من فرط محبته للمدينة التى شهدت ميلاده "الدرامى"، وللشاطئ الذى تفتحت عيونه على أمواجه، فإنك تجد "رأس البر" حاضرة دوما فى
كتابات صبرى موسى، بل إنه نفسه بذل جهدا خاصا ومخلصا فى تتبع سيرة هذا المصيف الذى كان يقضى به - طوال مرحلة طفولته وصباه - خمسة شهور كل سنة، ولا تزال دراسته عن تاريخ مصيف رأس البر وتطوره مرجعا أساسيا لما تتصف به من دقة فى المعلومات وبلاغة فى العرض.
(1)
من كتابات صبرى موسى عن نشأة مدينته الأم ننقل مثلا:
"هى مثلث من الرمال قاعدته صحراء النخيل الممتدة إلى دمياط، وضلعه الأيمن يصنعه النيل، وضلعه الأيسر يصنعه البحر المالح.. ومن البحر كان الصيادون القدامى يلمحون الرمال الداخلة فى الماء كأنها رأس يمدها البر لاستقبال مراكبهم العائدة من الصيد مرهقة متعبة..فأسموها رأس البر .. وكان المثلث خاليا إلا من تلال الرمال الذهبية المتوهجة، فجعلوه محطة صيد ينطلقون منها بمراكبهم، ويعودون إليها بالصيد الوفير، فينشرون شباكهم على الرمال ويستريحون".
ويكتب عن الخبير الألمانى الذى استقدمته الحكومة المصرية لمقاومة الكوليرا عام 1882، وكان رأس البر من بين الأماكن التى زارها خلال وجوده فى مصر، فسحره جمال الطبيعة البكر، و.." أعلن بعد عودته أن هذا المكان النادر فى شرق الدلتا الشمالى قد يصبح يوما ملك المصايف وأعظمها فى العالم لو اعتنت به الحكومة".
ويكتب عن ذكريات طفولته البعيدة السعيدة فى رأس البر المنقوشة بتفاصيلها على جدران ذاكرته: "العشش المقامة على أعمدة من الخشب مكسوة بالقش والبوص، وعشرات من السقايين يحملون قِرب الماء إلى الأزيار الفخارية التى كانت وسيلة الشرب الوحيدة.. وعمال الإضاءة ساعة الغروب يقطعون طرقات المصيف الرملية جريا وهم يلهثون، يشعلون الكلوبات بالجاز داخل العشش، وعمال المجارى يحفرون الرمل خلف العشش.. ومئات الباشوات والباكوات يسيرون حفاة على الرمل الذهبى بالجلاليب البيضاء.. وزيارة الملكة والأميرات التى لم تكن تستغرق أسبوعين تسبقها احتفالات واستعدادات تستمر شهرين، وتلك الخيام الملونة والسور الوهمى الذى يحيط بعشش اليهود والخواجات ومعسكراتهم وفنادقهم، التى كانت تحتكر الراحة والمتعة فى المصيف الصغير الشديد الخصوصية".
إن كل ما عاشه صبرى موسى فى دمياط ورأس البر ظل محفورا فى وجدانه لا يبارحه، وظلت لديه قدرة دائمة على أن يستعيده بتفاصيله الدقيقة وكأنه يحكى عن مشهد سينمائى من تلك المشاهد التى كان يتقن كتابتها وكانت له مدرسته الخاصة فى صياغتها إنه مثلا بعد أن غادر دمياط بسنوات طويلة، وبعد أن غادر الصبا بأعوام مديدة، وحين كان فى متحف اللوفر فى قلب العاصمة الفرنسية باريس، فإنه يجد نفسه يرتد فجأة إلى زمن الصبا البعيد فى دمياط حين يلمح من شباك الطابق الثانى من اللوفر "مجموعة تزيد على العشرة من الرجال الناضجين المحترمين فى المظهر والملبس يتصايحون بمرح وهو يدحرجون - فى أرض خلاء خلف المتحف - كرة الحديد إياها إلى "البيكو" ويتجادلون باهتمام شديد حول من يكسب الدور".
إنها عينها لعبة "البيكو" التى كان يداوم على ممارستها فى سنوات صباه فى دمياط، وتلقى تقريعا شديدا من والده بسببها.. كانت ذكريات الصبا ساخنة وهو يستعيدها بدقة مدهشة:
"أذكر مرة وأنا فى الثالثة عشرة من العمر، عوقبت عقابا سخيفا بالتأنيب والتوبيخ، لأن أبى ضبطنى ألعب "البيكو" على رصيف مترب فى الطريق من المدرسة إلى بيتنا، لأن البيكو ثقب فى الأرض ندحرج إليه على التراب كرة ثقيلة صغيرة من الحديد، حتى نسقطها فيه ونكسب الدور، ومن العار على من كان تلميذا شحطا مثلى – كما قرر أبى وقتها – أن يلعب فى التراب مثل الأطفال!".
وكانت فرحة صبرى موسى طفولية عارمة عندما اكتشف أن لعبة صباه المحببة قد جاءت إلى مصر مع عساكر الحملة الفرنسية، وأنهم كانوا يتسلون بها فى أوقات فراغهم على تراب مئات القرى والمدن المصرية التى عسكروا فيها، فنقلها عنهم أطفال المصريين، ومارسوها بشغف وإتقان، وتضاعفت فرحته عندما وجد فرنسيين محترمين يمارسونها فى باريس بلا خجل، وكتب حينها بسخرية بليغة:
"ولاعبو البيكو يحققون ولا شك متعة أكبر وفائدة نفسية أكبر، لأن اللعب تحت السماء المفتوحة أكثر صحة للنفس وللبدن من اللعب فى الأماكن المغلقة، وهكذا تأكد لى أن أبى لم يكن على حق حين وبخنى على هذه اللعبة فى سن الثالثة عشرة، فقد جعلنى أشعر بالحرج لأننى أنمو، ولأن النمو يتعارض مع مثل هذا النوع من اللعب، فكبلنى بأغلال من الوقار المصطنع، أشعر الآن أن ملايين من الموظفين مثلى مكبلون بها، وقار غير طبيعى جعلنا نفضل الطاولة والكوتشينة التى تسم البدن فى مقاهى المراكز والمدن".
ذكريات الطفولة "السعيدة" ظلت حاضرة دوما فى حكايات صبرى موسى وقصصه وملهمة له فى إبداعه، وهو ما يمكن أن تستشفه بيسر فى قصة مثل "جغرافيا"، التى تدور حول تلميذ يتعرض لاضطهاد من مدرس الجغرافيا، فيتعمد إحراجه أمام زملائه ويلاحقه بالسخرية من مستواه ويتوعده بالرسوب، ويكتشف التلميذ أن هذا الاضطهاد سببه أنه لم ينضم لزملائه فى مجموعة الدروس الخصوصية التى يحظى أفرادها بالحصول على الامتحان قبل انعقاده، ويلجأ التلميذ إلى حيلة ماكرة بأن يحصل عى نسخة من الامتحان السرى من صديق له فى الفصل، ويزداد غيظ المدرس عندما ينجح تلميذه رغم الاضطهاد والحصار، وحتى لا يُعرض التلميذ صديقه لاضطهاد المدرس القاسى فإنه يلجأ إلى حيلة لا تخطر على البال، فيوقع ابنة المدرس فى غرامه، فكانت تأتى له بورقة الامتحان حتى قبل أن يوزعها والدها على تلاميذه المرضى عنهم!
(2)
فشلت تجربة إنشاء أول مسرح فى دمياط، كل الظروف تحالفت ضدها وقررت وأدها، ولكن صبرى الصبى الحالم لم يتوقف عن الحلم.. كل الشواهد كانت تؤكد له أن الفن هو قدره المحتوم.
وبعد أن تخطى المراحل الدراسية فى مدارس دمياط من الابتدائية إلى التوجيهية، قرر أن يدرس الرسم، بعدما وجد فى نفسه ولعا بالرسم والتصوير، وبعد عامين فى كلية الفنون الجميلة عاد إلى دمياط ليعمل مدرسا للرسم.
وفى أوراقه يحكى عن تلك التجربة:
"فى بداية حياتى العملية اشتغلت مدرسا للرسم، وكنت قد بدأت أمارس التصوير والزخرفة كحرفة أكتسب منها عيشي".
لكن طموح الصبى الحالم كان أكبر من مجرد مدرس رسم، ففى داخله كانت هناك بذرة تنمو وتكبر وتوشك على أن تخترق التربة لتعلن عن ميلادها.
إنها الكتابة، الموهبة الكامنة التى بدأت تعلن عن نفسها فى شكل محاولات لكتابة القصص القصيرة، ولم يكن عمره يزيد على عشر سنوات عندما كتب أول قصة فى حياته، وتعددت المحاولات وتطورت ونضجت سريعا مما شجّع صاحبها على أن يرسل قصصه للنشر فى المجلات والدوريات ذائعة الصيت بالقاهرة كان من بينها "قصص للجميع" و"التحرير" و"الرسالة الجديدة".. وكان القائمون على أمر النشر فى تلك الدوريات ينشرون ما يصلهم من قصص الأديب الدمياطى "صبرى محمد موسى" – كما كان يوقع باسمه الثلاثى حينها – ولم يخطر ببالهم أن كاتبها مجرد صبى لم يبلغ السادسة عشرة من عمره، وإن كانت موهبته تسبق عمره وتسطع قبل الآوان.
إلى أن كان ذلك الموقف الدرامى الذى جمع بينه وبين الشاعر الكبير كامل الشناوى.. وتغير بعده مصير صبرى موسى!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...
ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...
يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...
ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...