والتليفزيون" تعرض فى حلقات مسلسله سيرة كل ولى بصورة صحيحة ومعتدلة، دون تقصير أو إفراط، مع بيان أهم ما يتميز به.

لمسجد الإمام "البوصيرى" زوار يذهبون إليه خصيصًا، فإذا كان البعض يذهب إليه بعد زيارتهم لمسجد "أبوالعباس المرسى" الملاصق له والأشهر منه، إلا أن البعض الآخر يذهب لزيارة مسجده ومقامه تحديداً لنوال السكينة والرضا وراحة النفس فى رحابه الطاهرة، ولما لا وهو أشهر من أنشد فى حب الرسول صلى الله عليه وسلم؟ حتى أصبحت قصيدته المعروفة بـ "بردة البوصيرى" أشهر وأفضل ما قيل فى مدح سيد الخلق وخاتم الرسل سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام .

إنه الإمام "البوصيرى" الذى قال فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم: "مولاى صلى وسلم دائما أبدًا على حبيبك خير الخلق كلهم" فوصل بهذه الكلمات إلى عنان السماء، وأصبح خير المنشدين لخير خلق الله ورسول رب العالمين وتربع فى قلوب المحبين، هو "محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجى البوصيرى" الشهير بالإمام "محمد البوصيرى"، ولد فى بنى سويف بصعيد مصر وهو شاعر اشتهر بمدائحه النبوية وأشهر أعماله "الكواكب الدرية فى مدح خير البرية" التى عرفت باسم "البردة".

فى بداية حياته عمل موظفًا بالجباية "أى الضرائب" بمدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، إلا أنه تعرض للعديد من المضايقات فكره العمل وقرر تركه وسافر للقاهرة، والتقى فيها بالإمام "ابن عطاء الله السكندرى" ودار بينهما مناقشات كثيرة وعرف من خلالها أن ابن عطاء الله تلميذ الإمام القطب الصوفى "أبى العباس المرسى" ففضل البوصيرى الذهاب إلى الإسكندرية للتلمذة على يد أبى العباس المرسى مباشرة، وحينما ذهب إلى الإسكندرية بدأ حياة التصوف والزهد وتغيرت حياته تمامًا، حيث بدأ بمدح شيخه ومعلمه "أبى العباس المرسى" وأصبح أحد تلاميذه ومريديه، لكن الحال انتهى به إلى مدح سيد الخلق وخاتم الأنبياء.

كتب "البوصيرى" قصائد عديدة، لكن قصيدة البردة ظلت أحد أهم أعماله، واشتهرت القصيدة بالبردة لأنه عندما بدأ كتابتها كان يعانى شللًا نصفيًا، وكتبها لعلها تشفع له فيشفيه الله، ورأى الرسول عليه الصلاة والسلام يمسح بيديه على رأسه ثم يلقى عليه بردة، ليقوم البوصيرى صباح هذا اليوم سليمًا معافى فى بدنه، وتُعد قصيدة "الكواكب الدرية فى مدح خير البرية" المعروفة باسم "البردة" أهم أعماله، وقد شرحها الشيخ الأمهرى فى كتابه "مختصر الكواكب الدرية فى مدح خير البرية"، وهى قصيدة طويلة مكونة من ١٦٠ بيتًا، قال فيها: "لولا الهوى لم ترق دمعًا على طلل / ولا أرقت لذكر البان والعلم"، لكن يعد أشهر بيت فى قصيدة "البردة": "مولاى صلى وسلم دائما أبدا على حبيبك خير الخلق كلهم"، وقد ظلت هذه القصيدة على مر العصور مصدر إلهام للشعراء يحاولون وينهجون نهجها، مثل أمير الشعراء "أحمد شوقى" الذى كتب نهج البردة فى ١٩٠ بيتًا وقال فى مطلعها: "ريم على القاع بين البان والعلم / أحل سفك دمى فى الأشهر الحرم"، وكذلك فى لامية "عبد المولى البغدادى" التى جاءت أبياتها فى ٢٣١ بيتًا، ومطلعها: "يا خير مولى لعبد حائر السبل / مولاى عبدك بين اليأس والأمل".

عاش الإمام "محمد البوصيرى" فى الإسكندرية إلى أن توفى، وله فى المدينة مسجدا ومقاما ملاصقا لمسجد أبى العباس المرسى بحى الأنفوشى مطل على البحر مباشرة، يقصد مسجده الكثيرون طمعًا وحبًا فى جبر الله الذى يتمنونه فى هذه الرحاب الطاهرة، حيث عاش الرجل حتى رحيله منشدًا مادحًا لخير الخلق زاهدًا فى الدنيا، فقد عاش حياة التصوف وودع الحياة المتداعية بما فيها من ثراء وشهوات ومتع، متعنا الله ونفعنا بما تركه وألحقنا به على خير وجمعنا معه ومع الرسول الكريم.

 

 	أحمد الحضري

أحمد الحضري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد