نشأت الحضارة الصينية حول النهر الأصفر ونهر يانغتزى فى العصر الحجرى الحديث، وتكونت أول مملكة فى الصين خلال الفترة من 2070 إلى 1600 قبل الميلاد، تلك المعروفة بمملكة
نشأت الحضارة الصينية حول النهر الأصفر ونهر يانغتزى فى العصر الحجرى الحديث، وتكونت أول مملكة فى الصين خلال الفترة من 2070 إلى 1600 قبل الميلاد، تلك المعروفة بمملكة "شيا"، وعرف الصينيون الكتابة فى وقت مبكر مع مملكة "شانغ" التى ازدهرت خلال الفترة من 1700–1046 قبل الميلاد، غير أن الصين لم تصبح إمبراطورية إلا خلال القرن الثالث قبل الميلاد، وخلال هذه الفترة انتقلت البوذية من الهند إلى الصين، غير أن البوذية لم تكن العقيدة الوحيدة التى كونت وجهة نظر الصينيين حول الخير والشر.
يؤمن الصينيون بمجموعة من القيم الأخلاقية التى يرونها أصل الخير، وهى: الانسجام، الإحسان، النزاهة، المجاملة، الحكمة، الأمانة، الوفاء، وطاعة الوالدين. هذه القيم هى محصلة تداخل ثلاث عقائد مع بعضها البعض رغم تمايزها التاريخى والتفصيلي: وهى الكونفوشيسية، والبوذية (القادمة من الهند)، ثم التاوية أو الطاوية.
لقد عاش السياسى والفيلسوف الصينى "كونفوشيوس" خلال القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد، وكان لتأمَّلاته حول الخير والشر أثر كبير فى تشكيل منهج حياة الصينيين حتى الآن، وتحديد أنماط التعامل الأساسية بين الناس. ومالت الكونفوشية إلى الاعتقاد بأن طبيعة الإنسان فى الأصل خيرة، إلا أنها تنقلب إلى الشر عندما لا تلبى احتياجاتها الأساسية.
كان "كونفوشيوس" رجلاً حكيماً ينتمى إلى طبقة النبلاء والإقطاعيين. وحاول إيجاد حلول وسط ترضى الجميع، فحث على الخير المتبادل بين طبقتى العوام والإقطاعيين. وطالب الحاكم بتنمية جوانبه الأخلاقية لحدود الكمال، حتى يكون مثالاً يحتذى به شعبه. وبالفعل نجحت فلسفته فى إخماد الاضطرابات فى عصره.
ويرى "كونفوشيوس" أن كل شر يقوم به الإنسان هو نتيجة نقص فى البصيرة. وأن الأصل فى الإنسانية هو التقوى والطاعة. وأن الخير يقابل بالخير والشر يقابل بالترفُّع. لذلك نصح "كونفوشيوس" أحد أتباعه قائلا: لا تفعل بالآخرين ما لا تحب أن يفعله الآخرون بك.
ومن بين أفكاره الإجتماعية الداعية للخير مبدأ "التشونج" أى الإخلاص تجاه الذات وتجاه الآخرين. ومبدأ "الشياو"، وهو إيثار الغير على النفس.
كما امتدح "كونفوشيوس" الرجل الشريف بخصاله الطيبة وبأفعاله الخيرة، وليس بنسبهِ وثرائه، وأطلق على هذه الشخصية اسم "الجونتسه".
وبعد رحيل "كونفوشيوس" قام تلامذته بتسجيل حواراته الفلسفية عن الخير والشر، وضمنوها كتابا يدعى "لون يو". وتناولت هذه الحوارات أسمى فضيلة فى النفس البشرية (الرن) أى طيبة القلب. لكن التلاميذ عمموا هذه الفضيلة وجعلوها تشمل جميع العلاقات الإنسانية بين البشر. بعد أن كانت فى عصر "كونفشيوس" مقصورة على رجال الطبقة الحاكمة والنبلاء.
الطاوية وثنائية "ين –يان"
"الطاوية" إحدى أكبر المذاهب الصينية القديمة التى ما تزال حية إلى اليوم، وترجع إلى القرن السادس قبل الميلاد، ويعتقد بأن "لاو تسه" المولود عام 507 ق. م هو صاحب مذهب الطاوية التى ترجع بعض معتقداتها إلى زمن سحيق. وقد وضع "لاو تسه" كتابه "طاو – تى – تشينغ" أى كتاب طريق القوة. والتقى بكونفوشيوس فأخذ عنه أشياء وخالفه فى أشياء أخرى.
وذهب "لاو تسه" إلى أن الشيء يعرف بضده، فالإنحناء هو الاستقامة، والفراغ هو الامتلاء، والاهتراء هو التجدد، وامتلاك القليل هو حقُّ الامتلاك.
وفى الفكر الطاوى فإن الوجود بأجمعه، بما فيه الوجود الانساني، يتكون من قوتين أو طاقتين متكاملتين: (ين -يان) أو (ينغ – يانغ) بمعنى: المؤنث والمذكر، البارد والحار، المنفعل والفعال، السالب والموجب. هذه (الثنائية تكاملية) بمعنى أن كل طرف منهما لا يوجد الاّ مع الطرف الآخر. فليس هناك ليل دون نهار، ولا شهيق دون زفير، ولا ذكر دون أنثى، ولا عالى دون واطي، ولا ساخن دون بارد.. إلخ؛ وكلٌّ منهما يحمل معه قدرة التحوُّل نحو الآخر.
إن كلمة "تاو" أو "طاو" تعنى طريق الانسجام للتوازن والتكامل بين طاقتى الوجود. أو القوى المطلقة والغاية القصوى لكل الوجود. ومبدأ "تاو" أو "طاو" تم تطبيقه فى الكثير من مجالات الحياة الاجتماعية فى الصين، ومنها: الطب الصيني، ورياضة المبارزة الصينية (كونفو)، وتمارين التوازن (تايچی کوین) و(كى كونغ). بل وطبقت الطاوية حتى على تنظيم سكن الانسان، حيث تبنى المدن والبيوت وتنظم بصورة تحترم التوازن بين طاقتى (ين -يان).
هذا لا ينفى ثنائية الخير والشر، أو الجيد والسيء. فهناك ثنائية للخير والشر، لكنها تابعة تماما لثنائية (ين -يان) التكاملية، فالخير فى الطاوية هو الانسجام والتكامل بين الثنائيات، أما الشر فينتج من تخلخل الانسجام والتوازن بين هذه الثنائيات، والمغالات فى دور أحد الطرفين على حساب الطرف الآخر. والخير يكون بتوازن البرد والحر، الليل والنهار، الرجل والمرأة، الدين والدنيا، الحداثة والأصالة، الدولة والشعب، الواجب والمتعة، الفرد والمجتمع...الخ، والشر هو غلبة أحدهما على الآخر.
لهذا فان المجتمع الأمثل هو المجتمع الذى يتمكن من تحقيق التوازن بين مكوناته الذكورية والأنوثية، فى الدولة والإدارة والقانون والدين والثقافة والتربية وجميع مكونات الحياة المادية والروحية.
"موزى" ونقد "كونفوشيوس"
عاش الفيلسوف الصينى "مو تزو" أو "موزى " خلال الفترة من: 470 – 391 ق. م، وأسس مدرسة "الموزية"، وجادل بشدة ضد الكونفوشية والطاوية. خاصة نظرتهما للخير والشر، حيث هاجم كل ما قاله كونفوشيوس عن الخير والشر، ونظر لفلسفة الخير والشر بطريقة مختلفة. فكانت أفكاره تلتقى أحياناً مع تعاليم الديانات السماوية، وتتباعد عنها فى أحايين أخرى، كقوله إن الإنسان لا يمكن أن يعيش بسلام من دون الإيمان بقوة عليا تراقبه وتكافؤه على الخير وتعاقبه على الشر. وأن نفس الإنسان أمارة بالشر، فهو لا يقدم الخير طواعية، وإذا ما غاب عنه الرقيب الحسيب يخرج أسوأ ما فى نفسه من شرور. على عكس "كونفوشيوس" الذى كان يؤمن بالخير الفطرى ويرفض فكرة وجود قوة عليا تراقب وتحاسب وتثيب وتعاقب.
وفى وقت لاحق ذهب "مو تزو" إلى القول بأن هذه القوة العليا موجودة فى السماء، وأن السماء تعطى الخير من دون تفرقة، وأن كل من يصنع خيراً سترحمه السماء، وكل من يصنع شراً سترميه السماء بالتعاسة.
إلا أن "مو تزو" اعتبر القضاء والقدر أو ما أسماه هو بـ "المصير"؛ مجرد ذريعة وضعها "كونفوشيوس" حتى يفلت النبلاء من العقاب الإلهى، فالحكام من وجهة نظر "مو تزو" يستغلون المصير أو القضاء والقدر لعدم تحمل نتائج المجاعات والحروب والمظالم التى يتسببون فيها.
وفسر "مو تزو" وجود الشر فى الحياة بأنه نتيجة لغياب الحب بين البشر، حيث يستغل الأقوياء الضعفاء، ويحتقر الأغنياء الفقراء، ويكره الفاشلون الأذكياء.. والتعاسة مصدرها الشر، والشر منشأه حب الذات، فالحكام يحبون العرش والسلطة والمال فيسلطون شرورهم على الآخرين حماية لما يحبون. وكذلك العائلات الأرستقراطية تحب ذاتها وأقربائها وممتلكاتها وتظهر الغيرة للعائلات الأخرى المساوية، كما تظهر الكراهية للعائلات الأقل مستوى. وكذلك الحال مع كل فرد يُعلى مصلحته على مصالح الآخرين.
الشنتو
انتقلت البوذية من الصين إلى اليابان فى القرن السادس الميلادى، فتأثرت بها ديانة "الشنتو" اليابانية والتى تعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد. خاصة أن الشنتو كانت عقيدة بدون نص دينى ولا يعرف مؤسسها، فهى تمثل مجموعة من المبادئ التى يمكن ممارستها جنبًا إلى جنب مع أى دين آخر. وبمرور الوقت اعتبرت "الشنتو" تقليدًا أكثر منه دينًا.
وعلى عكس الديانات التوحيدية، لا يوجد فى الشنتوية تعريف للمطلق (الله)، ولا يمكن لأحد أن يدعى الصواب المطلق ولا الخطأ المطلق، فلا يوجد صواب أو خطأ فى حد ذاته. أما الناس فى طبيعتهم فغير معصومين من الخطأ. وسبب الخير والشر هو الأرواح الشريرة. ومن أجل إبعاد أنفسهم عن الأرواح الشريرة، يجب على المؤمنين أداء طقوس التطهير والصلاة والقرابين.
وتعتبر الشنتوية من هذه الناحية ديانة متفائلة، حيث تفترض أن الإنسان كائن طيب فى الأساس، وأن الشر يقع نتيجة تدخل الأرواح الشريرة، وتنحصر أغلب العبادات الشنتوية فى إبعاد هذه الأرواح الشريرة عن طريق تنقية النفس، وبالصلوات وتقديم القرابين للآلهة أو "كامي".
إن لفظ "كامى" يستخدم للدلالة على أى من الآلهة المعروفة. ومن المدلولات الأخرى لكلمة "كامى": الفتنة، المعجزات،...الخ، كل ما يشبه أو يقترب فى معناه من مدلول الألوهية. فكلمة "كامى كازي" مثلا، تعنى "الرياح الربانية".
"الكامي" إذن هو كل الأشياء والموجودات التى لا تنتمى إلى مجال التأثير المباشر للإنسان، وكل ما هو غريب، وعجيب، وغامض ومريع. ولا توجد للكامى أشكال محددة، كما أنها يمكن أن تتمثل فى كل قوى الطبيعة، ويقوم كل تجمع بشرى (عائلة، عشيرة أو قرية) بتحديد الـ"كامي" التى يرهبونها والتى يمكن أن ينتظروا منها أفضالا خلال حياتهم اليومية، ومن هذه الكامى:
- كامى البحر، ويتجلى فى الأمواج والعواصف بالنسبة للصيادين.
- كامى الجبل، ويتجلى فى الصخور، الثلج، الأشجار بالنسبة للحطابين.
- كامى حقول الأرز، المطر، النمو بالنسبة للفلاحين.
- كامى مفترق الطرق بالنسبة للمسافرين.
- كامى البيت، المطبخ، البئر، الحرائق بالنسبة للقرويين.
- كامى الأرض، الأنهار، الرخاء، العافية بالنسبة لجميع الناس.
وأشهر الـ"كامي" هى تلك المتعلقة بالعائلة الإمبراطورية، ومنها مثلا: آلهة الشمس "أماتيراسو أومي-كامي"، وتحكى الأساطير قصتهم، وتشهد بالأصول الإلهية لأباطرة اليابان.
النقاء
يعتبر النقاء إحدى الفضائل الأساسية لأخلاق الشنتو. وهناك نوعان من النقاء. أحدهما هو النقاء الخارجى أو نقاء الجسد والآخر نقاء القلب الداخلي. وإذا كان الإنسان يتمتع بنقاء داخلى حقيقى للقلب، فمن المؤكد أنه سيصل إلى تحقيق الله أو الشركة مع الإله.
ويطلق الشنتو لفظ "تسومي" على الشيء القذر الذى يمكن التطهر منه بغسله بالماء. وينطبق هذا أيضًا على الحقائق الداخلية للفكر والنية الإنسانية: "القلب السيئ" قلب قذر خبيث، والقلب النقى ليس قذرًا وهو قلب ناصع لا يخفى شيئًا.
لذا فإن طريقة "الاستقامة" أو التطهير عملية تطهير جسدى وذهنيى، مما ينتج عنه حالة من النقاء والجمال، وكأنه مسح للغبار عن المرآة.
ومن الناحية الجمالية، فإن "القلب النقى والمبهج" هو أساس التواصل مع الكامي، أى بالقوى الخاصة وغير العادية للعملية الإبداعية نفسها (موسوبي).
يؤمن الشنتو بأنه يمكننا تطهير أنفسنا من خلال ممارسة التأكيدات الأربعة:
التأكيد الأول يركز على الأسرة. فيجب الحفاظ على القيم والتقاليد الأسرية، لأن الأسرة هى أهم مؤسسة للحفاظ على القيم التقليدية.
التأكيد الثانى مرتبط بالطبيعة ويعنى أنه يجب علينا تكريم الطبيعة كمكان يسكنه "كامي". ويجب أن نقضى المزيد من الوقت فى الطبيعة حيث يمكن للناس التواصل مع "كامي".
التأكيد الثالث يتعلق بالطهارة الجسدية. وأتباع الشنتوية يغسلون وجوههم وينظفون أسنانهم ويستحمون بانتظام.
أما التأكيد الرابع فهو ممارسة تسمى ماتسوري. وهى مكرسة لتكريم أرواح الأجداد، وهو مهرجان تلتقى فيه الأرواح والبشر للاستمتاع برفقة بعضهم البعض.
التعاليم العشر
هناك عشر تعاليم لعقيدة الشنتو، توضح ما يعتبر خيرا وما يعتبر شرا، وهى:
- لا تتعدى على إرادة الآلهة.
- لا تنس التزاماتك تجاه أجدادك.
- عدم الإساءة أو مخالفة قرارات الدولة.
- لا تنس الخير العميق للآلهة، الذى من خلاله يتم تفادى المصائب والمصائب وشفاء المرض.
- لا تنس أن العالم هو عائلة واحدة كبيرة.
- لا تنس القيود المفروضة على شخصك.
- لا تغضب حتى وإن غضب الآخرون
- لا تكن بطيئا فى عملك.
- لا تلوم التعليم.
- لا تنجرف فى التعاليم الأجنبية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد