لا أتحمس لما يسمونه الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم، ولا أستريح لما كان يقدمه د. زغلول النجار مثلا من اجتهادات وتفسيرات مبهرة للبسطاء، قناعة منى أن القرآن الكريم أجّل
لا أتحمس لما يسمونه الإعجاز العلمى فى القرآن الكريم، ولا أستريح لما كان يقدمه د. زغلول النجار مثلا من اجتهادات وتفسيرات مبهرة للبسطاء، قناعة منى أن القرآن الكريم أجّل وأعظم من أن نختصره فى نظريات واكتشافات قد يتجاوزها العلم نفسه، فيجعل من كتاب الله محل شك وجدل، فى حين أنه نزل ليكون هدى ونورا ودستورا للحياة.. لكن ما يقدمه د. محمد عبد الكريم زهران فى كتابه "أسرار الحروف المُقطعة فى القرآن" يجعلك تقف باحترام وتقدير لما بذله من جهد فى تقديم تفسير علمى جديد لتلك الظاهرة القرآنية التى احتار فيها العلماء والمفسرون طويلا، ووقفوا أمامها عاجزين ومسلّمين بأنها سر من أسرار الله، ونقصد بها فواتح السور أو ما يسميها المؤلف الحروف المقطعة فى بدايات السور القرآنية.
ظلت هذه "الفواتح" لغزا محيرا، تعددت فيها اجتهادات المفسرين واختلفت، ولم يصل أحد فيها إلى تفسير مقنع، وظلت الأسئلة بشأنها بلا إجابات قاطعة: لماذا اختص الحق سبحانه هذه الحروف دون غيرها من حروف اللغة فى مفتتح السور؟.. ولماذا هذه السور بالذات التى اختصها المولى سبحانه بأن تبدأ بهذه الحروف المقطعة دون غيرها من السور؟.. وقبل ذلك كله: لماذا لم يفسرها الرسول وقد تنزلت عليه؟
صحيح أن هناك من قدم اجتهادات من التابعين والمفسرين، بينها أنها إشارات خفية لمعجزات إلهية، وبينها أنها إشارات مخفية للأنبياء والرسل، فشاع أن "طه" مثلا المقصود بها هو النبى الكريم، لكن معظم الثقات من العلماء والمفسرين أجمعوا على أن تلك الفواتح تظل سرا لا يعلمه إلا الله.
(1)
لم يستسلم د. زهران، وراح يجرب كل الفرضيات العلمية التى يمكن أن تدله على تفسير مقنع، وكاد أن يركن إلى النهاية التى سبقه إليها من سبقوه، إلى أن توقف عند حديث شريف صحيح رواه عبدالله بن مسعود يُعدّد فيه النبى فضل قراءة القرآن "فإن الله يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات، لا أقول "ألم" حرف، بل ألف حرف ولام حرف وميم حرف".. يحكى د. زهران: هدانى الله بهذا الحديث إلى أن الحروف المقطعة هى حروف مجردة فقط ولا تحمل دلالة لغوية.. بدليل ورود الحروف المفردة فى بدايات ثلاث سور وهى حرف الصاد فى بداية سورة "ص"، وحرف القاف فى بداية سورة "ق"، وحرف النون فى بداية سورة "القلم".. ومن هنا بدأت أتعامل معها على أنها حروف مجردة ليس لها دلالة فى سياق الجمل وليس لها معان خفية فى ذاتها".. وكان هذا الحديث هو بداية الخيط الذى أوصله إلى حل لغز "حروف فواتح السور" المستعصى.
رصد الباحث هذه الحروف فوجدها 14 حرفا، أى أنها نصف عدد حروف اللغة العربية، وهى بالترتيب الهجائى: أ، ح، ر، س، ص، ط، ع، ق، ك، ل، م، ن، ه، ى.. وقد ركبها البعض لتكون جملة مفيدة هى: نص حكيم له سر قاطع.
وقد وردت هذه الحروف فى فواتح السور مفردة: ص، ق، ن.. ووردت ثنائية: حم، طس، طه، يس.. ووردت ثلاثية: ألم، ألر، طسم، عسق.. ووردت رباعية: ألمر، ألمص.. ووردت خماسية: كهيعص.. ومن الإشارات المعجزة أن هذه الحروف المقطعة كونت 14 من فواتح السور وهو نفس عدد تلك الحروف.
وعن طريق الإحصاء الرياضى رصد الباحث تكرار تلك الحروف فوجدها فى بدايات 29 سورة، وكانت الأكثر تكرارا هى "حم" إذ كانت مفتتح 7 سور هى: غافر، فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف.. تليها "ألم" التى تكررت فى 6 سور هى: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة.. وفى المركز الثالث جاءت "ألر" وكان تكرارها فى 5 سور هى: يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر.. وتحتل سورة الشورى مكانة خاصة، لأنها السورة الوحيدة التى تبدأ بنوعين من الحروف: "حم -عسق".
(2)
وكانت تلك الجداول الإحصائية هى مفتاح السر، يقول الباحث: وبتحليل هذه الحروف إحصائيا وجدت تفسيرا لوجود هذه الحروف بالسور، وأيضا اتضح لى سبب اختصاص هذه السور دون غيرها من القرآن الكريم بأن تبدأ بالحروف المقطعة".
فمثلا، بتحليل الجدول الإحصائى للآيات التى ورد بها حرف الصاد فى سور القرآن يتضح أن سورة "ص" والتى افتتحت بهذا الحرف وحملت اسمه ورد حرف الصاد فى 27 آية من إجمالى عدد آياتها الـ 88، وهو رقم يتجاوز كل سور القرآن السابقة عليها والتالية لها، فمثلا سورة "الواقعة" وعدد آياتها 96 آية، أى تزيد عن عدد آيات سورة "ص"، بلغت فيها الآيات التى تشتمل على حرف الصاد 13 آية.. فالإحصاء الدقيق يثبت أن سورة "ص" هى صاحبة الرقم القياسى بين سور القرآن التى اشتملت على هذا الحرف، وهذا – بتعبير الباحث - سر اختصاصها بمفتتح حرف الصاد فى الآية الأولى منها.
ونفس الأمر يتكرر فى سورة "ق"، فهى صاحبة الرقم الأكبر فى عدد الآيات التى تشتمل على هذا الحرف، إذ ورد فى 34 آية من إجمالى آياتها الـ 45، فهناك سور مثل الذاريات والطور والنجم والقمر والرحمن والواقعة والقلم والحاقة، عدد آياتها تزيد على آيات "ق"، لكن تتفرد هذه الأخيرة بأن حرف القاف هو الأعلى والأكبر فى آياتها، وهذا هو سر اختصاص السورة بمفتتحها واسمها.
وقس على ذلك حرف النون الذى تفتتح به سورة "القلم"، فقد ورد الحرف فى 50 آية من بين 52 هى عدد آيات السورة.. ولذلك فإن "سر اختصاص سورة القلم بورود حرف النون مستقلا فى بدايتها أن القلم ورد بها عدد آيات تشتمل على حرف النون أكثر من سور القرآن التالية وعددها 46 سورة، فقد وردت فى كل من هذه السور عدد آيات تشتمل على حرف النون أقل من عدد الآيات التى تشتمل عليها سورة القلم، أى أن جميع هذه السور لم تصل عدد آياتها التى تشتمل على حرف النون إلى 50 آية مثل سورة القلم، وهذا هو سر اختصاص السورة بأن تبدأ بحرف النون مستقلا فى الآية الأولى منها.
ولك أن تعرف كذلك أن عدد الآيات التى تشتمل على حرف النون فى جميع سور القرآن تبلغ 5751 آية من إجمالى عدد آيات القرآن وعددها 6236، أى أن هناك 485 آية لم يرد بها حرف النون، مع العلم أن جميع سور القرآن ورد بها حرف النون مركبا مع كلمات القرآن، ولا توجد سورة خالية من حرف النون.
(3)
أما ما يسميه المفسرون بسور الحواميم، أى السور السبع التى تبدأ بحرفى "حم"، فيورد الباحث بشأنها تلك الإحصاءات المدهشة:
أول السور التى تبدأ بالحرفين "حم" هى سورة "غافر" وعدد آياتها 85 آية، وهى السورة رقم 40 من سور القرآن، وعدد آياتها التى ورد بها الحرفان "حم" جاء على النحو التالى: حرف الحاء 41 آية وحرف الميم 83 آية.
سر اختصاص سورة غافر بالبداية الهجائية "حم" أن عدد الآيات التى تشتمل على الحرفين "حم" فى هذه السور أكثر من عدد الآيات التى تشتمل على نفس الحرفين فى كل سورة من السور التالية لها وعددها 68 سورة بعد تخطى سور الحواميم الست التالية لها وهى: فصلت، الشورى، الزخرف، الدخان، الجاثية الأحقاف.. وهذه السور التى تبدأ من سورة محمد إلى الناس كل سورة منها تقل فى عدد الآيات التى تشتمل على الحرفين "حم" عن آيات سورة غافر.. مما يؤكد خصوصيتها بذلك المفتتح.
سورة الزخرف هى السورة الوحيدة التالية لسورة غافر التى ورد بها عدد آيات تشتمل على حرف الميم (88 آية) أكثر من آيات حرف الميم فى سورة غافر (83 آية)، وسبب ذلك أن سورة الزخرف من السور التى تبدأ بالحرفين "حم" مثل سورة غافر.
وبنفس تلك الدقة الإحصائية يحلل الباحث مفتتح سورة النمل "طس"، فيذكر أن عدد آياتها 93، وعدد الآيات التى ورد بها الحرفان "طس" كالتالى: حرف الطاء 21 آية، وحرف السين 61 آية، ومن ثم فإن عدد آياتها المشتملة على الحرفين أكثر من السور التالية لها وعددها 87 سورة.. فمثلا سورة الصافات يبلغ عدد آياتها 182، أى أكثر من النمل، إلا أن الآيات التى تشتمل على الحرفين "طس" فى الصافات أقل (18 آية بها حرف الطاء و60 لحرف السين) وهذا يوضح سر ورود الحرفين "طس" فى بداية سورة النمل واختصاصها بهذا المفتتح.
وهو السر العددى ذاته لورود "ألم" فى بدايات سور ست هى البقرة وآل عمران والعنكبوت والروم ولقمان والسجدة، لأن تكرار الحروف الثلاثة بها هو الأعلى بين سور القرآن.. المدهش أن هذه السور الست بينها ترتيب تنازلى فى عدد الآيات المشتملة على الحروف الثلاثة "ألم" بنفس ترتيبها فى المصحف، فأكثرهم البقرة وأقلهم السجدة.. ففى سورة البقرة نجد عدد الآيات التى تشتمل على حرف الألف (286) آية، وحرف اللام (286) آية، والميم (283) آية.. أما سورة السجدة فعدد الآيات المشتملة على حرف الألف (30) واللام (29) والميم (30).. وفى المجمل فهى السور الأكثر اشتمالا على الحروف الثلاثة "ألم" ولذلك كانت هى مفتتحها..
والحروف الأربعة "ألمص" كانت هى سر تميز سورة "الأعراف" واختصاصها بتلك البداية، فقد كانت هى الأعلى والأكثر اشتمالا فى آياتها على تلك الحروف، فمن بين آياتها وعددها 256 نجد الآتى: الآيات التى تشتمل على حرف الألف (206) واللام (204) والميم (200) والصاد (80) .
(4)
السر إذن يكمن فى الأرقام، وهى لغة لا تكذب ولا تتجمل، ومن خلالها استطاع د. محمد عبد الكريم زهران أن يتوصل إلى سر الحروف المقطعة فى القرآن، وأن يصل إلى تلك النتيجة: إن ترتيب القرآن كان وحيا من الله لنبيه وليس فيه اجتهاد لبشر، وأن تحديد عدد آيات كل سورة وعدد كلمات كل آية وعدد حروف كل كلمة وأنواع الحروف فى كل كلمة.. هى معجزة من الله سبحانه وتعالى، كما أن هذا البحث فسر لنا لماذا أتت آيات مدنية فى سور مكية، وآيات مكية فى سور مدنية بما لا يخالف السياق القرآنى، وأيضا بما لا يخالف ترتيب السور والآيات والكلمات والحروف فى المصحف الشريف، وهذا إعجاز ربانى لا يستطيعه بشر.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد