إذا كان الجميع قد توافق على أن أقدم مكتبة حية إلى اليوم هى "خزانة القرويين" أعجوبة مدينة "فاس" المغربية،
والتى تأسست العام 859 ميلادية، ولا تزال تفتح أبوابها إلى اليوم، فإننا نكتشف يوماً بعد يوم أن أنشطة القراءة الملحوظة هذه الأيام بين الأجيال الجديدة، بسبب تفاعلات وعبر تقنيات "السوشيال ميديا" هى امتداد طبيعى للشغف المصرى القديم بالمعرفة وبالقراءة بوجه عام منذ آلاف السنين، وإذا كنا نريد أن نتحدث عن دولة مدنية حديثة فعلينا أن ندرك أن مصر ظلت طوال الوقت دولة حديثة فيها الكثير من مفاهيم الحداثة "المطمورة"، ومن أبرز مؤسسات هذه الحداثة كانت "المكتبات العامة"، التى لم تكن أمراً غريباً على ثقافتنا قبل نحو ألف عام، فقد تأسست أول مكتبة عامة فى تاريخ مصر على يد الحاكم بأمر الله عام 1005 ميلادية..
بعد عقود من التجهيل ونشر ثقافة الخرافة وتكريس فكرة الإيمان بالشعوذة كمرادف للدين، التى كانت أساساً فكرياً لتيار الإسلام السياسى فى مرحلة ما بعد انتصار أكتوبر 1973، يبدو أن على المصريين الآن أن يؤمنوا ـ كما كانوا يؤمنون فى كل المراحل المفصلية من تاريخهم الحديث ـ بأن القيمة الحقيقية لحضارتهم المصرية القديمة أنها كانت حضارة علم وإيمان عميقين تعلمت منه البشرية كلها، وأن ما ورثوه عن أجدادهم من قيم تؤمن بالعلم والعمل والإنتاج أكبر بكثير مما ورثوه من خرافات وشعوذات لا طائل من ورائها.
ولكى يقدِّر المصريون ما أنتجته حضارة أجدادهم وعلمته للبشرية من علوم ومبادئ وفنون وآداب وألعاب تفوق كثيراً ما أنتجوه من آثار معمارية خالدة مثل المعابد والتماثيل و"الأهرامات"، كان عليهم أن يقرأوا دائماً ما كتبه الغرب عن تلك الحضارة المصرية، بل وعن مراحل تاريخية عربية مختلفة من القرون الوسطى، كانت فيها أوروبا تعانى من ضلالات باتت تعرف باسم "عصور الظلام"، بينما فى هذا التوقيت قبل نحو ألف عام تقريباً، كان نشر المعرفة لا يزال يحظى باهتمام حكام ومسئولين فى بلادنا، وهذا بالتحديد ما لاحظته أعين كثير من الرحالة والمستشرقين الغربيين، ولهذا ليس غريباً إذن أن يكون الغرب قد سبق الجميع فى فهم وتقدير حياتنا العلمية والثقافية فى مدننا الشرقية، مثلما سبق الجميع فى تقدير قيمة نصوص بحجم وكثافة حكايات "ألف ليلة وليلة"، لقد انشغلت الثقافة الغربية بالحكايات والليالى العربية ـ قبل ثلاثة قرون تقريباً ـ من اهتمامنا نحن أبناء الثقافة التى أنتجت الليالى، اهتمامنا الذى تأخر كثيراً على الرغم من أنها تعتبر الآن من أهم مصادر القصص فى تاريخ الإنسانية وأقدمها وأكثرها جاذبية وخيالاً، بل وأكثرها تأثيراً فى الخيال الإنسانى على مر العصور.
ما أريد قوله هو أن ما تركه لنا عدد من الرحالة والمستشرقين الأجانب من الملاحظاتِ الثمينة التى تشير إلى حقائق غائبة عنا ومزايا لا نراها فى أنفسنا ولا نعتقدها فى ماضينا، تلك العيون الغريبة استطاعت أن تلتقط كثيراً من السمات الأصلية للعالم الشرقى من خلال تجوالهم فى الشرق عموماً وفى مصر على وجه التحديد، وليس غريباً أن يكتب واحد منهم أن "الشرق يبدأ من القاهرة"، بينما عرفها كثير من رحالة القرون الماضية باسم "القاهرة العظمى" نظراً إلى أنها كانت دائماً المدينة الأهم تجارياً وسياسياً وتكاد لا تنافسها مدينة عربية أخرى خلال قرون طويلة.
أحد هذه الكتب التى كشفت فيها عيون المستشرقين بعض سمات المدن الشرقية فى العصور الوسطى هو كتاب "القاهرة مدينة الفن والتجارة" للمستشرق الفرنسى جاستون فييت، والذى صدر لأول مرة بترجمة الدكتور مصطفى العبادى والذى صدر لأول مرة عام 1990 ضمن سلسلة كتاب أخبار اليوم بإشراف الكاتب الراحل جمال الغيطانى، والكتاب فى الأصل يحاول أن يتقصى بعض سمات المدن العربية الكبرى خصوصاً القاهرة، ملتقطاً من كتب القدماء وكتابات الرحالة الغربيين والمصادر التاريخية التقليدية والحوليات ما يعزز وجهة نظره، التى ترى أن بعض حواضر المدن العربية كانت وصلت إلى مرحلة متقدمة من الحضارة والتمدن فى الزمن القديم أى قبل ألف عام، وكانت القاهرة كمدينة للفن والتجارة هى دليله الأول فى هذا الكتاب.
يتأمل الكتاب عادات المصريين وطرائقهم فى الحياة والسلوك والبناء يتأمل "قاهرة الفاطميين" ثم "قاهرة صلاح الدين" فسلاطين المماليك واصفاً الشوارع والمنازل والأضرحة والأسواق والأعياد والأفراح والمنشآت المدنية والجبانات العظيمة وقصر السلطان وساحة القلعة، مشيراً فى كل ذلك إلى ملامح مدينة تختلف كلياً عن المدن القريبة منها، وأن أبرز سمات القاهرة القديمة هى التسامح الدينى بين المسلمين والأقباط، ومنها انتشار ثقافة التفاهم التجارى بين الناس لافتاً إلى وجود غرف للإيجار فى كثير من أحياء القاهرة القديمة، وإلى اشتراك كبار المسئولين الفاطميين فى احتفالات الأخوة الأقباط، رغبة فى إرضائهم كونهم يمثلون شريحة مهمة فى المجتمع، ونظراً إلى أن عدداً من الوظائف الإدارية والمالية كان يحتلها مسئولون أقباط.
«كورنيش المقطم»
يشير الكاتب إلى أن قاهرة العصور الوسطى كانت تتكون من أربعة مراكز متباينة أشد التباين: القاهرة ويقصد بها المدينة الفاطمية ذاتها، تحيط ببعض أجزائها الأسوار التى كانت تختفى يوماً بعد يوم وراء المبانى المتسلقة التى كانت تقام عليها ثم مصر القديمة فى موقع الفسطاط القديمة ثم بولاق، وكانت فيما سبق جزيرة ثم تحولت إلى جزء من القاهرة وميناء تجارى لها على النيل، وهناك أخيراً مدافن "القرافة" شمال القلعة وجنوبها ويمكن إضافة بعض الضواحى مثل "باب اللوق" و"باب زويلة" ومسجد ابن طولون".
يقول الكاتب إنه كان هناك دائماً ما يدعو إلى الإعجاب فعلاً بهذه العاصمة الضخمة، التى انتشرت فى شكل نصف قمر من ضريح الإمام الشافعى إلى مقابر الخلفاء، حيث كان الرحالة فى العصور الوسطى يصابون بالدهشة والذهول من روعة النظر الذى يمكن من خلاله رؤية القاهرة من أعلى جبل المقطم، وهو ما يحدث إلى اليوم حينما نشاهد القاهرة من كورنيش المقطم، وينقل عن أحد الرحالة قوله: "إنى لأذكر مرة من المرات العديدة التى جلست فيها أكثر من ربع ساعة على الصخرة خارج باب الحصن، فإن مشاهد القاهرة من مرتفع يعتبر من أمتع المناظر، ومصدر الإمتاع هو كثرة المآذن البيضاء، كل منها يتكون من ثلاثة أدوار أو أربعة من الشرفات، وتبدو هذه المآذن وكأنها مضفرة بالخضرة الجميلة، التى تتحلى بها أشجار النخيل الكثيرة التى تنمو فى حدائق المدينة، وهذا جميعه يخلق جواً من التناسق والتباين الخلاب يسر الناظرين".
طبعاً لا يخلو كتاب رحالة غربى من الإشارة إلى انتشار ثقافة التسامح الدينى فى مصر خلال القرون الماضية، مشيراً إلى أن الفاطميين لم يكونوا أول من كرم الأعياد المسيحية بحضورهم، مشيراً إلى أن أمراء الدولة الإخشيدية أبدوا اهتماماً بالأعياد المسيحية، ويورد مجتزأ للمسعودى يشير فيه إلى ذلك عام 941 ميلادية:
"لقد حضرت سنة 336 هجرية ليلة الغطاس بمصر، والإخشيد محمد بن طغج فى داره المعروفة بالمختارة فى الجزيرة "الروضة"... وقد حضر النيل فى تلك الليلة آلاف من الناس من المسلمين والنصارى، ومنهم فى الزوارق ومنهم فى الدور الدانية من النيل، ومنهم على الشطوط لا يتناكرون الحضور، ويحضرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس وآلات الذهب والفضة، والجواهر والملاهى والعزف والقصف وهى أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سروراً".
دار الحكمة
أجمل ما يمكن التقاطه من بين صفحات هذا الكتاب هو توقفه أمام مشهد سياسى أدى بالمسئولين فى الدولة الفاطمية إلى تأسيس أول مكتبة عامة فى مصر، حيث كان الهدف على ما يبدو هو نشر شىء من أفكار المذهب الشيعى الوليد ـ وقتها ـ فى مصر، وهو المذهب الذى ترك آثاراً قوية على وجدان المصريين لدرجة أن البعض بات يعتبر مصر شيعية الهوى وإن كانت سنية المذهب، والإضافة إلى جامع الأزهر الذى أسسه الفاطميون قبل أن يتحول إلى جامعة، أسسوا أيضاً مكتبة عامة فى القصر الكبير، وفى عهد واحد من أكثر الحكام الفاطميين إثارة للجدل فى التاريخ، وهو الحاكم بأمر الله (985 ـ 1021) ميلادية، الذى قد لا نعرف عنه اليوم سوى أنه منع أكل الملوخية وقلب مواعيد العمل من النهار إلى الليل، لكنه كان ـ وياللغرابة ـ أول من أسس مكتبة عامة للقراءة و"النسخ" فى مصر والعالم الإسلامى القديم.
يقول الكاتب الفرنسى بإعجاب إن هذه المكتبة التى تأسست عام 1005 ميلادية، كانت تتكون من أربعين غرفة مشتملة على عدد هائل من الكتب فى شتى فروع المعرفة، الأمر الذى يشير إلى إدارك الفاطميين ـ فى هذا الزمن المبكر ـ ضرورة طرح بذور الأفكار على الناس وترك الدارسين يصلون بالبحث إلى غايات قصوى، حيث لم يلجأوا إلى فرض أفكارهم على الناس، بل افتتاح مكتبة عامة يمارس فيها الطلاب والباحثون فنون البحث والتقصى والاطلاع واختيار طريق المعرفة المناسب.
يلجأ الكاتب الفرنسى إلى وصف تقى الدين المقريزى فى "المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار" المعروف بـ "خطط المقريزى"، ليوم افتتاح هذه المكتبة العامة:
"وفى يوم السبت ـ 10 جمادى الآخر سنة 395 هجرية، 24 مارس 1005 فتحت الدار الملقبة بدار الحكمة فى القاهرة، وجلس فيها الفقهاء، وحملت الكتب إليها من خزائن القصور، ودخل الناس إليها، ونسخ كل من التمس نسخ شىء مما فيها ما التمسه، وكذلك من رأى قراءة شىء مما فيها، وجلس فيها القراء والمنجمون وأصحاب النحو واللغة والأطباء، بعد أن فرشت هذه الدار وزخرفت وعلقت على جميع أبوابها وممراتها الستور، وأقيم قوام وخدام وفراشون وغيرهم وسموا بخدمتها، وحصل فى هذه الدار من خزائن أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله من الكتب التى أمر بحملها إليها من سائر العلوم والآداب والخطوط المنسوبة ما لم ير مثله مجتمعاً لأحد قط من الملوك، وأباح ذلك كله لسائر الناس على طبقاتهم، فمنهم من يحضر لقراءة الكتب ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والأقلام والورق والمحابر".
وعلى الرغم من أن هذا الوصف الدقيق لا يترك مجالاً لأى تكهنات، إلا أن الملحوظة الأبرز فى كلام مؤرخنا أننا أمام حالة مبكرة جداً بالوعى بضرورة وجود مكتبة عامة قبيل عصر الطباعة بكثير، بينما كانت طرق النسخ لا تزال يدوية حيث كان النسَّاخون يعيشون أزهى عصورهم، الأمر الذى يعكس تعطش المجال الثقافى العام فى مصر فى هذا الوقت المبكر إلى المعرفة، وهو التعطش نفسه الذى نعتبره امتداداً طبيعياً للثقافة المصرية القديمة التى أنتجت لنا تمثال "الكاتب المصرى"، أحد أشهر منحوتات مصر القديمة وأكثرها دلالة على الإيمان المصرى المطلق بالمعرفة العلمية المكتوبة، ومنها تمثال "الكاتب الجالس القرفصاء"، الذى يُزين متحف "اللوفر" الفرنسى، أحد أهم التماثيل التى تنتمى للفترة الملكية، خلال الفترة من 2325 حتى 2620 قبل الميلاد.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...
تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...
شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...
إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...