«الصيام».. الحوار الخفى بين الأديان (1-2)

العالم يصوم.. هذه هى الحقيقة المؤكدة فى التاريخ، فقد كتب الصيام الله على المسلمين وعلى غيرهم من الأمم، لذلك يمكننا اعتبار الصيام

 العبادة العابرة للحضارات.

 بالصيام تتحرر الأجساد وتتهذب النفس؛ ومن أبو البشرية آدم عليه السلام إلى اليوم، بدأ الصيام كعرف وكسنة وكفريضة من فوق سبع سماوات، ثم نزل على الأرض فاتبعه الأغلب الأعم من الشعوب.

 أول صيام كتب على البشر:

بحسب الإمام السيوطى فى كتابه "الوسائل فى معرفة الأوائل" حظى آدم أبو البشر بمنهجه الربانى على طريقة للتقرب إلى الله، فاتخذ من الصيام وسيلة لذلك، ولقد أوعز الرب إليه بذلك بعد تلقيه الكلمات؛ لكن بسبب اقترابه من الشجرة المحرمة وأكله هو وزوجه حواء التفاحة بوسوسة من إبليس، احتاج آدم للتوبة النصوح، حينها كان الصوم أقرب ما يستطع آدم وحواء فعله من أجل الحصول على ذلك، ولقد ظلا يفعلان هذا إظهارا لتوبتهما المستمرة من فعلهما الآثم بعد نزولهما من السماء إلى الأرض، وذلك بالرغم من توبة الله عليهما قبيل النزول.

لقد كان صوم آدم عليه السلام فى الجنة نوعا من التعبد، يفعله  كل ثلاثة أيام خلال الشهر الواحد، ليكون مجموع الأيام فى الصيام ٣٦ يوما سنوياً، ويذكر موقع الفكر والدعوة الإسلامية أن الأئمة والفقهاء أجمعوا على ذلك، واعتبروا أن أول من صام  كان آدم فى السماء، ليكون صيامه وسيلة للتقرب إلى الله ثم إلى التوبة  بعد ذلك، حيث كان يصوم بالتحديد فى كل شهر قمرى ابتداء من اليوم الثالث عشر إلى الخامس عشر إلى أن صام الرسول صلى الله عليه وسلم تلك الأيام كما هى، وبالتالى ظلت سنة على المسلمين من بعده.

كان سيدنا نوح عليه السلام، وهو أول الرسل على الأرض، يصوم كذلك وفقاً لما أخرجه الخطيب فى أماليه وابن عساكر عن أبى مسعود رضى الله عنهما، وقد قال ابن أبى حاتم عن الضحاك: "إن الصوم الأول على الأرض كان لنوح حتى صامه النبى"، وكان صيام نوح ثلاثة أيام من آذان الفجر حتى العشاء، وكانت تلك الأيام شكرا لله على نجاته ومن معه من الطوفان بعد جلاء أثره.

يذكر التاريخ صيام شعوب أخرى لم يأت إليهم نبى ولا رسول، مثل شعوب بلاد الرافدين، حيث وجد ذلك مكتوبا على ألواحهم المسمارية قبل ٥ آلاف سنة ق.م، وكذلك صام المصريون القدماء قبل 7 آلاف عام ق.م، وقد وجد هذا أيضا مكتوبا باللغة الهيروغليفية المقدسة على أوراق البردى المحفوظة فى المعابد المصرية القديمة، ولعل صيام المصرى القديم كان آنذاك تعبدا وتقربا للآلهة المختلفة، إما تقديسا وإجلالا لها أو خوفا من شرورها، وقد صام عدة أيام قبل الأعياد الدينية، وكذلك فعل باقى أهل الارض آنذاك تقربا أيضا من ملوكهم، وكانوا يعتقدون أن هؤلاء الملوك ظل الله على الأرض؛ وقد انقسم صيام المصرى القديم إلى قسمين، وهما "صيام الشعب" و"صيام الكهنة"، أما الصيام الأول فقد كان يستمر ٧٠ يوما يمتنع فيه الشعب فقط عن الشراب والطعام، إلا ما تنتجه الأرض من خضراوات؛ أما الصيام الثانى فقد كان للكهنة الذين كان عليهم الامتناع عن الطعام والشراب تماما، مع البعد عن جميع المحرمات والشهوات، وكان يمتد من الشروق إلى الغروب ويستمر نحو ٤٠ يوما، وهو قريب جدا مما يفعله المسلمون حتى اليوم فى صيامهم بشهر رمضان المعظم.

ويذكر أن اليونانى القديم عرف كذلك الصوم المسمى "تهسوفيريا"، فى حين عرفت المرأة اليونانية صوما خاصا بها سمى "يهوسوفيريا"، مع العلم أن اليونانى القديم كان يصوم دوما قبل انطلاقه للحرب رغبة منه فى إرضاء الآلهة وإحراز النصر؛ ويؤكد التاريخ أن الصوم لدى اليونانيين كان مهما جداً، بحيث نجد الطبيب أبقراط ابن الفيلسوف أقليدس فى القرن ٥ ق.م يقوم لأول مرة فى التاريخ بذكر الصوم كوسيلة علاجية، فقد رأى أن الصوم علاجا للأمراض المختلفة، ولذلك أوصى بتناول أنواع معينة من الغذاء للصوم، بجانب أداء بعض التمارين غير الشاقة مع استنشاق الهواء النقى للاستفادة من كل هذا بعيدا عن فكرة تناول الدواء.

هكذا ظلت الأمم والشعوب تمارس طقس الصوم لأسباب مختلفة، حتى انتشرت الديانات فأصبحت الأسوة بسيدنا آدم أسوة حسنة، وأصبح المتبعون لكل ديانة يصومون فيها على طريقة نبيهم، وإن ظل الصيام صياما يقوم به أهل الديانات السماوية والعقائد الأرضية.

 الصوم قبل ظهور الأديان

لقد اشتملت جميع الأديان وكل الشرائع المعروفة فى التاريخ على طقس الصيام، بل وطالب به كل من يدين بدين أو عقيدة معينة؛ ولعل من أقدم هذه العقائد التى مازال عدد كبير من الناس يدين بها الديانة الهندية البرهمية، وتحدث عن ذلك "باهان بهادر" الأستاذ بقسم الفلسفة بجامعة الهند الحكومية قائلاً: "إن الله قد شرع الصوم فى هذه العقيدة، وكان الهدف منه نفس الهدف فى كل الأديان الأخرى، وهو تزكية النفس، لذلك اعتنقته جميع الطوائف الهندية وخصصت أياما فيها يصوم المجتمع الهندى عن الطعام، مع السهر بالليل للتعبد وقراءة الكتاب المقدس، ولعل من أهم الأعياد الدينية التى تصوم بها كل الطوائف، عدا طائفة "وشنو"، هو صيام "ويكنته أيكاوشى" بجانب ما يعرف بـ (صيام النساء فقط) وهو (برت) أى العهد".

وقال المؤرخون إن الديانة المجوسية لها صيامها هى الأخرى، لكن لطبقة الرؤساء الدينيين فقط، وقد حث عليه كتابهم المقدس، ويعد صيامها من أقسى أنواع الصيام لكونه يطول إلى خمسة أعوام.

 الصوم قبل الإسلام

كان اليهود يصومون؛ أول الأمر مؤقتا، حيث عرفوا وقتئذ أن الله قد سخط عليهم وبالتالى قد خرجوا عن دائرة رضائه، وذلك بعد عبادتهم الصنم فى غياب موسى عليه السلام إتباعا لما قاله لهم السامرى، ونتيجة لذلك ربط اليهود باجتهاد منهم بين الصيام وبين بعض الأحداث التاريخية، ولعل منها أو أقواها التزامن بين الصيام وبين نزول موسى لسيناء للمرة الثانية ومعه الألواح التى كتبت عليها الشرائع بتكليف من الله ليكلف بها بدوره قومه، وهذا هو عيد "الكيبور" بمعنى الغفران، وبعيد عن هذا الارتباط، انقسم الصوم لدى اليهود إلى نوعين، الأول فردى يسمى "صوم الأسر" ويتسم بالدخول فى حالات من الحزن الشخصى لتكفير الفرد عن الخطيئة، أما الثانى فهو "الصوم الجماعى" وهو غير ثابت أو متعلق بأيام بعينها، وفيه يقوم  بعض اليهود بالصوم أثناء الحزن العام، مثل الصوم لجدب الماء أو رداءة المحصول أو الهزيمة فى الحروب أو غارات الجراد أو هبوب الريح وانتشار الأوبئة، ولدى اليهود صيام يسمى "الصمت"، وفيه يستفرد الشخص بنفسه ويستغرق فى الصمت من أجل التوبة عما اقترفت يداه، سواء عمدا أو عن غير عمد، وكان هذا ربما فى الأزمنة البعيدة، أو عند بعض حاخامات اليوم، أما حاليا فهناك الصيام "الأربعينى"، وهو الذى جاء مرتبطا بذكرى امتناع سيدنا موسى عن الطعام تماما، ويبدأ قبيل الغروب بربع الساعة إلى ما بعد غروب اليوم التالى.

وفى المسيحية تكثر آيات الصوم فى الكتاب المقدس، سواء فى العهد القديم أو العهد الجديد، ومنها ما ذكر فى سفر عزرا وسفر يهوديت وسفر الملوك الأول وسفر طوبيا وسفر المزامير، وكذلك ما ذكر فى العهد الجديد، فى إنجيل متى ومرقص، ولعل فى الكثرة هنا ما يؤكد أن الصوم قد كتب عليهم، وقد حث على الإقبال عليه بشكل أساسى، وقد قصد بالصوم الانقطاع لفترة معينة انقطاعا تاما عن الطعام، وقد يسمح للصائم فقط بتناول ما خلص منه الدسم واللحم والروح، ويهدف ذلك الصيام إلى التقشف والزهد وقمع الأهواء والبعد عن الخطية بكل أشكالها؛ وللحق فالقائمة تطول فى الصيام عند الدين المسيحى، منها صوم الأربعين المقدسة وأسبوع الآلام "الصوم الكبير" وصوم الأربعاء والجمعة من كل أسبوع، وكذا صيام الرسل، وبالطبع صيام عيد الميلاد المجيد، وصيام يونان وصيام الغطاس، وأخيرا صوم العذراء مريم عليها السلام، وهو الصوم الذى عرف اجتماعيا بمصر لأن بعض المسلمون يصومونه مع أخوتهم المسيحيين حبا فى سيدة نساء العالمين.

 رمضان فى الجاهلية

شهر رمضان كان موجوداً قبل الإسلام فى الجاهلية، وقد أسماه العرب عدة أسماء، منها "تاتل" وتعنى الشخص الذى يغترف الماء من بئر أو عين ماء، و"زاهر" وتعنى ظهور الهلال الذى كان متوافقا مع ازدهار النباتات والزهور، وتلك علامة مهمة جدا فى البادية آنذاك؛ ومن ضمن الأسماء الأخرى "ناتق" تعنى أن الشهر الفضيل ينتقهم بمعنى يزعجهم بشدة حره، وقيل أيضا أن كثرة الأموال التى كانت تتدفق على العرب بهذا الشهر أعطته اسم "ناطل"، فقد جاء فى معنى "النطل" إنه رفع نقيع الزبيب بعد أسلافه فى اللبن أو الخمر أو النبيذ؛ لكننا إن تتبعنا التسمية فى كتب اللغة سنجد أنه فى المرحلة الثانية من العصر الجاهلى، وهى مرحلة العرب المستعربة، قد استقر رمضان باسمه الحالى "رمضان" وجاء هذا نتيجة الرمض أى شدة الحر به، وهو مأخوذ أيضا من الرمضاء أى النار المستعرة.

يرى الجوهرى صاحب الصحاح أن العرب المستعربة حينما انتقوا أسماء الشهور أخرجوها من لغة العرب العاربة، كعاد وثمود وغيرهم، فأسموا الشهور بأحوال الأزمنة والأحداث والطقس، وعلى أية حال فإن الكاتب "خليل عبد الكريم" ذكر فى كتابه "جذور التاريخ للشريعة الإسلامية" أن العرب فى الجاهلية كانوا يقدسون شهر رمضان رغم انزعاجهم من طقسه، فهو لديهم ليس مثله شهر آخر فى السنة، وكانوا يستقبلونه استقبالا خاصا، ويحرمون فيه القتال والمشاحنات تماما كما فى الأشهر الحرم.

 الفرق بين الصوم والصيام:

جميع الآيات التى ذكر بها الصيام كان المعنى هو الإمساك عن المفطرات مع النية على ذلك، وقد جاء التعبير عن هذا كله بلفظ الصيام لا بلفظ الصوم الذى لم يرد بالقرآن الكريم إلا مرة واحدة وكان فى سياق آخر، حيث جاء بمعنى الصمت، وهو الإمساك عن الكلام لقوله تعالى: "فكلى واشربى وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولى إنى نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا"؛ وبناء على هذا الاستخدام القرآنى لمفردة الصيام، نعرفه فى سبع آيات من كتاب الله العزيز، مقابل آية واحدة ذكر فيها الصوم، كان علامة على عدم الكلام؛ فهناك من قال بأن الصوم مختلف عن الصيام، وذلك للتفرقة جذريا بين اللفظين، ولعل أصحاب هذا القول لا يلتفتون إلى أن عددا من الأحاديث النبوية وحديث الصحابة ومن تبعهم من الأئمة فى الدين واللغة إنما استخدموا كل من اللفظين بمعنى واحد، هو صيام شهر رمضان أو صيام السنن الواردة فى السنة المطهرة، وأن ذلك مر عليه آلاف التابعين الصالحين الذين أكدوه، وربما كانت تلك الأقوال وهذا التضارب هو حجة لمعرفة أصل كلمة "صوم" التى اشتق منها الصيام فى المعاجم العربية، وقد وجدنا الكلمة تدل على الإمساك والركود والسكون، فيقال الشىء سكن أى صام عن الحركة، وقيل صام النهار إذا دومت الشمس فى كبد السماء، أى أن الشمس تدور ولا تبرح مكانها أثناء الدوران، وفى مقياس اللغة لابن فارس أن لكل من حروف الصاد والواو والميم أصل يدل على الإمساك، فقيل يصوم صائم أى يمسك عن طعامه ومشربه، أما فى قوله تعالى "إنى نذرت للرحمن صوما" فمعناه هنا تبعا لبقية السياق السكوت عن الكلام، ولعل هذا ما يؤكده "راغب الأصفهانى" فى كتابه "من المفردات فى غريب القرآن" أن الصوم أصلا يعنى الإمساك عن المشرب والمأكل والمشى والكلام، لذلك قيل عن الفرس الممسك عن السير وتناول العلف صائم؛ وبهذا نعرف أن الصوم إذا قصد به الإنسان فيعنى الإمساك عن الأكل والشرب واللغو والرفث، فإن سبك أحد أو جهل عليك فلتقل "إنى صائم.. إنى صائم".

 وللحديث بقية

 	إيمان عبد الكريم

إيمان عبد الكريم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

مزايا استخدام الشريحة الإلكترونية (eSIM) أثناء السفر

مع التطور السريع في عالم التكنولوجيا، أصبحت تجربة السفر أكثر سهولة وراحة بفضل الابتكارات الرقمية التي تهدف إلى تبسيط حياة...

قصة مصورة - «الورد » هلت أنواره

بدأ الربيع بعواصف تراب ومطر، وانتهى بعد البروق والرعود إلى سماء صافية ومناخ نقى النسمات وشمس لينة تطبطب على الناس...

أحمد شوقى أمير الشعراء.. صورة إنسانية بعيدا عن المثالية الزائفة

قصة أول بيتين شعريين كتبهما فى حياته القصيدة التى وضعته على طريق الشهرة والعبقرية الخديوى إسماعيل عالج عينه بإلقاء قطع...

اعتبره الفلاسفة والشعراء منافسا جديرا للألم الجوع.. بطل المآسى

خاف الإنسان طول الزمان من شبح المجاعة أو ما سمى نفسيا «عقدة المجاعة » بعد أن وجد الجوع شبحا لا...