حلمى سالم.. شاعر السبعينيات الــذى «كسر رقبة» البلاغة التقليدية

فى المرة الوحيدة التى دخلتُ فيها بيته، كان الشاعر الكبير الراحل حلمى سالم (1951 ـ 2012)، يسكن فى شقة متواضعة فى حى بولاق، عند "الكوبرى الخشب"، ولم أكن بمفردى بل كنتُ

فى المرة الوحيدة التى دخلتُ فيها بيته، كان الشاعر الكبير الراحل حلمى سالم (1951 ـ 2012)، يسكن فى شقة متواضعة فى حى بولاق، عند "الكوبرى الخشب"، ولم أكن بمفردى بل كنتُ بصحبة صديقنا المشترك الشاعر الصديق والصحفى الآن فى مجلة "الأهرام العربى" مصطفى عبادة، لكن حلمى سالم استقبلنا فى بيته بجلباب بلدى ريفى بسيط دون أن يتوقف عن الضحك هو وزوجته أمل بيضون، حيث صمما أن نتعشى معًا، ولا أذكر المناسبة التى زرناه فيها، فقد كنا جميعًا نعمل فى جريدة "الأهالى" الناطقة بلسان "حزب التجمع" فى النصف الثانى من عقد التسعينيات من القرن العشرين، ومصطفى كان سكرتير تحرير مجلة "أدب ونقد" التى يصدرها الحزب، حينما كان حلمى مديرًا للتحرير، لكن ما أتذكره جيدًا عن هذه الليلة هو أن حلمى سالم كان كريمًا وبشوشًا ومضيافًا فى بيته، وحين وضِعت المائدة أمامنا كانت عامرة بأطباق من المطبخين المصرى واللبنانى، وحينما جاء دور الشاى الأول لاحظت أن حلمى الشاعر المغامر لا يزال "يشفُط" الشاى بصوت مسموع مثل فلاحى بلدنا بالضبط.

لقد مثَّل حلمى سالم بالنسبة إلى أجيال متلاحقة من الشعراء والمثقفين فى مصر واحدًا من أبرز شعراء جيل السبعينيات وأكثرهم تألقًا وتعبيرًا عن عصره، لا بما كتبه من تجارب ودواوين شعرية غزيرة مثل: "سيرة بيروت" و"الحائية والبائى" و"فقه اللذة" و"سراب التريكو" و"يوجد هنا عميان" و"مدائح جلطة المخ" فقط، بل بما تركه أيضًا من كتابات فكرية مهمة، وبما شارك فيه من سجالات ومعارك عبر فيها عن انحيازاته الجمالية والاجتماعية وعن آرائه فى كثيرٍ من قضايا الوطن، ومنها كتب أصدرها مثل "الثقافة تحت حصار بيروت" و"العائش فى الحق" و"الحداثة أخت التسامح" و"ثقافة كاتم الصوت" و"محاكمة شرفة ليلى مراد" وغيرها، حيث دافع حلمى سالم ومنذ وقت مبكر جدًاـ عن القيمة الكبرى التى تمثلها "حرية الفكر والتعبير" من أجل رخاء مستقبلنا، فى مواجهة الظلم والاستبداد من ناحية، وفى مواجهة التفكير السلفى الماضوى من ناحية أخرى، وبينما كان الجميع يعيش تحت وطأة الخوف من العمليات الإرهابية منتصف عقد التسعينيات من القرن العشرين، كان حلمى سالم يسهر حتى الصباح فى مقر عمله "جريدة الأهالى"، فى 23 عبدالخالق ثروت، ليشارك فى إصدار عدد خاص ـ صدر بتاريخ 30 أكتوبر 1994ـ يتضمن رواية "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ، الذى كان تعرض لمحاولة اغتيال قبلها مباشرة، بينما ظلت روايته الأهم ممنوعة من التداول رسميا فى مصر.

أسعدنى حظى بالعمل مع حلمى سالم والجلوس إلى جواره والتعلم منه، فقد كان صحافيا نابها وكاتبا لا يُشق له غبار، صاحب العناوين التى لا تُنسى، ففى مواجهة التفكير السلفى أعد ملفا بعنوان: "الظلام يلدُ نفسه"، واختار عنوان "نون والقلم وما يسطرون" ليكون عنوان أحد أعداد "أدب ونقد" التى تقدم أجيالا من المبدعين الشباب أوائل التسعينيات، وقد كان صديقا ناصحا ساخرا لكنه كان من أكثر الناس تشجيعا واهتماما بكتابة الأجيال الجديدة.

وعلى الرغم من أن كثرة من الناقدين كتبوا عن تجربة سالم الشعرية، إلا أن السؤال حول تجربة حلمى سالم ظل قائما: كيف يُمكن فهم قصائد حلمى سالم بسماتها الأسلوبية الخاصة من دون التعرف إلى جزء من قصة حياته منذ نشأته الريفية فى قرية "الراهب" فى المنوفية وتقلباته وسفره ومشاركته فى مقاومة حصار بيروت 1982، ومشاركته فى العمل السياسى والصحفى، إلى أن قامت الهيئة المصرية العامة للكتاب مشكورة بجمع عدد من أبرز مقالات الشاعر حلمى سالم، والتى يروى فيها قصة حياته وعلاقته بالمدن التى عاش فيها، هذا الكتاب الصادر مؤخرا بعنوان "مدن لها قلوب.. مقاطع من حياة وشعر"، بغلاف أنيق للفنان الكبير أحمد اللباد.

فى ظنى أن هذا الكتاب صدر ليسد هذه الفجوة المعرفية بخصوص تجربة حلمى سالم، وليضيف إلى مُحبى شعره وعيا بالتجارب الحياتية التى أنبتت هذه القصائد، كما يضيف إلى المكتبة العربية كتابا رائقا من كتب الرحلات المشوقة إلى مدن الآخرين، لقد زار حلمى بيروت وصنعاء وعمان وطرابلس ودمشق وأمضى سنوات بين عدة مدن أوربية، والتقى الرئيس جمال عبدالناصر والزعيم تشى جيفارا.

 كُتَّاب "الشيخة أمينة"

الحق أن اختيار عنوان "مدن لها قلوب" لا يجب أن يمر علينا مرور الكرام، فهو يتناقض مع عبارة شعرية شهيرة فى تاريخ الشعر العربى هى "مدينة بلا قلب" اسم أول دواوين الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى، وكأن حلمى أراد أن يقول لنا إن شعار مدينة بلا قلب لا يمثلنى، وإنما يمثلنى أكثر الشعار النقيض له، لأن المدن عندى لها قلوب، مختلفا مع جيل حجازى الذى كان أول جيل يكتب قصيدة الشعر الحر فى عقد الخمسينيات من القرن العشرين، وهو الجيل الذى تلقى صدمة الحداثة التى يشعر بها الريفيون فى المدن الكبيرة، بينما تجاوز جيل حلمى سالم هذا الأمر فأصبح أكثر تعاطفا ـ وتعايشا ـ مع قسوة الحياة فى هذه المدن.

الكتاب يحتوى أربعة عشر مقالا يحكى فى كل منها جوانب من حياته، مشيرا إلى البيئة الريفية الوطنية التى تربى فيها، فى قرية "الراهب" مركز شبين الكوم، حيث تعلم طفلا فى "كُتاب الشيخة أمينة" وشاهد كيف يمكن لطفل أن ينطق حروف اللغة العربية سليمة، وكيف يمكن لامرأة ضعيفة كف بصرها أن تكون أفضل من يعلم الأطفال قراءة القرآن، وحينما التحق بالدراسة الإلزامية التحق حلمى بثلاث مدارس تعلم من أسمائها حب الوطن، فهى تحمل أسماء وطنية تشير إلى مراحل من كفاح المصريين عبر التاريخ من أجل الحرية، فقد تعلم وحصل على الشهادة الابتدائية من مدرسة "الشهيد صبحى يوسف الابتدائية"، وصبحى يوسف هو أحد أبناء القرية وقد استشهد فى حرب 1956، أما المدرسة الإعدادية فقد كانت فى قرية "كفر مصلحة" المجاورة للراهب، وكان اسمها "مدرسة عبد العزيز فهمى الإعدادية"، وعبد العزيز باشا فهمى كان أحد قادة ثورة 1919، أما المدرسة الثانوية فقد كانت فى شبين الكوم واسمها "مدرسة عبد المنعم رياض الثانوية الجديدة"، وهو الفريق وقائد الجيش المصرى الذى استشهد بقذيفة إسرائيلية غادرة عام 1969، وصار عند الحركة الوطنية رمزا للمحارب الشجاع، وهنا يذكرنا حلمى سالم بالعبارات البليغة التى وصف بها الشاعر العربى الكبير نزار قبانى لحظة استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض:

"لو يُقتلون مثلما قُتلت

لو يعرفون أن يموتوا مثلما فعلت

لو مدمنو الكلام فى بلادنا

قد بذلوا نصفَ الذى بذلتْ

لم يسقط المسيحُ مذبوحًا

فى ترابِ الناصرة".

 جيل الهزيمتين

فى حين اتهم جيل السبعينيات فى الشعر بالعمل على "كسر رقبة البلاغة التقليدية" فى تجاربه، أعتقد أننا يجب قبل أن نسارع إلى اتهامه أن نتأمل اللحظة السياسية والاجتماعية التى نشأ فيها هذا الجيل، حيث انكسرت رقابه مرتين وعاش هزيمتين قاسيتين: هزيمة عسكرية فى 1967 وهزيمة مجتمعية قاسية بعد انتصار أكتوبر 1973، وقد جسد انحياز السلطة السياسية اقتصاديا لاقتصاد السوق الرأسمالى المفتوح ما أصبح يطلق عليه "انفتاح السداح مداح" بتعبير العظيم أحمد بهاء الدين، وانحياز السلطة نفسها لتيار الإسلام السياسى وفتح الأبواب الإعلامية وإطلاق الأبواق الصحفية له فى مواجهة "التيار الناصرى"، ما أصبح معروفا بالانقلاب فى سياسات الدولة المصرية وقتها، خصوصا حين أثبت تيار الإسلام السياسى خيانته للقيم الوطنية، منذ أعلن الشيخ محمد متولى الشعراوى التنكر لجيش بلاده بالسجود لله شكرا عقب هزيمة الجيش المصرى 1967، فى حين توصل تيار إسلامى آخر "الجهاد" إلى أهمية العمل الإرهابى "الدعائى" مبكرا، حين خطط ونفذ لقتل الرئيس الراحل محمد أنور السادات، يوم 6 أكتوبر عام 1981 أمام كل وسائل الإعلام المصرية والعربية والعالمية، فى وضح النهار وعلى عينك يا تاجر، وبطريقة تجعل "كل اللى ما يشترى يتفرج"، ليقدموا الطعنة النجلاء لكل القيم التى تربت عليها التيارات السياسية المصرية، وليدخلوا عصر المجموعات المسلحة خارج القانون، والتى لا تتورع عن عض ـ أو التهام ـ كل يد سياسية تمتد لكى تساعدهم، مثلما فعلت يد السادات فى لحظة من لحظات العبث الكثيرة فى عقد السبعينيات.

هذا الانقلاب الجذرى فى قيم المجتمع المصرى انعكس على كثيرٍ من روافد الأدب فى الشعر والقصة القصيرة والمسرح والرواية والسينما المصرية، حيث تغير شكل الأدب المصرى بسبب ذلك الجيل الذى تظاهر مطالبا بالحرب، وهو الجيل نفسه الذى حارب وانتصر فى الميدان، لكنه حين عاد إلى حياته الاجتماعية ليكتب الأدب واكتشف هزيمة المجتمع الثقافية، ويمكن أن تعتبر جيل السبعينيات فى الشعر والرواية هو الجيل الذى ينطبق عليه هذا الكلام، مثل الراحلين رفعت سلام وحلمى سالم على سبيل المثال فى الشعر وبطرق متفاوتة فى تجارب جمال القصاص وأمجد ريان وماجد يوسف فى شعر العامية، والراحل جمال الغيطانى وكاتبنا الكبير ـ أطال الله عمره ـ إبراهيم عبد المجيد ومثل كتابنا الكبار محمود الوردانى وسيد الوكيل والسيد نجم وسمير الفيل وغيرهم فى الرواية والقصة.

تبقى أهمية كتاب "مدن لها قلوب" أكبر من الإجابة على سؤال كيف ترجم حلمى سالم وشعراء جيل السبعينيات هذه التحولات المجتمعية والثقافية الكبيرة التى شهدها زمانهم، كيف رأوا هذه التحولات الكبيرة لقيم يوليو وكيف عبَّروا عنها فى تجاربهم الشعرية؟

ظنى أن التجارب الشعرية التى ترجمت انقلاب المعايير واختلالها فى الحياة الثقافية المصرية خلال عقد السبعينيات، بظهور تيار الإسلام السياسى وتراجع دور المثقف أمام أدوار الداعية، ترجمت هذا الانقلاب فى صورة التمرد على الخطابات التقليدية التى كانت هى نفسها أدوات التيار الإسلامى من شعر قديم وحكم وأمثال عربية وبلاغة تقليدية، وبالتالى رأت اتجاهات "الحساسية الجديدة" فى الشعر العربى كما أسماها الروائى والكاتب الراحل "ادوارد الخراط" أن تتمرد على هذا الخطاب بكتابة جديدة، تستند إلى أن الشعر تشكيل باللغة يمكن أن يجنح بها إلى ما فوق الواقع، وعلى أساس أن "الحداثة الشعرية هى إنطاق لكل مسكوت عنه بجسارة السؤال"، لذا نعتبر أن تجربة شاعر كبير مثل الراحل حلمى سالم من التجارب التى اتسمت بفكرة التمرد على الأب ومساءلته، والحرص على نزع القداسة عن لغة الشعر، واستدعاء نماذج ونصوص من تراث محفوظات الشعر العربى القديم والحديث ودمجها داخل سياقات شعرية جديدة، كمن يحاول تمزيق الغلالة الشعرية التقليدية أو "كسر رقبة البلاغة" بتعبير الدكتور جابر عصفور، يقول حلمى سالم فى قصيدة "ش. عين. راء":

"وطالعٌ كالشجرة الخضراء، هذا الشىء هس فىّ

هسةً طريةً، أنا اضطربتُ، قال لى الرجلُ الجميلُ:

اقرأ. قلتُ: ما أنا بقارئ.

قال لى: اقرأ. قلتُ: ما أنا بقارئ

قال لى: اقرأ كتابَك الذى كتبتَ

قلت: ما كتبتُ قال: فاكتب:

دثِّرينى، دثِّرينى

ورطبى لى جبينى

النارُ فى عيونى

والريحُ فى يقينى".


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة