المعركة المجهولة بين الأقباط والعقاد حـول كتابه «عبقرية المسيح»

مفاجأة ليست فى الحسبان يفجرها لنا روبير الفارس عن كتاب "عبقرية المسيح" للعقاد، الذى كنا نحسبه تحية مقدرة من الأقباط من

 كاتب الكبير لنبيهم ورسولهم عيسى عليه السلام، فإذا بأديبنا وباحثنا الشاب يكشف لنا بالوثائق التاريخية عن معركة مجهولة حول الكتاب وكاتبه، وصفها روبير بالساخنة، رغم أن أحدا لم يشعر بها لاقتصارها على الصحف القبطية، فلم ينتقل صداها للصحف اليومية أو الأدبية الشهيرة، فضلا عن امتناع العقاد نفسه عن الرد حول ما أثاره الأقباط فى صحفهم من نقد ورد حول كتابه، مكتفيا بالإشارة والتلميح دون التصريح فى ردود مجملة فى الطبعة الثانية من كتابه الذى جعل عنوانه "حياة المسيح وكشوف العصر الحديث"، استجابة للنقد القبطى المعترض على تعامل العقاد مع المسيح كشخص عبقرى مما يتنافى بالكلية مع المفهوم المسيحى، وهو المفهوم الذى اعترض فيه المسلمون أيضا على "عبقرية محمد" عليه السلام، باعتبار أن الأنبياء مرسلون بالوحى الإلهى، فلا عبقرية هنا لبشر، ورغم تغيير العقاد لعنوان كتابه عن المسيح إلا أن خصوم العقاد اتهموه بأنه إنما فعل ذلك بحثا عن المال، مع أن بعض المتشددين اتهموا العقاد نفسه بأنه اعتنق المسيحية سرا!

رد العقاد على هؤلاء المتشددين قائلا:

"ولا نعلم أن منهجنا فى الكتابة عن السيد المسيح قد لقى من أحد استنكارا يحسبه الكاتب أو القارئ فى حساب النقد المفهوم، وكل ما هنالك أن بعضهم ظن أن التأليف عن السيد المسيح أن ندين بالمسيحية، ولم يقل أحد أننا إذا كتبنا عن "برهما" وجب أن نكون برهميين، أو كتبنا عن أديان الأمم وجب أن ننتقل فيها من دين إلى دين، ولو وجب ذلك على باحث لما كتبت تواريخ الأديان ولا تواريخ الدعاة إليها ممن يتفقون فى الملة الواحدة أو لا يتفقون، بل لو وجب ذلك لما كتب عن الشرق إلا المشارقة، ولا كتب عن أوروبا إلا الأوروبيون، ولا كتب عن الماضى إلا من كان فيه، ولا عن المستقبل إلا مولود من بنيه"، ويؤكد العقاد أنه لا يكتب لحساب أحد: "إلا القراء الذين يقرأون ما يوافقهم وما خالفهم، ولا يرضيهم من الكاتب أن يعطيهم نسخة مكررة مما فى ضمائرهم وخواطرهم".

والمفارقة أن د. نظمى لوقا عندما كتب سلسلة كتبه عن رسول الإسلام ظن كثير من المسلمين أن الدكتور لوقا قد اعتنق الإسلام سرا لروعة ما كتب عن الرسول من دفاع.

ولا أدرى لماذا اعتبر بعض النقاد ما كتبه العقاد ولوقا نوعا من التلفيق العقدى يشبه بيت العائلة وجلسات حوار الأديان وتقبيل اللحى، وليس نوعا من التسامح الفكرى "رغبة فى عيش مشترك سعيد وهنئ بين المختلفين دينيا".

ولا أدرى أيضا لماذا سعى المؤلف لمقدمة من آخرين لأبحاثه التى تعلن عن نفسها بقوة لبكارتها وجدتها ؟، فما هى إلا مزاحمة لمجهوده، لا تضيف شيئا له، خاصة إذا كان صاحب التقديم يناقض نفسه كما فى هذا الكتاب "عبقرية المسيح..المعركة المجهولة بين الأقباط والعقاد.. وثائق تاريخية" الصادر عن دار روافــــد – فـــالـــدكتــور أبـــواليزيد الشـرقـــاوى يتهم العقاد بأن معين النقد والشاعرية عنده قد نضب وجف ومن ثم تحول إلى كاتب إسلامى، مبررا انتشار كتبه عن العبقريات إلى ضعف المحتوى العقلى والفكرى والتأملى- لا يا شيخ – وهو بذلك يتهم القراء وذكاءهم، ثم يناقض نفسه حين يقول :"وأقوى عبقريات العقاد على الإطلاق – على غير ما نتوقع – هى "عبقرية المسيح"، فقد تجلت فيها ثقافة العقاد وموسوعيته وإحاطته الهائلة بموضوعه"، فكيف تتجلى ثقافة العقاد وموسوعيته حين يكتب عن السيد المسيح، ثم يخيب ويضعف المحتوى العقلى والفكرى والتأملى فى عبقرياته الإسلامية - هل هذا معقول؟، أتمنى على الزميل روبير الفارس أن يحذف هذه المقدمة فى طبعته الثانية لأنها تضعف كتابه، فلا حاجة به لمقدمات، فهو ببحوثه الرصينة يقدم نفسه إلى القارئ، وهى نصيحة توفيق الحكيم لى حين ذهبت إليه أطلب منه كتابة مقدمة لأولى كتبى، فقال لى: "ما تكتبه هو الذى يقدمك، فإن أحسنت أقبل عليك القارئ"، وضرب لى مثلا بنفسه حينما رفض أن يقدمه طه حسين فى أول كتبه "أهل الكهف"، وقدم نفسه بنفسه إلى القارئ.

وكتاب روبير بكشفه الجديد عن معركة قبطية مع العقاد، هو خير تقديم لنفسه وبحثه، لأنه يقدم فى هذا الكتاب جانبا مجهولا تسبب فيه إصدار العقاد لكتاب "عبقرية المسيح" حيث جرت معركة تعددت أطرافها ومراميها، الأمر الذى يقدم حلقة مفقودة فى تاريخنا الفكرى من ناحية، ومن ناحية أخرى هو نوع من المكاشفة بما هو باطن وخفى عن العيون، لعلنا نستفيد بقراءة أوراق هذه المعركة، وذلك للتعامل بما يناسب العصر من إعلاء قيمة الاختلاف وأهمية قبوله كمحور أساسى، إذا كنا صادقين وراغبين بالفعل فى تحديد الخطاب والفكر الدينى على أساس سليم كما يؤكد روبير نفسه.

يقول العقاد فى "عبقرية المسيح" : " لم يشهد التاريخ قبل السيد المسيح رسولا رفع الضمير الإنسانى كما رفعه، ورد إليه العقيدة كلها كما ردها إليه، فقد جعله كفوا للعالم بأسره، بل يزيد عليه، لأن من ربح العالم وفقد ضميره فهو مغبون فى هذه الصفقة الخاسرة، وماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه.. فجانب الضمير هو الجانب الذى توجهت إليه رسالة السيد المسيح".

وقد قوبل كتاب العقاد بالنقد والهجوم - الراقى– من الطوائف المسيحية الثلاث - رغم تقديرهم لحسن نواياه – فقد كانت لهم مواقفهم إزاء الكتاب، فعن "الأرثوذكس" هناك هجوم القمص سرجيوس خطيب ثورة 1919 كما جاء فى مجلة "المنارة المصرية"، وقد وضعته ثورة يوليو تحت الإقامة الجبرية بعد أن أدركت خطر شعبيته، وأوقفت طبع "المنارة" بعد صدور عدد 24 يناير1953 الذى صادف نشر هجوم القمص سرجيوس على عبقرية العقاد، وعلى مدار صفحتين الأولى والثانية أكد أن الكتاب زلة للأستاذ العقاد، وأنه يبحث عن الرواج والمكسب المادى بعد نجاح كتابه "عبقرية عمر"، ثم أبرز رفض المسيحيين لوصف المسيح بالعبقرية، وختم المقال برصد عدد من أقوال فلاسفة ومفكرين عن شخصية المسيح.

يقول القمص سرجيوس: "إن الذى يؤاخذ عليه الأستاذ العقاد أنه يشيد ويسجل بنفسه أن عبقرية المسيح العالية معدومة النظير فى تواريخ الأزمان قاطبة، وأن معجزة حياته لهى المعجزة التاريخية، وأن ما قام به من فتوحات العالم وغزوات الممالك بالكلمة لا نظير له فى حياة الجبابرة والعباقرة والعظماء، ثم يظل متمسكا بوصفه للمسيح أنه عبقرى كواحد من أفراد البشر الذين يوصفون بالعبقرية".

أما مجلة "المشرق" الكاثوليكية فنشرت تعليقا على كتاب العقاد رفضت فيه أيضا وصف العقاد للسيد المسيح بالعبقرية، وأضافت:"ويظهر أن المؤلف اكتفى بقراءة بعض كتب باللغة الإنجليزية لبعض الكتاب من العقليين الغربيين، وأخذ بعض أفكار منها دون معرفة قيمتها العلمية التاريخية الحقيقية، ودون معرفة بعض الألفاظ والأسماء التى وردت فيها".

 أما الطائفة الإنجيلية فقد صدر من أحد المنتمين إليها كتيب من الحجم الصغير بعنوان "ما أغفله عبقرية المسيح" لمؤلف رمز لنفسه ب "و ج..الشاهد لحق المسيح"، وقد توصل روبير الفارس إلى اسمه الحقيقى، وهو "خادم الرب ولسلى جورجى"، والذى كتب قائلا : "لا نطالب ولا ننتظر من الجميع أن يقولوا قولنا ويؤمنوا إيماننا، لأن الإيمان وإن كان مقدما من الله للجميع إلا أنه ليس مقبولا من الجميع، ولذلك لم يكن مستغربا عندنا أن يكتب إنسان لا يدين بدين المسيح ما لا يستسيغه ولا يرضاه أى مسيحى، فإن كتاب "عبقرية المسيح" إن دل على شىء فهو يدل على عبقرية كاتبه لا على عبقرية المسيح - وما أحوجه إلى دراسة المسيح من جديد، ولا شك أنه إن فعل عن إخلاص فسيرى غير ما رأى  ويحكم بغير ما حكم، ويكتب غير ما كتب".

 وكان جوهر الاعتراض على العقاد قوله بأن حياة المسيح انتهت على وجه غير معروف وغير محقق – متجنبا بذلك الدخول إلى نقاط الخلاف العقدية، لأنه لم يقصد إلى مناقشة المختلف عليه، بقدر ما قصد إلى تحية السيد المسيح الذى نؤمن به كمسلمين، وقد وضعه القرآن الكريم وأمه السيدة مريم فى أرفع منزلة وأعلى مكانة.

لقد أراد روبير الفارس بكتابه القيم أن يبرز أهمية قيمة الاختلاف، مع الاحتفاظ بالاختلاف والاحترام معا.

 	إبراهيم عبد العزيز

إبراهيم عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

الإفرازات: متى تكون طبيعية ومتى تستدعي القلق؟

"هل هذا طبيعي؟" – هذا السؤال الذي تهمسه كل امرأة لنفسها مرة واحدة على الأقل في حياتها، غالبًا بعد ملاحظة...

لعشاق الطبيعة والهدوء: أماكن في كندا ستجعلك تشعر أنك في كوكب آخر

السفر في جوهره هو الفرصة الأثمن لاستعادة ذاتك التي استنزفها ضجيج الحياة اليومية، ومنصة فلاي إن صُممت لتكون رفيقك الموثوق...

أفضل برنامج محاسبي سعودي للشركات المتوسطة معتمد من الزكاة والدخل

مع تعاظم الحاجة للتحول الرقمي في إدارة الأعمال بالسعودية، أصبح اختيار نظام محاسبي سحابي متكامل (ERP) مسألة حيوية للشركات المتوسطة....

قصة مصورة - اللهم إنى نائم

لا يستطيع الرجل أن يترك صلاة الفجر، يتسحر ويخرج فوراً إلى المسجد، ليعيش الأجواء الروحانية لبداية يوم رمضاني جديد من...


مقالات

المسحراتي.. شخصية تراثية صنعها رمضان
  • الإثنين، 09 مارس 2026 06:00 م
وماذا بعد؟!
  • الإثنين، 09 مارس 2026 01:00 م
بيت السناري
  • الإثنين، 09 مارس 2026 09:00 ص
رمضـان زمـان
  • الأحد، 08 مارس 2026 06:00 م
سواقي مجرى العيون
  • الأحد، 08 مارس 2026 09:00 ص