عائد خصباك: محفوظ أمسك بياقة قميص سعيد الكفراوى غضبا لأم كلثوم

القاهرة تبقى.. «قاهرة نجيب محفوظ».. ليس هناك من يرسم تفاصيلها غيره فى أوائل السبعينيات جاء الروائى والقاص والناقد العراقى عائد خصباك إلى مصر وأقام فيها عاما ونصف

القاهرة تبقى.. «قاهرة نجيب محفوظ».. ليس هناك من يرسم  تفاصيلها غيره

فى أوائل السبعينيات جاء الروائى والقاص والناقد  العراقى عائد خصباك إلى مصر وأقام فيها عاما ونصف العام بعد أن حصل على زمالة دراسية فى جامعة القاهرة، بعد تخرجه فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب بجامعة بغداد، وقد ارتبط خصباك بصلات ووشائج وصداقات وطيدة مع مبدعى جيل الستينات فى مصر مثل إبراهيم أصلان ويحيى الطاهرعبد الله وأمل دنقل وصبرى حافظ وسعيد الكفراوى وعبد الحكيم قاسم  وإبراهيم منصور، وغالى شكرى، والكاتــــب الصحفــــى سامـــــى خشــــبة،

وفى القاهرة كان أصدقاء خصباك   هم دليله إلى نجيب محفوظ وعالمه، وحين أصدر خصباك كتابا يروى فيه ذكرياته وحكاياته عن القاهرة التى تحتل قطعة من قلبه عنونه ب "مائة ليلة وليلة. . أيام العراقى فى قاهرة نجيب محفوظ" باعتبار أن محفوظ وإبداعه العظيم هما عنوان  للقاهرة يدل عليها  ويقود إلى أسرارها ومسالكها ودروبها،

ولخصباك الحاصل على الدكتوراه والذى يعيش فى ألمانيا منذ عقود فى تغريبة طالت إبداع متنوع ما بين الرواية مثل سوق هرج والمقهى الإسبانى والصغار والكبار والقمر الصحراوى،  والقصة مثل شرفة زينب الجزار والموقعة والنقد مثل باب السيف.

كان مقهى ريش شاهدا على مواقف وأحداث تظل خالدة وباقية بين محفوظ وتلاميذه من أبناء جيل الستينات، شارك فيها خصباك ليتذكرها ويحدثنا عنها فى حوار ممتد عن أيامه وذكرياته مع صاحب نوبل،.. فلننصت إذن للدكتور خصباك وهو يتحدث عن  الكبير نجيب محفوظ..

 أول لقاء  مع  صاحب نوبل

يسرد عائد خصباك فى البداية عددا من الحكايات والذكريات المهمة والدالة حين كان يرتاد مقهى ريش كل يوم جمعة، وهو الموعد الأسبوعى الذى لم يخلفه محفوظ أبدا  فى الذهاب للمقهى.. يقول خصباك:

عرفتُ مقهى ريش جيدا، عرفتُ الداخل  من مريديه من الأدباء والشعراء والصحفيين والعاملين فى السينما والإذاعة والتليفزيون، وعرفت من غادره الى وجهة أخرى.

كان هو ملاذى حين دخلت القاهرة أول مرة قبل منتصف سبعينات القرن الماضى، لأكمل دراستى فى جامعة القاهرة بعد البكالوريوس، لكن الذى حصل أننى لم أنل شهادتى العليا من جامعة القاهرة فقط، الشهادة العليا حصلتها من "مقهى ريش" ممهورة بتوقيع كل من التقيت بهم هناك، فكانوا أصدقائى: نجيب محفوظ، يحيى الطاهر عبد الله، أمل دنقل، محمد البساطى، عبدالحكيم قاسم، إبراهيم منصور، غالب هلسا، سعيد الكفراوى، غالى شكرى، سامى خشبة، وغيرهم كثيرون.

حصل أنى فى الأسبوع الأول أو الثانى، لم أحضر يوم الجمعة، فقال لى يحيى الطاهر عبد الله، قد سجلناك غائبا، لأنك لم تحضر عصر يوم الجمعة، وهو موعد وصول المعلم نجيب محفوظ. قلت : وهل يحضر إلى ريش؟ قال: كل جمعة فى السادسة، قلت: لن أفوّت ذلك مستقبلا. فكان ذلك بالفعل.

قدمنى يحيى الطاهر عبد الله، الى نجيب محفوظ، وفور سماعه باسمى قال: هل تربطك صلة قربى بصديقنا شاكر خصباك؟ قلت هو عمى، الأخ الأصغر لأبى. قال: كان صديقى وصديق عبد الحميد جودة السحار، وكنا نلتقى كثيرا أثناء إكمال دراسته هنا فى القاهرة.

فى جلسة ذلك اليوم، تحدث يحيى الطاهر عبد الله عن مجموعته القصصية الشهيرة "حكايات للأمير حتى ينام"، والخطة التى اتبعها لإكمال عمله هذا، والأستاذ نجيب محفوظ أعطاه أذنًا صاغية، وبعد الحديث قرأ يحيى واحدة من الحكايات، يحيى لا يقرأ قصصه أو حكاياته مستعينا بالورق، لا، هو يقرأها من خزينه العميق وشفاهًا، ولو أطلق له العنان لسطّر لك الحكايات كلها، ومن دون تلكؤ، ولكن ما أطلق الجو المحيط له العنان.. فتوقف، لأن أحاديث الآخرين ونقاشاتهم أخذت منحى مختلفا. إطار حكايات الأمير جديد وأسلوبه فيها مختلف، ما كتب مثله يحيى من قبل. بدأ بكتابة الحكايات مطلع السبعينات وربما قبل ذلك لكنها طبعت سنة 1978.

عند التاسعة بالضبط، غادر الأستاذ نجيب محفوظ المكان، وغادر بعض الحاضرين أيضًا وقسم آخر وقف على الرصيف، أمام ريش، يكملون حديثًا مع أصحابهم  لم يكن قد انتهى بعد.

 محفوظ يقبل يد محسنة توفيق

يضيف عائد خصباك: بعد ذلك بأسبوعين أو ثلاثة، حصل أن رأيت الفنانة محسنة توفيق، وكنت أعرفها عن طريق فيلم العصفور الذى رأيته قبل سنوات، وقد حصل ذلك اللقاء بشكل لم أكن أتوقعه.

وصل نجيب محفوظ مقهى "ريش"، الساعة السادسة بالضبط، وبعد ساعة من وصوله مرّت من أمامنا على رصيف الشارع القريب الفنانة محسنة توفيق، ومحسنة توفيق احتلت قبل هذا مكانها داخل قلوب العرب بشخصية "بهية" فى فيلم "العصفور" للمخرج يوسف شاهين، وما كانت بعيدة عن شخصيتها الحقيقية والتى توصف بالثورية والمناضلة، فقد اعتقلت فى عهد الرئيس عبد الناصر مع من اعتقل من المفكرين والكتاب اليساريين، ولطالما صرحت أن الثورات تقوم بها الشعوب وليس الأشخاص من يقومون بها، وأمضت فى المعتقل سنة ونصف السنة.

كان الأستاذ نجيب جالسًا، ومحسنة توفيق وقفت فى مكانها على الرصيف وكان المارة يعبرون على جانبيها، صاحت بدهشة، كما لو كانت غير مصدقة: أستاذ نجيب! تقدمت قليلًا فقام الأستاذ نجيب من مكانه ودفع كرسيه إلى الوراء قائلًا: الله! ست الكل! أهلًا وسهلًا. صافحها ورفع ظهر كفها إليه وطبع فوقه قبلة.

كان هناك من يعرفها من الجالسين معرفة شخصية، عرفت ذلك من خلال طريقة الترحيب بها وردّها على التحية، لكن لم يحصل أبدا أن فعل أحد، كما فعل الأستاذ نجيب، لم يأخذ أحد ظهر كفها ويطبع عليه قبلة.

هل حصل ذلك بشكل عفوى أم كان رسالة موجهة للحاضرين وغير الحاضرين، تعلن موقف محفوظ  الصريح فى إعلاء مكانة المرأة ودورها فى جميع مجالات الحياة؟

  هدية التلاميذ للأستاذ

يواصل عائد خصباك حديث ذكرياته فى حضرة نجيب محفوظ فيقول:

فى يوم جمعة آخر، وصلت مقهى "ريش" قبل السادسة وسبقنى إلى هناك كل من إبراهيم أصلان ويحيى الطاهر عبد الله وأمل دنقل وسعيد الكفراوى وإبراهيم منصور وغالب هلسا، وكان واضحًا أن هناك مناسبة، وإبراهيم منصور ما أراد أن تعبر دون أن يقدم هو والحاضرون من الأصدقاء فى مقهى "ريش" هدية تليق بمقام الأسطى أو المعلم أو العم نجيب محفوظ.

ما وصل نجيب محفوظ الى المقهى بعد، لكن إبراهيم منصور خطف رجليه وراح إلى مكتبة مدبولى فى ميدان طلعت حرب، غير بعيد عنا، وعندما عاد كانت معه نسخة من رواية "ثرثرة فوق النيل"، وضعها على الطاولة وفتحها على الصفحتين اللتين فيهما عنوان الرواية الداخلى وقال: من يريد أن يوقع هنا فليوقع، وأخرج قلما وكان هو أول الموقعين وتتالت التوقيعات وتسابق القوم فى ذلك.

وصل الأستاذ نجيب وجلس والصفحتان المتقابلتان من رواية "ثرثرة فوق النيل" غطتهما التوقيعات تقريبًا وإبراهيم قال: بالمناسبة يا أستاذ هذا الكتاب هدية منا "نحن أبناؤك" لك ويسعدنا أن تقبلها منا.

ثم جاء العم فلفل الجرسون إلى محفوظ بالقهوة دون السؤال عما يطلبه لأنه كان كما يبدو واضحا أنه يعرف ما يريد، وضع كوب القهوة أمامه على الطاولة، وقال لإبراهيم: عتبى عليك يا أستاذ إبراهيم لأنك ما دعوتنى أن أفعل ما فعله الآخرون، الأستاذ نجيب على راسى من فوق، صحيح ما قرأت كتبه مثلكم لكنى شاهدت أفلامًا مأخوذة من القصص التى يكتبها.

العم فلفل الجرسون كان قبل هذا يراقب المشهد من مكانه عند الباب المؤدى لداخل المقهى، والزبائن أمامه يغادرون كراسيهم، فى هذه الطاولة أو تلك ويذهبون إلى حيث الكتاب المفتوح، يوقعون ثم يعودون إلى كراسيهم.

 قال إبراهيم: تعال وقع هنا، أنت الأصل يا عم فلفل. قال العم فلفل الجرسون: أنا لا أوقع، أنا أبصم.

 سؤال عن سعيد مهران

يواصل عائد خصباك: كان قد لفت نظرى أن نجيب محفوظ لم يكتب سيناريوهات رواياته للسينما، فقد  كتبها آخرون، لكن الأستاذ نجيب كتب سيناريوهات لروايات غيره من الكتاب ومنها "لك يوم يا ظالم، ريا وسكينة، الوحش، شباب امرأة، بين السماء والأرض، جعلونى مجرما" وغيرها من الأفلام.

أما رواياته التى تحولت إلى أفلام سينمائية "بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، اللص والكلاب، خان الخليلى، ثرثرة فوق النيل، وسواها فقد كتب سيناريو كل منها غيره من كتاب السيناريو.

السؤال المهم: أيهما كان أكثراستفادة من الآخر: السينما أم نجيب محفوظ، قد يقول قائل: أسهمت السينما من خلال الكثير من الأفلام فى ذيوع شهرة نجيب محفوظ بين الأوساط كلها، "لا أعنى بالطبع بين المثقفين والكتاب ومحبى الأدب" بمعنى أن الكثير من المصريين وغير المصريين لم يقرأوا رواياته وإنما تعرفوا عليها من خلال مشاهدة أفلام السينما.. وللسينما جمهورها العريض وقلما يتوافر لنص أدبى قراء عددهم كعدد جمهور السينما، ومحفوظ قال مرة: السينما وسيلة فعالة فى الوصول إلى الناس ممن لم أكن سأصل إليهم بالأدب، وهذا حقيقى وربما يصلح كإجابة على ذلك السؤال حول إسهام السينما فى الترويج لأدب محفوظ عند بسطاء الناس وعامتهم،

وأذكر أنه ذات يوم جمعة فى "مقهى ريش" بعد السادسة مساء، كان الأستاذ نجيب فى مكانه المعتاد من الجلسة، وحوله كثير ممن اعتادوا الجلوس معه، فى ذلك اليوم تقدم منه شخص كان مارًّا على الرصيف المحاذى للمجتمعين، وهذا الشخص شأنه شأن الجموع العابرة من هناك وبالصدفة رأى ذلك الشخص نجيب محفوظ فعرفه، وفى الحال تقدم إليه وألقى التحية قائلًا بعدها: بعد إذن حضرتك وبقية الحضرات، ممكن أسألك سؤال يا أستاذ؟

قال الأستاذ نجيب: تفضل.

قال الرجل: يا أستاذ، ليه خليت "سعيد" فى فيلم "اللص والكلاب" يموت بعد ما حاصرته الشرطة؟ كان ممكن تكون النهاية أخفّ شوية، ده سعيد غلبان وضحية لظروف قاسية، هو اتسجن أربع سنوات، بسبب وشاية من صاحبه، وأنت سيد العارفين، حتى يبعده، وبعد أن يبعده، يقوم هو يستولى على ماله وحلاله. يا أستاذ، بعدما خرج سعيد من السجن شاف العالم كله تغيّر، الصديق بقى عدو والحبيب خائن، حتى ابنته لم تعرفه، تصوّر، هوّ بقى مش سعيد يا أستاذ، هوّ تعيس وتعيس أوى، ورؤوف مش رؤوف، هوّ أصبح شرير وقاسى، والنبى يا أستاذ، سعيد ما يستاهلش يموت، كان يمكن هناك حل تانى.  وصمت نجيب محفوظ ولم يرد.

 محفوظ يغضب لأم كلثوم

كان نجيب محفوظ عاشقا كلثوميا كبيرا..  هذه مسألة يعرفها الكافة ولدرجة أنه حين أراد هيكل أن يظهر لمحفوظ مدى محبته له واعتزازه به دعا أم كلثوم لتحضر احتفال الأهرام بعيد ميلاده الخمسين . . لكننا لم نتصور أن يذهب إعجاب نجيب محفوظ بعبقرية أم كلثوم الغنائية إلى   درجة أن يغضب وينفعل بل و"يتعصب" حين يقول أحدهم رأيا سلبيا فيها.. لكن هذا ما حدث بالفعل وتؤكده تلك القصة العجيبة التى كان عائد خصباك شاهدا عليها.. ويرويها لنا:

غادر الأستاذ نجيب محفوظ مقهى "ريش" مبكراً على غير عادته، كنت أثناء ذلك مسرعًا لألحق ما تبقى من الجلسة هناك، رأيته من مكانى يعبر الشارع وكنت قاب قوسين أو أدنى من الجالسين هناك، وقبل أن أجلس قام سعيد الكفراوى من مكانه على عجل، فقد سمع الأستاذ نجيب محفوظ يناديه من هناك فلم يرد علىّ السلام.

فى العادة الأستاذ نجيب يغادر "ريش" فى تمام التاسعة لكنه غادرها اليوم قبل ذلك بأكثر من ساعة، وأنه  لم يمش على الرصيف المحاذى لـ ريش ويأخذ طريقه سيرًا على الأقدام باتجاه ميدان التحرير كعادته، هذه المرة عبر الشارع إلى الجهة المقابلة. سألت عفيفى مطر: فيه حاجة؟ لم يجبنى وظل نظره مشدودًا إلى هناك حيث الأستاذ نجيب وهو يكلم الكفراوى، ما كان الأستاذ مرتاحًا وسعيد أثناء ذلك ما كانت له جرأة النظر فى عين معلّمه. قال أمل دنقل لى: خليك برّه وبعيد. قال إبراهيم منصور لأمل: قل له اللى حصل لكنه لم يقل. أما بقية الحضور فكأن الطير على رؤوسهم، ثم عرفت ما جرى قبل أن أصل فقد انشغل سعيد الكفراوى ومحمد عفيفى مطر وقلّة آخرون بالكلام، والأستاذ نجيب جالس يسمعهم جيدا ولا يتكلم، كانوا منشغلين فى تقييم الغناء المصرى، واعتبروه سببًا يضاف إلى أسباب أخرى مهمة فى التمهيد لنكسة يونيو 1967، وعندما وصل الأمر بسعيد وعفيفى إلى ضرب الأمثلة، تردد على لسانهما كثيرًا اسم "أم كلثوم"، كانت وجهة نظر سعيد الكفراوى أن حكام مصر شجعوا هذا الغناء، لما له من تأثير سلبى على الغالبية العظمى من الشعب، فليس هناك فى تقديرهم حاجة لتغييب الوعى أفضل من تلك الآهات والإنسحاقات، أم كلثوم فى نظر الكفراوى الحالم بعالم جديد،  والمتحمس للتغيير، فى رأيه أن أم كلثوم هذه هى مطربة قادمة من زمن الباشوات، تطلق تلك الآهات حتى وهى تمجد ذات الرئيس.

أثناء ذلك راقب الأستاذ نجيب الموضوع وراقب المتكلمين، وقلّب النظر وانتظر أن تطوى هذه الصفحة إلى غيرها فما طويت وتمادى البعض فى كلامه، شحب وجه الأستاذ  ودخن سيجارة فى غير موعدها فما عادت له القدرة للمضى فى الاستماع، حاسب النادل وأسرع بعبور الشارع الى الجهة المقابلة.

وهناك الآن عبر الشارع، وقف سعيد أمام نجيب محفوظ بعدما ناداه وقال  الكفراوى لمحفوظ: أأمر يا فندم. قال الأستاذ نجيب بصوت غاضب، وقد قبض على ياقة قميص سعيد وهزها بشدة: إياك، أنت وعفيفى مطر تشتموا أم كلثوم أمامى مرة ثانية، فاهم. بعد ذلك أنزل كفه من ياقة القميص وتابع المسير.

بدا الكفراوى وهو متجه ناحيتنا كأنه فى مهب ريح عاصف، وبدا أيضًا مثل من يريد أن يربط دماغه فى أى كرسى فارغ بيننا حتى لا ينفصل دماغه عنه، كان سعيد وقد غضب معلمه من تصرفه ونزقه، فى حالة إحباط وشرود وانعدام تركيز.

تهاوى فوق أقرب كرسى فارغ متشبثًا بطرف الطاولة، وبدا كما لو أنه انفرط تمامًا فاستحال على المرء تجميعه، ونطق سعيد بصوت مكتوم: روّحنى يا عفيفى.

لا يحتاج الأمر إلى من يشرح لمعرفة ما جرى هناك عبر الشارع، قال إبراهيم منصور: تستاهل يا كفراوى، تعيش وتاخد غيرها. وراح يضحك ضحكة ما وجدت لها صدى بعد فقال أمل دنقل: اسكت يا إبراهيم، مش عيب عليك تضحك وسعيد بهذه الحال!  قال أمل لإبراهيم: أنت وجدتها فرصة وجاءت لحد عندك فقعدت تشمت بسعيد. قال إبراهيم: هو أنت حريص على سعيد أكثر مني! أعرف أنه صاحبك، بس هو صاحبى كمان وصاحبى أكثر مما هو صاحبك، ولكى أثبت لك هذا، فأنا من سيسعى لتسوية هذا الموضوع وسنعتبر كلنا اللى فات مات. صحيح يا سعيد؟ ومن مكانه قال سعيد: بسرعة والنبى يا إبراهيم. وإلى عفيفى قال سعيد: إحنا صحيح زودناها حبتين. قال عفيفى: قل حبّات يا سعيد. وأضاف عفيفى: يللا بينا يا جماعة نروح نرمم ما تهدم من سعيد فى "الكوزموبوليتان" فلا شىء يصلح الآن لترميم سعيد إلا خمارتها، قال إبراهيم منصور وأمل دنقل وأنا: عين العقل.

 كلام فى السياسة

كان نجيب محفوظ يحب أن يسمع الجميع.. ولم يكن يعلق كثيرا غير أنه  كان يتكلم ويعبر عن رأيه بكل قوة إذا ما تطلب الأمر ذلك. . كما لاحظنا فى حكاية غضبه من سعيد الكفراوى بسبب إساءته لأم كلثوم.. وكان يضحك كثيرا ويعلق إذا ما قال أحدهم نكتة أو "إيفيها" وهو ما  يؤكده ذلك التعليق الذى قاله محفوظ ليحيى الطاهر عبد الله.. يتذكر عائد خصباك:

حضر الأستاذ نجيب إلى مقهى "ريش"، يحضر الأستاذ نجيب فى السادسة ويأخذ مكانه المعتاد أو الذى ترك فارغًا ليشغله متى وصل، وما تأخر عن موعده مرة، أرى وجوها اعتدت رؤيتها كل يوم جمعة، ومنها من أراها بين حين وآخر وأخرى ما رأيتها من قبل، وأنا ما تخلفت مرة إلا قليلًا فى الحضور.

بإمكان أى شخص أن يبدى رأيه فى موضوع، أو يشارك فى نقل خبر أو مناقشة أمر أو حدث إلى آخر ذلك، والأستاذ نجيب يسمع ويسمع ويبدى رأيا مقتضبًا أو يكتفى بالسماع ولا يعطى رأيًا، وعندما يحصل أن تلقى نكتة أو شىء من هذا القبيل، فإنه يضحك لها، ويضحك بعمق أحيانا.

على جانبيّ سعيد الكفراوى على اليمين ويحيى الطاهر عبد الله على الشمال، قال أحدهم: أستاذ نجيب من فضلك، سمعت أن المشير عبد الحكيم عامر لم تعجبه  رواية "ثرثرة فوق النيل" بتاعة حضرتك، لأنه رأى شخصيته مجسّدة فى واحدة من شخصيات الرواية، ولم يتمالك غضبه فرفع سماعة التليفون على الرئيس جمال عبد الناصر، وأدلى برأيه فيك، وطلب من الريّس أن يأمر بسجنك لكن الريّس قال: إحنا عندنا كام نجيب محفوظ يا عامر!

قال يحيى الطاهر مخاطبًا ذلك الشخص منزعجًا: يظهر أنك نسيت حاجة يا أخ، الريس قال: وإحنا عندنا كام نجيب محفوظ وكام يحيى الطاهر عبد الله! ضحكنا وضحك نجيب، ونجيب قال بعد ذلك: أنت مهم عندنا يا يحيى، مهم أوى.

وهنا استوقفنى أن محفوظ لم يعلق على   موقف عبد الحكيم عامر وتربصه به بسبب ثرثرة فوق النيل فقلت لعائد خصباك : هل كان محفوظ ينأى عن الكلام فى السياسة فى جلساته معكم على مقهى ريش وأجاب :ليست مواقف نجيب محفوظ السياسية تقتصر على ما يصرح به وهو بين أصدقائه ومحبيه فى المقهى، أستطيع القول إن مواقفه التى يصرح بها تلك نادرة الحدوث مع أن أغلب المجتمعين حوله يتحدثون فى السياسة والأدب، هو يستمع بالدرجة الأولى، لكن رواياته زاخرة بالمواقف السياسية، والمواقف من رجال السياسة، ولنا فى رواية" ثرثرة فوق النيل" مثال واضح وبيّن وصريح، وتلك المواقف فى رواياته، استفزت رجالا فى السلطة، وفى بعض المؤسسات.

 القاهرة  "المحفوظية "

قلت للدكتور عائد : عنوان كتابك الجميل الشهير"مائة ليلة وليلة / أيام العراقى فى قاهرة نجيب محفوظ". هو عنوان يعنى كثيرا ومزيدا من المحبة والتقدير لمحفوظ غير انه يعنى أيضا أنك تعتبره رمزا للقاهرة المدينة بناسها وشوارعها وأزقتها وحاراتها ومقاهيها، ليتك تحدثنا عن هذا الرابط المهم والحقيقى بين محفوظ والقاهرة، هل ترى أن رواياته قد عبرت بصدق عن القاهرة؟ حدثنا كثيرا عن هذه الزاوية المهمة فى إبداع محفوظ.

ويجيب خصباك:

تدور أحداث قصص نجيب محفوظ  ورواياته غالبا فى الحارة المصرية، وبشكل خاص فى رواياته  الواقعية الأولى التى تنتهى مرحلتها بثلاثيته، لذلك ارتبطت القاهرة به، كما ارتبطت إسطنبول بالتركى أورهان باموك، أو دبلن عند جيمس جويس، أو باريس عند بلزاك،  ذلك   لم يرتبط مكان بأديب، مثلما ارتبطت القاهرة، وبشكل خاص القديمة، بأحيائها وشوارعها وحاراتها وأزقتها، بكل ما احتوته من أحداث وشخصيات. بنجيب محفوظ.

وبرغم ثراء شخصيات روايات نجيب محفوظ، إلا أن الأماكن لعبت أدوارا لا تقل عن أدوار الشخصيات الإنسانية، فاختيار أسماء شوارع وأحياء وحارات من صميم القاهرة كعناوين "لخمس روايات لنجيب محفوظ"، لم يأت اعتباطا، ففى القاهرة تبدو المناطق التى اختارها لأحداث رواياته، متفاعلة ومشاركة، وليست مجرد عناوين، فتبدو وكأنها أحد أبطال العمل القصصى، بل ربما يمكن أن نطلق على كل مكان منها لقب البطل الأكبر وإن لم تجر على ألسنتها ثمة جمل حوارية.

كانت أولى الروايات التى حملت اسم منطقة فى القاهرة هى رواية "خان الخليلى" سنة 1946 ثم رواية "زقاق المدق" 1947وبعد ذلك الثلاثية "بين القصرين، قصر الشوق، السكرية"، وكان ذلك فى عامى 1956 و 1957.

ومع أن الحال قد تغير عما ورد فى تلك الروايات، فلم يعد خان الخليلى حيا سكنيا بالمرة، وهو الذى كانت قد آوت إليه أسرة الموظف أحمد عاكف هاربة من جحيم غارات الحرب العالمية الثانية التى امتدت إلى القاهرة وضربت حى السكاكينى ثم إلى حى خان الخليلى الملاصق لمسجد الحسين.

ومع أن القاهرة الفاطمية التى شغلت ومازالت تشغل المبدعين فى كل فن، صارت مركزا تجاريا تتلاشى فيها الحياة الاجتماعية يوما بعد يوم، إلا أن القاهرة تبقى لمن أحب نجيب محفوظ وقرأ رواياته، هى قاهرة نجيب محفوظ، ليس هناك من يرسم تفاصيلها غير هذا الكاتب الذى التحم بأزقة مدينته وحواريها، لتبقى الى الأبد خالدة بخلود تلك الروايات.

قررت مرة أن أذهب لأرى بنفسى"زقاق المدق"ذلك الذى وضع له نجيب محفوظ عنوانا لروايته، وكانت مفاجأة لى أن أرى الزقاق لا يتعدى طوله العشرة أمتار، وأنت تدلف إليه من شارع الصناديقية ولكن الأستاذ نجيب وصفه: تنطبق شواهد كثيرة بأن زقاق المدق كان من تحف العهود الغابرة، وأنه تألق يوماً فى تاريخ القاهرة المعزية كالكوكب الدرى.

لكن الشخصيات التى جسدها نجيب محفوظ من محيط هذا الزقاق هى التى تجعلنا نظن أنه حارة عملاقة تمتد فى قلب قاهرة محفوظ، لكن كما نعلم، المساحات والمسافات لا تقاس بالخطوات، فهذه المنطقة بكل امتداداتها بداية من باب الفتوح وحتى باب زويلة، وإن تبدو قريبة ويمكن أن تقطع المسافة سيرا متواصلا على قدميك فى وقت قصير، فلن تستطيع أن تحيط بالشبكة العملاقة المتداخلة بين الشوارع والحارات والأزقة، مهما تحاول لن تستطيع بالرغم من بساطة المبانى وكثرة المعالم البارزة من مساجد وأسبلة وتكايا ووكالات وخانات.

ولأن فى غوص محفوظ فى القاهرة وحواريها وأزقتها غوص آخر فى الشخصية المصرية  سألت عائد خصباك عن المرأة فى أدب محفوظ فأجاب:                                              

لقد صور نجيب محفوظ  شخصياته بأكثر من طريقة، فمرة نجد المرأة مثلا، تعنى مصر، ممثلة فى  شخصية المرأة تلك، وهى الصورة المتكررة بدءا من رواياته التاريخية الى حميدة فى"زقاق المدق"، وزهرة فى "ميرامار" واضحة فى رمزها.

رمز المرأة يتجلى أكثر فى رواياته  من الرجل.

أخيرا سألت عائد خصباك : هل ترى ثمة تشابه بين محفوظ وشخصية أو شخصيات من أبطال رواياته أو من قابلتهم فى زياراتك المختلفة لمصر؟ فقال أنا أؤمن أن فى كل رواية، لا بد أن يلقى كاتبها بظلاله، على هذه الشخصية أو تلك، هذا طبعا، إذا لم تكن هناك شخصية بكاملها تمثل الكاتب نفسه، وما الشخصية الرئيسية فى رواية "السكرية" لنجيب محفوظ، الّا خير مثال لهذا، الشخصية هذه بطابعها العام ورسمها الدقيق، فى الخارج والداخل، و أفكارها وتطلعاتها، ما هى إلا صورة من الكاتب نفسه.

انتهى الحوار.. ولا يزال الكلام فى حضرة نجيب محفوظ.. موصولاً.. فانتظرونا فى الحلقة القادمة.


 	محمود مطر

محمود مطر

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة