كان هذا الاختراع في مصر بالعصر الرومانى، تحديدا بالإسكندرية عام ١٠٠ ميلادية، وفى حين كان من المفترض أن يؤدى وظيفة واحدة صارت له عدة وظائف فى عدة أشكال؛ فكان مرة
كان هذا الاختراع في مصر بالعصر الرومانى، تحديدا بالإسكندرية عام ١٠٠ ميلادية، وفى حين كان من المفترض أن يؤدى وظيفة واحدة صارت له عدة وظائف فى عدة أشكال؛ فكان مرة "المشربية الخشبية" ومرة فى زجاج ملون أو شفاف، وقد حدث أن تحدى الاختراع الوقت، فساير كل عصر حتى صار ألواحا مصنوعة من ألياف صناعية.. إننا نتحدث ببساطة عن "الشبابيك".
فتحت الكوة فسقط النور على وجهى
كان هذا وصفا للشباك من منظور الأديب الروسى "زامياتن" فى وقت أن كان النظام الاستبدادى قد حول كل البيوت لشبه نوافذ كبرى تسمح للسلطات بمراقبة ساكنيها، وفى روايته "نحن" تخيل الأديب عمارة زجاجية لها تلك الوظيفة السالبة للحرية والخصوصية، قبل أن يصبح الزجاج ديكورا مهيبا فخما لناطحات سحاب أمريكية، وقبل أن يدخل بالطبع كزجاج صنع من ألياف ضوئية ففصل بين المكاتب ليتيح لأى رئيس عمل تتبع موظفيه.
الجدار الصامت
وسواء كان الشباك متواضعا فى إفريقيا أو فخما كما فى الصين أو فى كوخ بضواحى المغرب أو بقصر فى أوروبا، فإنه يبقى تحصيل حاصل ويجب أن يحويه أى جدار من الجدران الأربعة، ذلك لأن الجدران بلا نوافذ هى صمت بلا حياة، وربما هذا ما جعل علماء النفس والصحة يفسرون لنا لما أى قاطن فى بيت مغلق بلا نوافذ لا يتمتع بالصحة البدنية، وينصحون بفتح الشباك صيفا وشتاء لأن هذا الشباك إنما يعكس حالة إنسانية لها أسبابها النفسجسمية، فالناس بلا تواصل مع العالم الخارجى على رأس كل ساعة يعتبرون فى عزلة تسبب الأمراض، ولعل هذا هو التأثير السلبى فى أزمة وباء كوفيد ١٩ الذى منع الناس التواصل فخرج الناس إلى الشرفات.
شباك على الإنسانية
صحيح أن النوافذ فراغ فى جدار، لكنها ليست هذا فحسب، فهى التى تجعلنا نطل على البيئة والطبيعة ونأخذ منها ما يريح النفس، بجانب أنها منفذ للهواء وإنعاشه والضوء وانعكاسه، سواء باليل أو بالنهار، وإلا لماذا خلق الله الشمس والقمر وجعلهما متناوبين؟ وإن لانتقال الطبيعة للداخل لأثرا على الناس، بخاصة الذين لا يستطيعون الخروج، ولعل ذلك ما جعل الإنسان الأول يرسم على جدران غرف معيشته وقبره رسوما لحيوانات وطيور وجنادل، مسجلا حياته ومهنته من رعى أو صيد .
ومن الطبيعى أن يبقى بنو آدم لسنين سجناء كهوف وخيم وأكواخ ليس فيها إلا فتحة خروج لباب؛ وأن تكون النوافذ بالنسبة لهم اختراعا فريدا، حتى بعد أن أخذت النوافذ مكانها ومكانتها كفتحة لابد منها فى أماكن المعيشة، ثم انتقلت إلى كل شىء بما فى ذلك المستشفيات ووسائل المواصلات حتى وصلت للصواريخ الفضائية.
وربما لأنها تمثل الداخل المطل على الخارج، والخارج المرتبط بالداخل، لذلك قد نرقب أنفسنا أحيانا نطل من أية نافذة ونسرح، حيث تأخذنا الشبابيك إلى الخيال والمواقف التى مرت والذكريات التى مضت؛ فهى بذلك تشكل وعيا جمعيا انتقل للصحافة فأصبحت نافذة على الأخبار؛ وكل من الراديو فالتليفزيون يشكلان نوافذ على ما يحدث بالداخل والخارج، وقد باتت الشبابيك ضرورة من ضرورات الحياة حتى صارت بين أيدينا موبيلات وحواسب إلكترونية، فكان العالم فى لحظة واحدة قبيلة واحدة وبوتقة ضيقة جعلت ما بين أيدينا نوافذ متنقلة.
نوافذ درامية
النافذة لفظة جاءت من منفذ، وقد تنبه العالم بعد انتهائه من اعتمادها إلى ضرورة من ضرورات الحياة؛ إلى كونها أيضا خطرا محدقا يدخل اللصوص كما الهواء والنور، فعادت النوافذ مصدر خطر كما هى مصدر للألفة والجمال، وقد ظلت رغم هذا تلعب دورا دراميا؛ ففى الحروب كانت لها أهميتها الأخرى، حيث باتت هى متنفس المحاربين فى معسكراتهم والأسرى بمعتقلاتهم والسجناء خلف قضبانهم، لأن النوافذ قد تأتى بالضوء والحب، وقد تأتى بالحرب والغرباء، وقد حدث بالقرن التاسع عشر أن غدت تلف الأماكن وتحديدا المصانع الإنجليزية بعد أن اقتنع تماما المعمارى السويسرى "لوكوبوزبيه" بضرورة إنفاذ مزيد من الضوء والهواء إلى تلك المصانع التى باتت تعمل ليل نهار إبان الحروب؛ فكانت تلك اللوحات الزجاجية المحورية التى سرعان ما دلفت إلى كل البيوت وأصبحت طابعا معماريا إنجليزيا.
شباكنا ستايره حرير
الشبابيك عنصر فى مشهد درامى بكل الروايات والقصص والأفلام والقصائد واللوحات التشكيلية، حيث أنشد للشباك كمدلول ورمز فتى تحول من الجماد الأصم إلى الحياة، حيث غنت فيروز: بشتاقلك لا بقدر شوفك ولا بقدر أحاكيك / بندهلك خلف الطرقات وخلف الشبابيك
أما شادية فتتغنى: شباكنا ستايره حرير من نسمة صيف بتطير/
وللنوافذ تأثير محترم فى التراث العربى والأدب، فخلدها أديب نوبل أكثر من مرة فى رائعته "زقاق المدق"، وكتبت الروائية السورية "رباب حيدر" فى روايتها "أظن" وجهة نظرها فى تجليات النوافذ، كما لم يفت على كتب التاريخ أن تدون عن النوافذ وتؤرخ لها، مثلما فعل ابن تغرى بردى فى كتابه التاريخى "النجوم الزاهرة" وقد قال:
{هبت ريحا سوداء ببغداد فأظلمت الدنيا واقتلعت النوافذ ودار الخلافة}
وفى سومرى يرجع لما قبل التاريخ ذكر آخر للنوافذ، وقد كان أصلا يتناول الطوفان، حيث كتب:
رياح وعواصف، سيول ومطر طاغ؛ ومع حلول اليوم السادس خفت شدة العاصفة والطوفان، وبات البحر بساطا، حيث تراجع الماء، وأصبحنا نراه هادئا خلف الكوات.
المشربية
بنيت المشربيات، أو ما أسماه العامة ببلاد الشام "الشناشيل"، وطوال تاريخها تصنع من الخشب ويتخللها مساحات من الفراغ فى عدة ألواح من الزجاج الملون تنعكس عليها إضاءة الشمس، وهى إحدى تجليات العمارة العربية بلا منازع، وعرفتها البلدان الصحراوية ببلاد شبه الجزيرة العربية والمغرب العربى، ذلك لأنها المانعة للحرارة، وبدأ ظهورها منذ القرن السادس إلى القرن الثالث عشر الميلادى إبان العصر العباسي، بعدها دخلت المشرق العربى وانتشرت بحيث أصبحت نمطا للبيوت وللقاعات المؤدية إليها، لتمتد بعد ذلك بطول أحياء بأكملها تغطيها وتدخل الإضاءة الناعمة إليها، وقد وصلت المشربيات إلى العصر العثمانى، فباتت دالة على التحفظ وأقرب لدروات النساء القابعات فى البيوت، لكى تعطيهن الدفء والنور وتمكنهن من الرؤية، وفى نفس الوقت تمنع عنهن الأنظار، لذلك التصقت بالحريم وعصر الحرملك الذى أسدلت فيه النساء على وجوهن اليشامك، وعرف العصر كله بعصر "المشربية واليشمك".
وحدث أن اختفت المشربيات وأزيل ما اعتبرت سواتر، ثم عادت فى عصرنا الحالي، حيث اتخذها هواة الحنين للماضى أقرب للزينة منها إلى وظيفتها الأصلية.. وللمشربيات فى الحقيقة أكثر من وظيفة حصرها الدكتور "حسن فتحى" عبقرى العمارة المصرى فى خمس:
فى الشتاء تسمح بدخول أشعة الشمس.
فى الصيف تسمح بمرور الهواء الرطب بعد أن يدور حولها، حيث تعمل على تدفق الهواء مثل عمل الأوانى الفخارية.
تعمل المشربية أيضا على ضبط درجة الضوء.
تزيد المشربيات من رطوبة تيار الهواء.
كذلك توفر الخصوصية وتعطى حرية.
وقد ذكرها الجبرتى فيما أرخ له فى كتابه "آثار وعجائب" حيث كتب:
{باتت النيران تتلهف على حرق البيوت بما فيها المجالس والرواشن، وهى كلمة أخرى تعنى المشربية}.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد