فاروق سلامة: اكتشفت عدوية.. وأنا الملحن الحقيقى لأغنية"السح الدح إمبو"

مثلما ارتبط "الناى" باسم عازفه الأشهر محمود عفت، وارتبط "الساكسفون" بسمير سرور، و "الجيتار" بعمر خورشيد، و"الكمان" بأحمد الحفناوى، و"الرق" بحسن أنور، و"القانون"

مثلما ارتبط "الناى" باسم عازفه الأشهر محمود عفت، وارتبط  "الساكسفون" بسمير سرور، و "الجيتار" بعمر خورشيد،  و"الكمان" بأحمد الحفناوى،  و"الرق" بحسن أنور، و"القانون" بمحمد عبده صالح.. فإن آلة "الأوكورديون" تظل النموذج الأبرز والأهم، فإذا ذُكرت فلابد أن يُذكر اسم فاروق سلامة، فهو ليس أشهر من حملها وعزف عليها فقط، بل لأنه صاحب الفضل فى تحويلها إلى آلة شرقية، إذ كان أول من أضاف لها "الربع تون"، لتشدو بعدها بنغمات شرقية ساحرة انتزعت إعجاب أم كلثوم، لتسمح لفاروق سلامة وآلته بالجلوس بين "عتاولة" فرقتها الموسيقية، ليقدم صولوهات ما زالت تخطف القلوب والأسماع.

وكأنه جاء إلى الدنيا لكى يعزف، فقد كانت المزيكا هى قدره المكتوب على الجبين وهو جنين فى بطن أمه، فأبوه حافظ سلامة كان من أبرع عازفى "الترومبيت" فى زمنه، وهو نفسه عازفها الذى ظهر فى لقطة لا تُنسى وراء الأستاذ عبد الوهاب فى أغنية "عاشق الروح"، أحد أجمل أغانى فيلم "غزل البنات"، وهو نفسه ملحن أغنية "معانا ريال" لأنور وجدى والطفلة المعجزة فيروز.

بعد سنوات من العمل فى كازينو "بديعة"، أشهر مؤسسة فنية حينها، التحق حافظ سلامة بدار الأوبرا، وكان من طقوسه أن يعزف يوميا لمدة ساعة فى البيت كنوع من التمرين، ولا بد أن طفله الصغير كان يجلس مستمعا ومستمتعا، ولا بد أن تلك الأنغام المسحورة سكنته وسحرته، فراح يكتشف سرها بنفسه.

فى سنوات طفولته جرّب فاروق سلامة العزف على كل الآلات الموسيقية، من البيانو إلى الكمنجة، وجاء له والده بمدرسين ليعلمونه العزف، وفى سن العاشرة كان قد استقر واتخذ قراره الأخير، إنه "الأكورديون"، الذى رآه لأول مرة فى الأفراح الشعبية، ورغم ثقله وصعوبته وتراجعه فى قائمة الأهمية بين الآلات الموسيقية إلا أنه وحده الذى وقع الصبى فاروق سلامة فى سحره، فارتبط به وأصبح لا يفارقه، ومن فرط عشقه له سعى إلى تطويره ليحظى بما يستحق من تقدير، وحاول كثيرا أن يتوصل إلى طريقة تضيف إليه الربع تون الشرقى، حاول وفشل ولكنه لم ييأس أبدا، إلى أن جاءه الحل على بحر الإسكندرية وبفضله.

وقتها كان قد سافر إليها عازفا فى حفل جماهيرى تحييه هدى سلطان وعبد المطلب وشكوكو، ولاحظ أن رطوبة البحر غطت أجزاء من آلته بطبقة من الصدى، فحمله بعد عودته للقاهرة لصاحب ورشة موسيقية فى باب اللوق لإصلاحه، وعندما كان الأسطى يجلو الصدأ فوجئ مع استخدامه  أن رطوبة البحر أضافت إليه الربع تون، ليتغير تاريخ الآلة وصاحبها.

ومع نغمات الأكورديون الشرقية الجديدة بدأ تألق فاروق سلامة، فانضم إلى فرقة أم كلثوم، وكان العزف وراء الست هو منتهى أمل كل عازف، وشارك بصولوهاته المميزة والمتفردة فى 12 أغنية لكوكب الشرق بداية من "سيرة الحب" من تلحين بليغ حمدى وحتى "من أجل عينيك" للسنباطى، وبينهما تلك الدرر الفريدة من ألحان عبد الوهاب: أمل حياتى، فكرونى، هذه ليلتى، ودارت الأيام، أغدا ألقاك.. ومع بليغ: بعيد عنك، فات المعاد، ألف ليلة وليلة.. ودرة الشيخ سيد مكاوى اليتيمة "يا مسهرنى".

لم يتوقف طموح فاروق سلامة عند العزف، حتى لو برع فيه، فنافس كبار الملحنين وحقق نجاحا لافتا فى ألحانه الشعبية التى تغنى بها نجوم فى قيمة شريفة فاضل وصباح ومحرم فؤاد وميادة الحناوى وسميرة سعيد وطلال مداح.. وكاد لحنه.

"يا نعمة النسيان" تغنيه أم كلثوم لولا أن قدر الله كان أسبق، فذهبت إلى ميادة الحناوى.

ببساطة يحكى لك عن قصة اكتشافه لسلطان الأغنية الشعبية أحمد عدوية وكيف حوّل مسار حياته..كيف كان "وش السعد" على آخرين مثل صديقه عازف السكسافون الشهير سمير سرور.

رحلة طويلة قطعها فاروق سلامة، وتجربة غنية عاشها أتاحت له أن يكون فى قلب الوسط الغنائى،  مشاركا وفاعلا وشاهدا وصديقا لنجومه ونجماته، ولذلك فإنه عندما يحكى فإنه يتكلم بعيون من رأى لا من سمع، ومن هنا تأتى أهمية تلك الشهادة لفنان مبدع يعرف من الأسرار ربما أكثر مما ينبغى.

فى بيته بالهرم جلست أستمع إلى حكايات عم فاروق، كان يحكى ببساطة مدهشة وتلقائية آسرة، وتتدفق منه حكاياته بغزارة وخفة دم.

ملك الأكورديون يحكى، فلنستمع إلى أجمل صولو:

(1)

أنا ابن شارع  "محمد على"، فيه عشت وتعلمت ومنه خرجت وتخرجت، وأقول ذلك بكل فخر، فهذا الشارع كان "مدرسة" خرج منها عمالقة الغناء والموسيقى، وكان مقصدا لكل موهوب، وملتقى لكل المبدعين.

عشت فيه أجمل سنوات عمرى،  وكانت لى شقة أسكنها مع أمى وزوجتى، وكنت لا أنام من كثرة الشغل: أفراح، حفلات، كازينوهات.. وعزفت وقتها مع أشهر الفرق الموسيقية زى فرقة صلاح عرام وفرقة عطية شرارة والفرقة الماسية.

قصاد بيتنا فى شارع محمد على كان فيه فندق متواضع يقيم شاب صغير فى إحدى حجراته،  كان يعزف على "الرق"، ولمست فيه ذكاء وموهبة وطموح، وكان ينتظرنى على باب الكازينو الذى أعمل فيه ويسألنى: أنت رايح فين؟، فإذا كنت مرتبطا بفرح أو حفلة آخذه معى، وهمس لى مرة أن صوته حلو ولديه رغبة فى الغناء، ولما سمعته وجدته موهوبا حقا، وتبنيته فنيا وتحمست له، وإلى جانب العزف بدأ يقول مواويل فى الفواصل، حاجة لرشدى، حاجة لمحرم فؤاد، وكنت أصحبه بالعزف على الأكورديون.

ثم لحنت له الأغنية التى كانت سبب سعده ولفتت الأنظار إليه: السح الدح إمبو.. ولى الفخر أننى كنت أول من اكتشف أحمد عدوية وساهم فى صناعة أسطورته.

خلينى أقول لك إنى لفيت على كل شركات ومنتجى الكاسيت بأغنية "السح الدح إمبو" فلم يتحمس لها أحد، كلهم رفضوها فى البداية وقالوا كلامها غريب وغير مفهوم، وكمان لم يعجبهم اللحن.. وأصابتنى حالة من الإحباط، حتى أننى قلت لعدوية: سيبك من الأغنية دى وخلينى أعمل لك واحدة جديدة.

وقتها سافرت إلى بيروت فى شغل، وفوجئت بعدوية، واستضفته ونزل معى فى الفندق، وكان محجوز لى "سويت"، ومن جديد كانت الأغنية تلح عليه وطلب إننا نحاول فيها تانى، وهو نازل مصر قابل ملحن مغمور اسمه الشيخ طه، قال له: فيه شركة إنتاج جديدة اسمها "صوت الحب" وأنا أعرف صاحبها عاطف منتصر، تعالى معى نروح نقابله.

وفعلا راحوا قابلوه، ومن حسن حظ عدوية يومها وجود الشاعر الغنائى الكبير مأمون الشناوى، وكان هو مستشار الشركة، وبحس فنى عالى وبخبرة جواهرجى أدرك أنه أمام موهبة كبيرة، فطلب من عاطف منتصر إنه ينتج الأغنية ويتعاقد مع عدوية، وقال له: "الأغنية دى ح تكسر الدنيا".. وقد كان.

الغريب أنهم نسبوا لحن الأغنية للشيخ طه، رغم أنه يعرف وعدوية يعرف أننى ملحنها الحقيقى،  ولم أغضب منه ولم أقاضيه لإثبات حقى، كان كل ما يهمنى أن الأغنية تظهر للنور وتوصل للناس أكثر من أى شىء آخر.

 (2)

كانت الأغنية  "وش السعد" على عدوية بعد أن كسرت الدنيا بلغة السوق، فأصبح مطلوبا فى الأفراح، وبدأ اسمه يلمع كمطرب شعبى له لون مميز، وقتها كلمت له صديقى سيد مجاهد صاحب كازينو "رمسيس" لتكون له فقرة ثابتة، ووافق بالفعل لكنه جعل فقرة عدوية فى العاشرة مساء وهو وقت "ميت" بالنسبة لزبائن الكازينوهات، حيث لا يبدأ الشغل الحقيقى إلا فى الواحدة بعد منتصف الليل..وافق عدوية على مضض، ورجعت كلمت سيد مجاهد تانى ليؤخر طلوعه على المسرح، وحاولت إقناعه بأن هذا المطرب الشاب له أغنية مكسرة الدنيا وبقى مطلوب بشدة فى الأفراح، وفعلا استجاب لطلبى.

ربنا فتح بعدها على عدوية، وكان يحيى فى الليلة خمسة أفراح، وكان معترفا بدورى فى هذا التحول فى حياته وممتنا.. والحق إنه كان ابن أصل ولا ينسى من ساعده، فجاءنى عارضا علىّ أن أعزف معه بالأكورديون، لكنى اعتذرت رغم العائد الكبير، إذ كنت مشغولا وقتها بالحفلات الخاصة للأمراء والأثرياء، ورأيت أن الشغل مع عدوية سوف يعطلنى.

وزى ما كانت "السح الدح إمبو" وش الخير على عدوية، تكرر السيناريو لما عملت "آلو يا مانجة" لمطرب شعبى آخر هو كتكوت الأمير.. بعدها انهالت عليه الأفراح والحفلات واشتغل فى "الأريزونا".. وبعد شهرين بقى فى حتة تانية خالص.

وعملت لعدوية بعدها لحن "سلامتها أم حسن" من كلمات حسن أبو عتمان، وأنا فاكر أن الكوبليه الأول من الغنوة جاء عدوية ليحفظه فى بيتى بشارع محمد على، وفاكر كويس أن فى هذا اليوم كانت زوجتى "رباب" تعانى من المصران الأعور وقاعدة تصرخ فى حجرتها من الألم، وكنت أنا وعدوية قاعدين فى الصالة نشتغل، ولازم أعترف أن عدوية شخص فى غاية الذكاء وله قدرة خاصة على الحفظ والاستيعاب ربما تفوق المتعلمين.. عنده ذكاء ربانى مدهش.

المدهش أكثر أن الغنوة لما سجلناها وأذيعت وحققت نجاحا فوق التصور، فوجئنا بمن يعطيها أبعادا سياسية، وأننا نقصد بها معانى لم تخطر لنا على بال.. وارتبطت عندى "سلامتها أم حسن" و"كله على كله" بانتصارنا فى حرب أكتوبر.

وتحول عدوية إلى ظاهرة كبيرة لفتت الأنظار، بما فيها نظر الأستاذ عبد الوهاب.. كان ساعات وقتها يعزمنى على الغدا، وساعات نتقابل فى مناسبات، وأفاجئ به يميل علىّ ويقول لى همسا: والنبى يا فاروق سمعنى سلامتها أم حسن!

ورغم أن عبد الوهاب كان ضد اللون الذى يقدمه عدوية، بل وكان من المحاربين لوصوله إلى الإذاعة والقنوات الرسمية، لكنه فى قرارة نفسه وبحس الفنان كان يدرك أنه فن شعبى حقيقى وله جمهوره.. وأنه سيعيش طويلا.

ورغم المنع الرسمى، إلا أن شرايط الكاسيت كانت كفيله بأن تحمل صوت عدوية إلى كل مكان وكل شارع فى مصر.. فالممنوع مرغوب.

وحاولت السينما أن تستغل نجاح عدوية، وتسابق المخرجين والمنتجين للاستعانة بعدوية وأغانيه فى أفلامهم، يعنى مثلا عملت له أغنيتين فى فيلم "المتسول"، وباعتراف النجم الكبير عادل إمام فإن"صحصح يا معلمه" و"إحنا معلمين" كانا من الأسباب القوية فى نجاح الفيلم والدعاية له.

كل الأغانى اللى لحنتها لعدوية كانت تليق على صوته وطريقته ولونه الشعبى، يعنى من الأغانى اللى نجحت لنا وقتها: "طالبينك بالحلال"و"أديك تقول ماخدتش"..والمؤكد أن نجاح عدوية الكبير فى هذا اللون الشعبى أغرى كبار الملحنين إنهم يلحنوا له، ومنهم بليغ حمدى.

وكان بليغ من الذكاء إنه قبل ما يلحن لعدوية "بنج يا واد يا بنج" طلب إنه يسمع ألحانى له، وكمان كان معجبا بلحن "يا ليل يا باشا يا ليل" لمحمد عصفور.

لازم أقول إن الشهرة والفلوس لم يغيرا عدوية، ظل هو الإنسان البسيط الجدع ابن البلد التلقائى.. أنا فاكر إنه كان عندى شقة فاخرة فى الزمالك، فقلت لعدوية: ما تيجى تأجرها وتسكن فى الزمالك، وفعلا اتفقنا على إيجار 300 جنيه شهريا، وهو مبلغ كبير بحسابات تلك الأيام، لكنه بعد 6 شهور لقيته جاى يقول لى: لا يا عم..دى غالية علىّ!

ولا تزال حكايات ملك الأكورديون مستمرة.

 


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد