ثلاث شاعرات مصريات يرسمـــن بوح الأيام قصائد

صدق الكاتب والشاعر الإيطالى تشيزارى بافيزى حينما قال إن ممارسة الشعر مثل ممارسة الجنس لا يعرف المرء أبداً إن كانت متعتُه مُتقاسَمة، لكن بافيزى لم يكن أول من أشار ـ فى

صدق الكاتب والشاعر الإيطالى تشيزارى بافيزى حينما قال إن ممارسة الشعر مثل ممارسة الجنس لا يعرف المرء أبداً إن كانت متعتُه مُتقاسَمة، لكن بافيزى لم يكن أول من أشار ـ فى يومياته "مهنة العيش" ـ إلى ما فى الشعر والنساء من تقاربات وتشابهات ومزايا، وإلى ما فيهما من طاقة سحرية هائلة، ففى الزمن القديم عجز الرجالُ عن تصديق القدرة الهائلة للنساء على الإنجاب فآمنوا بها كطاقة سحرية لا تفسير لها، تماماً مثلما آمنوا بالطاقة السحرية للشعر، مُمَثلة فى القدرة على الخلق الفنى "الخيال" التى يقدمها الشعر للإنسان.

يعلمنا التاريخ الثقافى أن للشعر ـ كما للمرأة ـ مقاماً جذرياً رفيعاً فى تاريخ الحضارة الإنسانية، لدرجة أنهما دخلا مبكراً فى مرحلة القداسة، فالرجال عبدوا النساء فى مرحلة ما من عمر البشرية وقدسوهن على نحوٍ ما، والأرجح أن هذه العبادة لعب فيها الشعر دوراً عظيماً بوصفه أهم طرق التعبد، حين كانت البشرية تعيش فى "العصر الأمومى"، سادت الأديان الأمومية عصر ما قبل التاريخ، لدرجة أن بقاياها التى تناثرت فى عبادات كثيرة لا عند المصريين القدماء أو عند بعض العرب الأقدمين وحدهم، بل عند كثيرٍ من الأمم والأقوام القديمة تشير إلى ما فى الشعر والنساء من احترام وتقديس.

بسبب كل هذه المشتركات بين النساء والشعر لا يكون غريباً إذن ـ والحال هكذا ـ أن يوحِّد الضمير الإنسانى بين أهمية الشعر والخيال للبشر وضرورة النساء فيظل يقدسهما بطريقة ما حتى اليوم ويحتفل بهما معاً فى يوم واحد، ليكون يوم عيد الأم هو نفسه "اليوم العالمى للشعر"، منذ اعتمد "المؤتمر العام لليونسكو" هذا الاختيار ـ عام 1999 لأول مرة، وبالتالى رأينا أن نقرأ لكم ثلاث مجموعات شعرية أو بالأحرى ثلاث تجارب نسائية فى قصيدة النثر المصرية، صدرت جميعاً فى 2021، لثلاث شاعرات يكتبن قصيدة النثر ولا يزلن فى سنوات الشباب، أى أنهن يعتبرن من بنات الموجة النسائية الأحدث فى قصيدة النثر، وربما يمثلن جوانب متعددة من سماتها الشعرية والأسلوبية الحالية.

يجدر بنا فى البداية أن نشير إلى أن شاعراتٍ من أجيال سابقة ساهمن بتجارب كبيرة ومهمة فى إثراء النص الشعرى الجديد، خصوصاً فى قصيدة النثر منهن: فاطمة قنديل وإيمان مرسال وعلية عبدالسلام من جيل الثمانينيات، وهدى حسين ورنا التونسى ونجاة على وجيهان عمر وأمل جمال.. وغيرهن من جيل التسعينيات، الذى جاء بعده جيل: عزة حسين وزيزى شوشة وسارة عابدين وهدى عمران ومروة أبوضيف وإسراء النمر..وغيرهن الكثيرات، وبالتالى نحن نعتبر التجارب الجديدة التى نقرأها هنا امتداداً ـ بشكل أو بآخر ـ لهذه التجارب السابقة، مع العلم أننا ندرك أن الجيل الجديد تقدم ـ ولا شك ـ خطوة إلى الأمام على مستوى البناء الشعرى والانحياز إلى الغرائبى وغير المألوف والهامشى فى كثير من الأحوال.

فما الذى قدمته التجارب الشعرية الثلاث التى نقرأها من سمات تجعلها تختلف عن الأصوات الشعرية التى سبقتها؟.. وهل هناك قدر من التماهى بين التجارب والأجيال.. هل استطاعت شاعرة ما من جيل سابق أن تتناسل سماتها الأسلوبية فى قصائد شاعرات من أجيال لاحقة؟ أم أن التجارب الجديدة مُنبتَّة الصلة مع ماضيها، تكتب لغة وقاموساً وصوراً وتلتقط العالم من زواياها الاستثنائية، التى تجعلها تجارب فريدة وبعيدة عن ماضيها؟..

لقد كان لافتاً بالنسبة لى أن واحداً من هذه الدواوين الثلاثة هو "يُشبه القاهرة" للشاعرة منة أبوزهرة صدر عن دار نشر خاصة هى "الكرمة للنشر" بغلافٍ أنيق من تصميم الفنان كريم آدم، بينما الديوانان الآخران:"بحة فى عواء ذئب" للشاعرة آلاء فودة، و"الاعتراف خطأ شائع" للشاعرة رضا أحمد، صدرا عن "قطاع النشر العام"، فى الهيئة المصرية العامة للكتاب التابعة لوزارة الثقافة، بغلافين من تصميم الشاعر سمير درويش، فى حين أن كثيراً من السمات يمكن أن تجمع بين قصائد ثلاثتهن، على الأقل على مستوى الشكل، فكلهن يكتبن قصائد تعتمد على السطر الشعرى، الذى توافق عليه غالبية شعراء القصيدة الجديدة، بينما تختلف بطبيعة الحال كل شاعرة فى قاموسها كما فى السبل التى تقودها إلى الكتابة والمداخل الشعرية التى تخصها.

 مُزعجٌ كالقاهرة

ديوان "يشبه القاهرة" للشاعرة منة أبوزهرة، واحد من هذه التجارب التى يمكن أن نعتبرها تجربة أولى ناجحة لشاعرة شابة، ليس فقط لأنه إصدارها الأول، لكن لأنها ـ على ما يبدو ـ لم تستغرق وقتاً فى كتابة شعر الفصحى بأشكاله التقليدية مثل العمودى أو التفعيلى، وأنها على الأرجح التحقت مبكراً بكتابة قصيدة النثر، وهذا الجيل من الشعراء يمكن تعريفه بأنه ذلك الجيل الذى لم يكن أبناؤه بحاجة إلى التخلى عن الوزن أو الإيقاع الخليلى العربى القديم، فقد ولدت قصائدهم نثرية بعدما مهد شعراء آخرون الأرض وحرثوها، فى المقابل يعتبر هذا الجيل هو جيل الصورة السينمائية فى الشعر، جيل التشظى والانفلات والتخلى بحكم انتمائه ـ شاء أم أبى ـ إلى عالمنا الما بعد حداثى، وإن كانت تقنيات التقطيع والمونتاج لا تزال عالقة به، إلا أنها تقنيات غير منتشرة بين شعرائه إلا فى حدود.

منة، ولأنها درست الفلسفة فى كلية الآداب جامعة القاهرة، تبدو أكثر شاعرات جيلها ميلاً إلى مناقضة الماضى والاختلاف معه نظرياً وتطبيقياً، فهى لا تصف حبيبها مثلما فعل آلاف الشعراء والشاعرات الذين سبقوها باختيار أجمل صفات الحبيب، بل تصف حبيبها بطريقة تجعلها خارجة عن المألوف: "كان يُشبه كل شىء مزعج/ حطام المبانى/ أصوات السيارات/ اللون الرمادى/ دخان المصانع/ كان يشبه القاهرة/ بعتمته/ ورماديته"،  وبالتالى هى كائن مغترب تماماً عن واقعه، حيث تكره الأشياء الشائعة، وتشعر بالنفور من المألوف والدارج والذى يحظى برضا الجميع، كأنها معزوفة خارجة عن النطاق، رغبة جامحة فى تحقيق الذات بالشعر:

"لا أحب الأشياء الشائعة

التى يحبٌّها الجميع،

أبحثُ دائماً عن تلك المهجورة

التى لا يعرفها أحد

وأنتمى إليها

أنتمى إلى المَزهودِ فيه

الذى يسترخى منتظراً يداً تمتدُ إليه

أحب الأشياء الوحيدةَ

أنتمى للوحيدين:

أنواع الزهور النادرة

الأفلام غير المشهورة

الأشخاص الذين لا يعرفهم أحد

الكتب التى لم تدخل قائمة الأكثر مبيعاً

الموسيقى الكلاسيك التى هجرها الجميع

لكن ماذا أفعل الآن

وقد أصبحت السيمفونية التاسعة لبيتهوفن

موسيقى مُفضَّلةً للجميع؟! 

 حذرة وخطرة

أما ديوان "الاعتراف خطأ شائع" للشاعرة رضا أحمد المولودة فى القاهرة وتخرجت فى "كلية الخدمة الاجتماعية" جامعة حلوان، فقد سبق للشاعرة أن أصدرت من قبل ثلاث مجموعات شعرية: "لهم ما ليس لآذار" و"قبلات مستعارة" و"أكلنا من شجرته المفضلة"، و"الاعتراف" هو ديوانها الرابع، الذى يعتبر قصيدة واحدة طويلة، مقسمة إلى 31 مقطعاً شعرياً، تستخدم فيها الشاعرة تقنيات شعرية خاصة تجعل العالم موارباً خلف الصور المتلاحقة بمنطق شعرى، الديوان يحفل بالهزائم والقسوة والحرمان والرغبات المكبوتة التى تنعكس ايجاباً فى الطاقات التخييلية الهائلة التى تبدو نقيضاً لفكرة الاعتراف التى يحملها عنوان الكتاب، فالحقيقة هى أن الديوان لا يتضمن أى اعتراف مباشر من ذلك النوع الذى يبحث عنه القراء المبتدئون، على الرغم من أنه مبنى فى الأصل على تقنية البوح، تلك التقنية التى يعلو فيها صوت الأنا الشاعرة وتبدو بعض النصوص مثل مونولوج داخلى، لا تتوقف فيه الشاعرة رضا أحمد عن استخدام الدلالات والإيحاءات لتحوِّل البوح الإنسانى إلى مصفوفة رمزية متعددة الدلالات والرموز، فهى لن تتكلم عن الألم الذى يبدو أحد المعانى المركزية فى الديوان، بل سوف تطوف حوله بحثاً عن الشعر:

"الشعرُ يجعل الألمَ طرفة

المزاح طريقة محبَّبة لصنعِ جنازة

الهذيان أقراصاً منومةً

الحياة جلسة تعذيب طويلة بالجينات

والموت أرجوحة هادئة

تغمس الأرواح فى الهواء

فلا هى تعود تتذكر صورتها الأولى

ولا هى تبرح عيون أحبائها فى المرآة"

وبينما لم يكن لدى منة أبوزهرة أحد تهديه ديوانها الأول، أهدت رضا الديوان إلى أمها، التى تبدو شخصية ملتبسة تجمعها بالذات الشاعرة عدة منعطفات ومآسى تسم علاقة الابنة بأمها، وهى سمة يمكن ضبطها وملاحظتها فى شعرنا وأدبنا النسائى المصرى الحديث، مقابل العلاقة مع الأب مثلاً لدى بعض الشعراء، حيث تكشف الشاعرة جانباً من علاقتها بالأم، وتكشف للقارئ نواياها الشعرية من أول صفحة، حيث يقول الإهداء:

"إلى أمى

الهزائم ليست جديدةً عليّ

تعرفين

أنتِ عزيزةٌ على الندمِ

ولا أملك أن أفسد ذاكرتَك فى البحث عني

وسط أكوام الأخطاء التى اقترفتيها وأبي

سأحاول أن أكون حذرةً

وخطرة".

 عواء ذئب

أما ديوان "بحة فى عواء ذئب" للشاعرة آلاء فودة ـ وهو الأول لها على ما أعتقد ـ فيتضمن إهداء إلى الأب والأم ورامى وابنتيها ميرال ولمى و"إلى الطريق حتى تنفد خطواته"، لكنه لا يتضمن أى عواء، والشاعرة تخرجت فى كلية الصيدلة جامعة الإسكندرية 2013، وهذا الديوان سبق أن فاز بجائزة أخبار الأدب العام 2018، وتبدو قصائدها متأثرة جداً بعملها، فتجد كثيراً من المفردات التى تكشف دورها كطبيبة وموظفة حكومية أيضاً، كما تجد فى بعض عناوين القصائد: "دورق الخسارات، كتالوج، ملح الرغبة، دمٌ ومِلح وماء"، كما نجد اهتماماً لافتاً بحضور العالم مثلما نجد اهتماماً بتفكيكه وإعادة ترتيبه من جديد:

"دماؤنا التى ستتناثرُ على مرآةِ السائق

هى مصدرٌ نظيف ومتجدد للطاقة

اشحنوا عرباتكم بها

وغنوا وأنتم فى الطريق

فربما يحن كلاكس لحنجرته القديمة".

هنا القصيدة تلح على فهم صورة شمولية للعالم، والشاعرة تخاطبنا بهذه الصيغة أحياناً فى نص "إعادة الحياة" حين تقول "العالمُ كُله مُعادٌ من قبل"، وهى قصيدة تنفر فيها الذات الشعرية من التكرار واللاجدوى، وتصب جام غضبها على التطور التكنولوجى الحديث، الذى خرب فينا أشياء كثيرة، وهى حين تشعر بالضجر لدرجة أنها تشعر أنها حين تضحك يتصدع زجاج الميكروباص وتتناثر ضحكاتها على الأسفلت:

"أضحكُ كى تضيع قصيدة من بين أنيابى وتبتلعنى المفردات

أضحك لأدرب غمازتين على الغرس وشفتين على التمدد

أضحك ليغتسل الملكوت من دمه

ثلاث مرات فى اليوم

ليتعانق سيفان ناصعا البياض

بدون غمد

ورغماً عن أنف فارسيهما

فتتسع الحلبة لأطنان من أزهار الرومانيا

ويستخلص الموسيقيون مقاماً جديداً

من تقبيل سيف لأخيه السيف

أضحك ليتمشى "سيرتونين" فى دمي

وتأكلنى خلية جائعة

ضلت طريقها لمنفذ فى قلب قديم".


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - أطفال النول

تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...

«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

هند مختار: أكتب لمتعتى الشخصية

أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...

التأمل.. تجربة الصمت والهدوء الممتع

تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...