ألقى الله محبتها فى قلب الإمام الحسين، فكانت ابتسامتها الوضاءة كفيلة أن تواسيه وتنسيه همومه وتربت على قلبه، فيأنس إليها ويُسر بها وتسكن روحه، فكانت بحق.. سكينة. فهى
ألقى الله محبتها فى قلب الإمام الحسين، فكانت ابتسامتها الوضاءة كفيلة أن تواسيه وتنسيه همومه وتربت على قلبه، فيأنس إليها ويُسر بها وتسكن روحه، فكانت بحق.. سكينة.
فهى بنت الحسين وقرة عينه وبلسم همه، تعلق بها وتعلقت به، فكانت وهى طفلة تشم ريحه قبل إيابه، فتكون أسرع أهل بيته إليه، تستقبله بابتسامتها وظرفها ومرحها وبراءتها، فإذا بالإمام العائد بهموم تنوء منها الجبال وقد صفى قلبه وذهب كدره ونسى همه.
وعوتب الإمام من فرط تعلقه بها وإسرافه فى الأنُس بها، ومحبته الخاصة لأمها، فكان يعترف بهذا التعلق ويفتخر به، ونُسب إليه قوله:
لعمرى أننى لأحب دارا / تكون بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل كل مالى / وليس لعاتب عندى عتاب.
(1)
و"الرباب"، أم سكينة، تزوجها مولانا الحسين وهو ابن 18 سنة، ضمن أغرب وأسرع زواج جماعى فى تاريخ الإسلام، فقد حدث فى خلافة عمر أن دخل مجلسه رجل بهى الطلعة، شديد المهابة، تعلقت به أنظار الجالسين وكان بينهم كبار الصحابة وفى القلب منهم الإمام على وابنيه الحسن والحسين، ولم يكن أحد فى المجلس يعرف هذا القادم الغريب، فإذا به امرؤ القيس الأمير الشاعر وسيد قومه "بنى كلب"، وجاء ليعلن دخوله وقومه فى دين الله، فعقد له عمر اللواء على قومه وأقره سيدا عليهم تعظيما لمكانته، حتى قال واحد من الحاضرين متعجبا لهذا المشهد: "والله ما رأيت رجلا لم يصل لله ركعة قط أُمّر على جماعة من المسلمين قبل امرؤ القيس".
ولما انصرف امرؤ القيس من مجلس عمر تبعه الإمام على ومعه ولداه، وكان الإمام يعرف مكانته وقيمته ونبله، ولما لحقه استوقفه وقال له: أنا على ابن عم النبى وصهره، وهذان الحسن والحسين أبنائى من بنته الزهراء، وقد رغبنا فى صهرك فانكحنا ".. وهل هناك من يرفض مصاهرة آل بيت النبى، وبلا تردد وافق امرؤ القيس بل وحدد لكل منهم من تصلح له من بناته: أنكحتك يا على ابنتى "المحياة" وأنكحتك يا حسن ابنتى "سلمى" وأنكحتك يا حسين ابنتى "الرباب"!
لم تستغرق الخِطبة سوى دقيقة، أما الزواج فقد تأجل لعام ونصف العام لظروف قاهرة، إذ كان زلزال اغتيال الخليفة عمر وتوابعه، ثم خروج الحسين للجهاد مع جيش المسلمين فى أفريقيا، ولما عاد وأصبحت الظروف مواتية تم الزواج وعُقدت المصاهرة التى اختارها الإمام على وسعى إليها وثبت أنه كان مُلهما فيها ، فكانت "الرباب" نعم الزوجة لسبط النبى، وتقول كتب المؤرخون الثقات أنها يوم تزوجت الحسين كانت "غضة الصبا طرية العود، مليحة وضاءة، ذكية الملامح مرهفة الحس، بادية الاعتزاز بشخصيتها وأبيها".. وفوق ذلك فإنها أحبت الحسين لحد العشق، حتى أنها ماتت بعد عام واحد من استشهاده فى كربلاء.. من فرط حزنها عليه.
وأنجبت الرباب للإمام أكبر أولاده "عبدالله" الذى كنى به فصار "أبو عبدالله الحسين"، وكان عبدالله ممن حضر كربلاء وقاتل مع والده واستشهد معه.
وأنجبت له أحب بناته "سكينة"، والحق هو لقبها أو الاسم الذى اشتهرت به، أما اسمها الحقيقى فهو "آمنة"، على اسم جدتها الكبرى "آمنة بنت وهب" أم النبى ، لكن "سكينة" هو اسمها الذى ذاع وعرفت به، ويُنطق بضم السين وفتح الكاف وتشديد الياء، لكن المصريين خففوه وجعلوه سكينة بفتح السين وكسر الكاف، وكأنما أرادوا بها تلك السكينة التى تغشى القلوب وتطمئن بها القلوب، وهكذا كانت سكين الصغيرة لوالدها الإمام، "أحب أهل الأرض إلى أهل السماء اليوم" كما وصفه عبدالله بن عمرو.
لم تحدد كتب الرواة تاريخا لميلادها، ولكن أستاذتنا بنت الشاطئ لجأت إلى حل ذكى لتحديده، وذلك من خلال تاريخ وفاتها الذى يُجمع المؤرخون أنه كان فى سنة 117 هجرية، ولما كان الراجح أنها عاشت سبعين عاما، فيكون تاريخ ميلادها فى العام 47 هجرية على الأغلب، أى أنها ولدت بعد سبع سنين من استشهاد جدها الإمام على فى الكوفة.
(2)
شبت سكينة أميرة متوجة فى بيت أبيها الإمام، وأحاطت بها منذ صغرها هالات الشرف النبوى حسبا ونسبا، وفى حين كان للحسين سلطانه على القلوب فإن سكينة كان لها سلطانها على قلب الإمام.. ولكن سنوات "السكينة" لم تطل، فبدأت نذر المحنة بكلمة خرجت من فم الحسين عندما جاءه رسول الخليفة معاوية يطلب منه البيعة لابنه يزيد، فرد الإمام: مثلى لا يبايع مثله، ومن حينها بدأت المطاردات الشرسة لانتزاع البيعة من الإمام، الذى لم يجد حلا مع إصرار والى المدينة الوليد بن عتبة، ترغيبا وتهديدا، سوى أن يحمل أهله ويذهب إلى مكة لأداء شعائر الحج والأنس ببيت الله الحرام.
كانت سكينة حينها قد بلغت الرابعة عشرة من عمرها، وصارت صبية فاتنة الحسن، هفت إليها القلوب وخلبت العقول وصارت حديث مكة، بل إن بنات مكة صرن يقلدنها فى أناقتها، وأصبح شاغلهن البحث عن سر فتنتها، يقول الرواة: اختلفت الآراء فى تحديد هذا السر وذهبت فيه كل مذهب، فمن قائل إنه أُنس المحضر وظرف الحديث وسرعة البديهة والذكاء اللماح، وآخر يرجع به إلى حسنها الفريد وأناقتها الساحرة، وثالث يرده إلى ما حف بها من عظمة الأبوة وجلال النسب وسنا النبوة، ورابع يراه فى هذا كله مجتمعا، وخامس يحسبه جاذبية خاصة ليست مما يُحدد او يُفسر أو يُضبط".
وفى حين كانت أنظار شباب مكة معلقة بتلك الصبية الشريفة الهاشمية الحسناء، وفى حين كانت قريناتها من بنات مكة يحسدنها على الجمال والحسب والنسب، فإن قلب سكينة نفسها كان مثقلا بهموم أكبر من عمرها، وبالها مشغولا بوالدها الإمام فى صراعه المحتدم مع الباطل، وفى الثمن الذى عليه أن يدفعه ليصدح بكلمة الحق.
وما أن انتهى موسم الحج حتى كانت سكينة فى ركب الإمام المتجه إلى العراق، استجابة لما ظنه دعوات صادقة من أنصاره هناك، فإذا به يجد نفسه مع نحو سبعين من أهل بيته وأنصاره محاصرون فى صحراء كربلاء يحوطهم عشرات الآلاف من جيش عبدالله بن زياد والى يزيد على الكوفة.
واشتد الحصار وامتدت أيامه الثقيلة، وفى واحدة من لياليه تركت زينب خيمة عقيلات آل البيت وذهبت لتطمئن على شقيقها الإمام، فوجدته منكبا على سيفه يصلحه وينشد وكأنه يرثى نفسه: كل حى سالك السبيل / ما أقرب الوعد من الرحيل / إنما الأمر إلى الجليل، ثم يخبرها أنه رأى جده النبى فى المنام يخبره: إنك تروح إلينا، فأدركت زينب أنها النهاية فصاحت ملتاعة على أخيها، وجاءت العقيلات فزعات من صيحة زينب ، وبيقين الأولياء راح الحسين يوصيهن وصيته الأخيرة وكأنه يرى نهايته.
وفى ركن من خيمة والدها تكومت سكينة على نفسها تبكى فى لوعة، لا تصدق أنها يمكن أن تُحرم من هذا الرجل العظيم الذى كان لها السند والعزوة والفخر، ووصل صوت دموعها إلى الإمام، فنظر لها بإشفاق وحنو وعتاب، فلأول مرة تكون سكينة مصدر ألم له وهى التى اعتادت منذ صغرها أن تؤنسه كلما ثقلت عليه الهموم وتبدد بابتسامتها المرحة ما يكدر صفو روحه، ولا بد أن قلب الإمام كان يعتصر وهو يدنو من سكينة ويضمها بعينيه ويقول لها بشجاعة المستسلم لمقادير الله: سيطول بُعدى عنك يا سكينة، فهلا أخرتى البكاء لغد..وما غد ببعيد!
وجاء الغد ومعه الفاجعة الكبرى، ولا بد أن نهار كربلاء فى التاسع من شهر المحرم سنة 61 هجرية ظل محفورا فى ذاكرتها إلى يوم ودعت الدنيا، فقد عاشت فيه تلك المأساة المروعة، ورأت بعينيها جسد أبيها الطاهر ممزقا على الأرض ومقطوع الرأس، ولما جاء جند يزيد ليسوقوا السبايا من بنات آل البيت، اندفعت سكينة بكل عزم إلى ما تبقى من جسد أبيها الإمام وراحت تحتضنه وتبكيه وتودعه، ولولا أن الجند انتزعوها منه بالقوة لبقيت معه إلى الأبد.
فى يوم واحد فقدت سكينة 78 من آل بيت النبى، فيهم أبيها وأخوتها وأبناء عمومتها وخلصاء أبيها ممن رفضوا أن يتركوه وحده فى مواجهة الباطل.ولم يبق من نسل أبيها من الذكور سوى أخيها على زين العابدين، الذى كان مريضا يومها ولم يشارك فى القتال وحمته عمته زينب من سيوف الفجرة.
وسيقت سكينة مع ركب السبايا من بنات آل البيت، ممزقات الثياب، حافيات، حاسرات الرؤوس، ومع بؤس الموقف وشدته امتلكت سكينة الجسارة لأن تقف على رؤوس الأشهاد وفى وجه جيش يزيد وتنشد شعرا، ترثى فيه أباها سيد الشهداء وتدعو على قتلته " شر عباد الله كلهم ، نسل البغايا وجيش المرق الفسقة "لا نريد أن نستعيد تفاصيل المأساة، فهى معروفة ومتداولة، ولكننا نتوقف عند هذا المشهد المهيب الذى كانت سكينة طرفا فاعلا فيه، إذ لما سيق ركب السبايا النبوى إلى قصر يزيد فى دمشق تتقدمه رأس الحسين وآله وصحبه مرفوعة على آسنة الرماح، ولما استقر العرض المخزى أمام الخليفة، فإن واحدا من أصحاب يزيد بلغت به الوضاعة أن بهره جمال سكينة مع ما كانت عليه، وطلب من يزيد أن يمنحها له كما تمنح السبايا، فهبت له عمتها زينب وزأرت فى وجوهم فبانت لهم وضاعتهم وخستهم فسكتوا خاسئين.
(3)
عادت سكينة إلى المدينة، ولم يكن قد بقى من نسل الحسين سواها وأختها فاطمة وأخيها السجّاد على زين العابدين. ولا بد أنها عاشت أياما طويلة من الأحزان الثقيلة، سكبت فيها كل ما اختزنته من دموع وما أوصاها والدها أن تؤجله للغد.
وكان أكثر ما يوجعها حينها هى تلك الحالة الحزن الواعر التى دخلتها أمها، حتى أن هناك من أشفق عليها وراح يلح عليها أن تقبل واحدا من عروض الزواج التى وصلتها، وكانت شابة لم تزل وجميلة ومرغوبة، لكنها رفضت بحسم أن يكون لها زوج بعد الحسين وأن يكون لها حما بعد النبي، وردت ابنة امرؤ القيس: والله لا أبتغى صهرا بعدكم / حتى أغيب بين الرمل والطين.
وما هى إلا شهور حتى لحقت الرباب بالحسين الحبيب، لتتجرع سكينة مرارة اليتم كاملة.
والراجح أنها كانت بصحبة عمتها السيدة زينب عندما جاءت إلى مصر، البلد التى اختارتها ملجأ بعد أن شعر يزيد أن وجودها فى المدينة خطرا على عرشه ويؤلب القلوب ضده.
والراجح كذلك أن سكينة عادت إلى المدينة بعد رحيل عمتها السيدة زينب (شهر رجب سنة 62 هجرية) بعد نحو عام من إقامتها فى مصر.. وفى مدينة جدها أقامت فى كنف أخيها السجّاد ورعايته.. لتبدأ مرحلة جديدة فى حياة السيدة سكينة، تنتهى فى أرض مصر.. وما زال فى القصة بقية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...
تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...
شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...
إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...