كأن "جنية" أخرجته من قاع بحيرة المنزلة، ورمته على الشط لتلتقط آذانه أغانى الصيادين، وتختلط ملوحة البحر، بطين الأرض، فتتشكل عجينة
سمراء مخبوزة بشمس الدلتا الحانية. حمل على عاتقه مهمة العودة إلى الجذور، وسط هجمة التغريب التى أصابت المجتمع فى هذه الفترة، هذه المهمة غير المسبوقة، استطاع من خلالها "السندباد المصرى" أن يجوب مصر من شرقها إلى غربها لينفض التراب عن كنوزها، من الأصوات الأصيلة، والمواويل والأغانى الشعبية، إنه "زكريا الحجاوى"، الذى رحل عن عالمنا فى 7 ديسمبر 1975، وتوافق هذه الأيام ذكرى رحيله السابعة والأربعين، وسيظل اسمه علامة فارقة فى تاريخ الفن الشعبى فى مصر، فهو لم يسبقه أحد فى ريادته هذه.
لخص "الحجاوى" تجربته الفريدة فى أوراقه قائلا: "الفلكلور باختصار ومن غير عياقة، هو الفن الشعبى، وهذه الكلمة بكل مادتها ومدلولاتها، هى موضع اهتمام أربعة صحفيين، دفع بهم حماسهم للفن الشعبى أن ينشئوا مجلة، وهم: رشدى صالح، أحمد الخطيب المحامى، حسن فؤاد رسام الكاريكاتير، العبد لله زكريا الحجاوى.
ويضيف الحجاوى: كان يجمعنا إلى جانب الصداقة منهاج فكرى واحد، ومزاج فنى متقارب، إذ كنا ننطوى على نظرة للحياة تختلف عن نظرة الكتــاب والصحفييــن المعـــروفيـن، ولم يكن همنا رغم القراءة الواسعة، والثقافة الجادة، إلا المولود الناشئ فى بيئة شعبية، والمتفاعل بها، ولذلك فقد آلينا على أنفسنا، أن نهدم الحائط الذى يقسم الشعب إلى قسمين، قسم غريب عن الوطن يقرأ ويفكر بأسلوب الغرب، والفلاحون كقسم ثانى، وهم يعيشون على الثقافة الشعبية، كنا نريد هدم الجدار الفاصل بين الشعبين، حتى نأخذ من تقدم المدينة، ونعطى للقرية، ونأخذ من الشخصية القوية فى القرية، ونعطى إنسان المدينة، وازددنا إيمانا بالفكرة، وإصرارا على تنفيذها، لما علم أصدقاؤنا بمشروعنا هذا "ماتوا علينا من الضحك، وسلقونا بألسنة حداد، وبنكات لا تقاوم، وقررنا الاجتماعات العملية، وبدأنا نسجل هذه الاجتماعات، وكانت الميزانية من قواعد الإيمان بالفكرة والصداقة وهى أن من معه يسد".
بدأ الحجاوى مشروعه الثقافى فى خمسينات القرن الماضى، اكتشف من خلاله أصواتا تحمل التراث فى غناويها للحصاد والأعياد أو الأفراح والموالد، من الجنوب قدم الريس متقال القناوى، وأبو دراع، ومن بحرى، كانت خضرة محمد خضر ومحمد طه وجملات شيحة وفاطمة سرحان.
ارتباطه بخضرة كان مثارا للتندر والحكايات، وإمعانا فى التحقق، روت القصة ابنته "نعمة الحجاوى" قائلة: والدى كان يجوب ربوع مصر وكفورها وقراها، يبحث عن صوت مدفون يزيح عنه الغبار، ومرة فى قرية "سنباط"، إحدى قرى محافظة الغربية، وهو يمشى فى غيطان القرية سمع صوتا ينادى على الفجل ويقول "لوبيا يا فجل لوبيا، يا غرض الأهتم يا فجل"، مشى وراء الصوت حتى وجد شابة صغيرة تحمل "مشنة" على رأسها مملوءة بالفجل، وتنادى عليه، ظل يمشى وراءها طول اليوم، وهى تنادى على الفجل، ولما رأته يتعقبها وقفت، وقالت له، وكان طبعا غريبا عن القرية "فيه إيه يا أفندى، إنت ماشى ورايا ليه؟"، فقال لها "عايزك تغنى معايا فى الفرقة وتيجى معايا مصر"، فقالت له "لازم تقعد مع أبويا"، وذهب لأبوها وأقنعه، وخضرة كانت متزوجة من جزار، وطلقها لأنه لم يوافق.
وتضيف نعمة: عندما تزوج والدى خضرة، والدتى تأثرت جدا طبعا، خاصة أن أمها كانت من سيدات المجتمع، وكرامتها جرحت بهذا الزواج غير المتكافئ، وكبرياؤها منعها أن تعاتبه أو تلومه، لكن أنا وشقيقاتى تحدثنا معه، فضحك وقال "أنا مش بتجوز ست بعينها، أمكم عندى أجمل ست، لكن أنا لما اتجوزت خضرة اتجوزت مصر".
تواصل السيدة نعمة الحجاوى شهادتها فتقول: الرئيس السادات بعد اتهامه فى قضية مقتل أمين عثمان، تم تهريبه من مستشفى السجن بملابس ممرض، إلى قريتنا "المطرية" فى المنزلة، وكان يتخفى فى ملابس الصيادين تحت اسم "المعلم إبراهيم"، لكن السادات لم يعترف بهذا طول حياة والدى.
وتكمل: إذا كان التاريخ قد ألحق لقب "سارق النار" بكل من أتى بفعل جديد غير مسيرة أمة، "فالحجاوى" هو رابع الثلاثى "رفاعة الطهطاوى، وعبدالله النديم، وسيد درويش"، ليس إقلالا من تجارب الذين سبقوه، أمثال تيمور وسعد الخادم وأحمد أمين، لكن الريادة جاءت للحجاوى من علاقته الميدانية بالفنون الشعبية فى بيئتها الطبيعية، والمعايشة المتأنية لمكنون الشخصية الريفية.
وعن مجهودات والدها تقول: كانت الإذاعة الساحة الأرحب التى استوعبت إبداعات الحجاوى، ومحصلة مشواره القومى، من البحث عن جذور الفنون الشعبية من منابعها وبيئتها، فقد قدم ما يقرب من 72 ملحمة استوحى أبطالها من بطون الريف وأكواخ الصيادين منها "سعد اليتيم، ابن عروس، ليالى شهريار، الأرملة العذراء" وغيرها الكثير، كما كان له السبق فى ابتكاره للمقدمة والنهاية للمسلسلات الإذاعية، وتجربته الرائدة فى ابتكار شخصية الراوى على غرار "صندوق الدنيا" الذى كان يحكى للأطفال مشاهد السفيرة عزيزة أو عنترة، وتم تكريمه بعد وفاته بإطلاق اسمه على مسرح السامر، وإطلاق اسمه على قصر ثقافة المطرية مسقط رأسه.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يظل جالساً هكذا بالساعات، دون حركة، يكاد يغيب عن الدنيا، حتى أنه ربما لا ينتبه لك لو دخلت عليه ورشته...
الحيلة ليست محط أنظار القوانين فالضحية المخدوعة لا تستطيع الشكوى أمام المحكمة المحتال البارع يستغل طيبة وغفلة الآخرين
فازت الكاتبة الشابة نسمة عودة بالمركز الثاني في جائزة ساويرس الثقافية لعام 2026، فرع القصة القصيرة لشباب الكتاب، عن مجموعتها...
القصة فن لصيق بالحياة وقادرة على التطور.. وكتبت «صورة مريم» بتقنيات جديدة