السوشيال ميديا بين حرية التعبير وفوضى الربح السريع

لم يعد استخدام السوشيال ميديا كما كان قبل سنوات قليلة. ما بدأ كوسيلة للتواصل وتبادل المعرفة، أصبح اليوم في كثير من الأحيان سباقًا محمومًا نحو “الترند” والربح السريع، حتى لو كان ذلك على حساب الحقيقة أو القيم أو حتى حياة الآخرين.

الدكتور/ عمرو الغفاري
دكتور الحاسبات والمعلومات والذكاء الاصطناعي

 

ومن موقعي كأستاذ في هندسة الحاسبات، أرى أن المشكلة لم تعد تقنية بحتة، بل أصبحت مزيجًا معقدًا من الخوارزميات والسلوك البشري.

الخوارزميات التي تدير منصات مثل Facebook وTikTok وYouTube لا تميز بين “محتوى مفيد” و”محتوى ضار”، بل تعتمد على التفاعل. أي شيء يجذب الانتباه ينتشر، وأي شيء ينتشر يمكن تحقيق الربح منه. وهنا يبدأ الانحراف.

أولًا: مصر… التريند على حساب الإنسان

في شبرا الخيمة – محافظة القليوبية – يناير 2026، انتشر فيديو اعتداء على فتاة بشكل واسع عبر مواقع التواصل. خلال ساعات، تحولت الواقعة إلى مادة للتداول والترفيه عند البعض، حيث أعاد آلاف المستخدمين نشر الفيديو دون أي اعتبار لخصوصية الضحية أو حالتها النفسية.

هذا المثال يكشف جانبًا خطيرًا، وهو أن بعض المستخدمين لم يكتفوا بالمشاهدة، بل شاركوا في نشر المحتوى بهدف زيادة التفاعل على حساباتهم، وبالتالي تحقيق أرباح أو شهرة سريعة.

وفي واقعة أخرى نشرتها اليوم السابع بتاريخ 21 أغسطس 2025 – القاهرة، تم الكشف عن شبكات تقوم بانتحال شخصيات مشاهير على مواقع التواصل لجمع تبرعات وهمية من الجمهور.

هنا لم يعد الأمر مجرد “محتوى تافه”، بل تحول إلى جريمة رقمية منظمة هدفها الربح بأي وسيلة.

ثانيًا: الوطن العربي… كل منشور له ثمن

في تقرير نشرته سكاي نيوز عربية بتاريخ 29 ديسمبر 2025 – أبوظبي، تم تسليط الضوء على ظاهرة “تسليع المحتوى”، حيث أصبح النشر على السوشيال ميديا مرتبطًا بحسابات الربح، وليس القيمة.

كما شهد عام 2025 انتشارًا واسعًا لمحتوى الفضائح والخلافات الشخصية بين المشاهير، حيث يتم تضخيم الأحداث وتحويلها إلى “قصة يومية” لجذب المشاهدات.

منصات مثل TikTok لعبت دورًا كبيرًا في ذلك، حيث تفضل الخوارزميات المحتوى المثير حتى لو كان سطحيًا أو مضللًا.

ثالثًا: أوروبا… السعي وراء التريند قد يقتل

في بريطانيا – وبالتحديد مدينة لندن – عام 2024، تم تداول عدة حوادث مرتبطة بما يُعرف بـ “تحديات السوشيال ميديا”، حيث يقوم الشباب بتقليد سلوكيات خطيرة فقط للحصول على مشاهدات. بعض هذه التحديات أدى إلى إصابات خطيرة، بل ووفيات.

كما نشرت هيئة BBC تقارير متعددة تحذر من انتشار هذه الظاهرة، مؤكدة أن خوارزميات المنصات تدفع المستخدمين إلى تقليد المحتوى الأكثر انتشارًا دون التفكير في العواقب.

رابعًا: الولايات المتحدة… عندما يتحول الكذب إلى صناعة

في الولايات المتحدة – 2023 إلى 2025، انتشرت ظاهرة “المحتوى المزيف” أو ما يُعرف بـ Fake Content، حيث يقوم بعض صناع المحتوى بنشر قصص غير حقيقية أو تمثيل مواقف إنسانية بهدف تحقيق مشاهدات بالملايين.

وقد كشفت تقارير نشرتها The New York Times أن بعض الحسابات تحقق آلاف الدولارات شهريًا من هذا النوع من المحتوى، رغم أنه مبني على الخداع.

بل إن الأمر وصل إلى استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لتزييف الصوت والصورة، مما يجعل التمييز بين الحقيقة والخيال أكثر صعوبة.

التحليل الأكاديمي… أين تكمن المشكلة؟

من منظور هندسي، الخوارزميات مصممة لتعظيم “الوقت الذي يقضيه المستخدم على المنصة”.

لكن من منظور إنساني، هذا يعني أنها تدفع نحو:
• المحتوى الصادم
• الأخبار المثيرة
• الفضائح
• الكذب أحيانًا

أي أن النظام يكافئ السلوك الخاطئ دون قصد.
المشكلة الحقيقية ليست في التكنولوجيا، بل في تفاعل الإنسان معها.
المستخدم الذي يسعى للربح السريع سيجد دائمًا طريقة لاستغلال النظام، والمنصة ستساعده دون أن تقصد.

ومن هنا عزيزي القارئ
نحن أمام واقع جديد
السوشيال ميديا لم تعد مجرد وسيلة، بل أصبحت “اقتصادًا رقميًا” قائمًا على الانتباه
لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا.. هل كل ما يحقق مشاهدة يستحق أن يُنشر؟
الحل يبدأ من الوعي فكل مشاركة، كل تعليق، كل مشاهدة.. هي قرار إما أن تدعم محتوى هادف أو تساهم في نشر الفوضى الرقمية.

وفي النهاية..
التكنولوجيا لن تتغير من تلقاء نفسها لكن المستخدم هو من يحدد اتجاهها فإما أن تكون أداة بناء أو وسيلة هدم.. ونحن من يختار

 

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

د.هند بداري

المزيد من مقالات

الفضيلة والتجارة والإدارة والحكايات مقررات التلاميذ في مصر القديمة

دراسة أثرية للدكتور على سرحان عن التعليم في مصر القديمة تؤكد أن العلم والمتعلمين احتلوا منزلة لا تساويها منزلة في...

السوشيال ميديا بين حرية التعبير وفوضى الربح السريع

لم يعد استخدام السوشيال ميديا كما كان قبل سنوات قليلة. ما بدأ كوسيلة للتواصل وتبادل المعرفة، أصبح اليوم في كثير...

المرأة في قلب نموذج الاستدامة المصري

لم تعد معادلات القوة في النظام الدولي تُقاس فقط بحجم الموارد أو القدرات العسكرية، بل بمدى قدرة الدول على إدارة...

الوحدة وسط الزحام: لماذا نشعر بالفراغ في أكثر الأماكن ازدحاما؟

في بعض الأيام تمتلئ البيوت بالأصوات، وتمتلئ المجالس بالأحاديث، وتمتلئ الصور بالابتسامات، ومع ذلك قد يشعر أحدنا بفراغ داخلي لا...