محمد منصور الخط .. سفـاح «درنكة» الأشـقر

كل المصريين يعرفون "خط الصعيد"، ويعتبرون "الخط" وظيفة، لكن الحقيقة هى أن "الخط" اسم لمجرم واحد ظهر فى أربعينيات القرن الماضى فى منطقة جبال أسيوط، وعاش فى قرية "درنكة"

كل المصريين يعرفون "خط الصعيد"، ويعتبرون "الخط" وظيفة، لكن الحقيقة هى أن "الخط" اسم لمجرم واحد ظهر فى أربعينيات القرن الماضى فى منطقة جبال أسيوط، وعاش فى قرية "درنكة" واسمه الكامل "محمد منصور سر الختمة"، ثم سقطت كلمة "سر" فأصبح اسمه "محمد منصور الخت" ولأن كلمة "الخت" تعنى مخلفات الحيوانات، استبدل الناس "التاء" بالطاء، فأصبح اسمه "محمد منصور الخط" بفتح الخاء، وكان جده معلما للقرآن الكريم، وفقيها، لكن تأتى الرياح بما لاتشتهى السفن، فقد وقعت معركة بين "شيخ خفراء" قرية "درنكة" والشاب "محمد منصور الخط"، تحولت إلى "ثأر" قتل فيه رجال كثيرون، وهرب "محمد منصور الخط" وإخوته إلى مغارة فى الجبل، خوفا من الموت، وتحول الإخوة الهاربون من الثأر إلى "عصابة" وعلى التوالى قُتل الإخوة " رمضان، الرويحى، عبدالحكيم، توفيق "، ثم قتل "محمد" زعيم العصابة على أيدى "فرقة المطاردة" المكونة من رجال الشرطة تحت قيادة "الملازم محمد السعيد هلال" الذى استقال من "الداخلية" وتفرغ للكتابة الصحفية، ونشر مذكراته التى روى فيها قصته مع "الخط" الذى روع الناس فى "مديرية أسيوط"، وبلغ خبره مسامع الملك "فاروق"، قبل أن يقتله رجال الشرطة فى "أغسطس 1947".

الكاتب الراحل "صلاح عيسى"، هو من سجل قصة حياة هذا المجرم الذى روع الناس فى "مديرية أسيوط"، وفرض الإتاوات على أغنيائها، وقتل من رجالها، واغتصب من نسائها، وخطف من أطفالها، وتحول إلى  "عقدة" أصابت رجال "الأمن العام" فى "أسيوط"، لدرجة  جعلت  "ضابط شرطة" يصاب بالشلل، لما وجد نفسه فى مواجهة "محمد  منصور الخط" المجرم الذى تطارده "الداخلية"، والمصدر الذى اعتمد عليه الكاتب الراحل، هو كتاب "مذكرات" كتبها، محمد السعيد هلال، الضابط الذى كلفه "مدير أسيوط" و"حكمدار المديرية" بتعقب ومطاردة "الخط" ـ بفتح الخاءـ وهناك مصدر مساعد آخر، هو المنشور على صفحات الصحف التى كانت تتابع أخباره وتفاصيل جرائمه، ثم تحولت لنشر ما تيسر لها من سجل حياته بعد أن تمكن أفراد "فرقة المطاردة" من قتله فى حقول "الذرة الشامية" بالقرب من قرية "جحدم"، التى كان عمدتها "حمدى خليفة" يساعده ويدعمه فى ارتكاب جرائمه، ثم انقلب عليه،  فأصبح  هو "الدليل" الذى مكن "فرقة الموت" من اصطياده وقتله، وكما ذكرـ صلاح عيسى ـ فى كتابه "أفيون وبنادق" أن "الخط" حارب ثلاث حكومات هى على التوالى "حكومة أحمد ماهر باشا، حكومة النقراشى باشا، حكومة إسماعيل صدقى "وتمكنت الحكومة الثالثة من اصطياده، بعد أن دخل "الخط" فى مواجهة مباشرة مع "النظام الحاكم"، فأطلق النار على سيارة حكومية كانت تحمل "رئيس نيابة أسيوط" و"مأمور أسيوط" وعددا من رجال الأمن، وكانت هذه الحادثة هى المفجر الذى جعل "إسماعيل صدقى" يعقد اجتماعا مع كبار "وزارة الداخلية" ويلزمهم بضرورة "التخلص من صداع الخط"، الذى بلغ خبره مسامع الملك، وسخر من "مدير أسيوط" ـ الشاعر "عزيز أباظة" باشا بقوله له فى إحدى المناسبات:

قل لى ياباشا ..هو اسمه " الخط"، ولا "الحظ"؟

والسخرية واضحة فى العبارة التى نطق بها "جلالة الملك"، فهو يعنف ويسخر من "المحافظ" أو "المدير" المسئول عن "أسيوط" فيقول له ما معناه إن رجال الأمن فى "المديرية" فشلوا فى القضاء على "الخط" المجرم الذى أرهب الناس، وكأنه "محظوظ"، فهو يمرح فى "المديرية" وكأن "الحظ" هو من يدعمه ويرعاه.

وللقارئ العزيز نقول له ـ مثل ما قال صلاح عيسى فى كتابه "أفيون وبنادق": إن الصعيد فى تلك الفترة "أربعينيات القرن الماضى"، كان يعيش حالة "العنف المرتد"، ولكن صلاح عيسى فسر "العنف المرتد" فى ضوء قراءته للحياة فى قرى الدلتا، فهو رحمه الله من قرية  تتبع "ميت غمر"، لكن الصعيد كان مسرحا مهيئا للجريمة بأنواعها، فهناك الصحراء، والجبال، وهناك "الخوف" و"الثأر" و"النفوس الهينة" على أصحابها حسب قول صعيدى عاصر تلك الفترة:

كانت الأحكام ساهلة، والحكومة عاطلة، والسلاح كتير، والتيران كتير..وترجمة هذه العبارة هى أن القوانين والعقوبات لم تكن رادعة، والشرطة لم تكن قادرة على فرض سطوتها على الإقليم، و"الثأر" منتشر، لأن سكان الصعيد "عرب" والثأر عادة عربية، ومن لا يثأر لقريبه المقتول، يلقى احتقار المجتمع، وكان الواقع الاقتصادى ـ آنذاك ـ عبارة عن "باشوات وأعيان" يملكون الأراضى الزراعية، وينعمون بخيراتها، والبقية "فلاحون فقراء"، حفاة، يرتدون "الخرق القديمة"، وكان من عاداتهم أن يضعوا "الملابس" فى "فرن الخبيز" المحتفظة بحرارة عالية، حتى تقتل "القمل" و"البراغيث" المتوطنة فى ثنايا، هذه الملابس، ولم يكن هناك "تعليم" أو "ثقافة عامة"، لم تكن فى الصعيد سوى الكتاتيب التى يتعلم فيها أولاد الفقراء، حروف الهجاء ومبادئ الحساب، ويحفظون القرآن الكريم، ومن عجائب "الجريمة المنظمة" فى تلك الحقبة السوداء من تاريخ "الصعيد" أن شيخا درس فى الأزهر، وحفظ القرآن الكريم، لم يستطع الحصول على شهادة "العالمية" فعاد إلى قريته "بنى سميع" التابعة لمركز "أبوتيج" ـ أسيوط ـ وتزعم عصابة وصار من "أولاد الليل"، واسمه "الشيخ عواد صالح"!

وقرية "بنى  سميع"، منطقة عمل المجرم "الشيخ عواد"، قريبة من "درنكة"، و"جحدم" و"طهطا" و"جهينة" و"جرجا"، فهذه المناطق التابعة إداريا لمحافظتى "أسيوط وسوهاج"، يسكنها "عرب الحلف الهلالى"، و"الحلف الهلالى" يضم  العائدين من "تغريبة تونس" التى هاجروا إليها وفتحوها بتكليف من الخليفة الفاطمى "المستنصر بالله" الذى قصد من إرسال هذه القبائل إلى تونس، محاربة "المعز بن باديس" الذى أعلن تمرده على "الدولة الفاطمية"، وخروجه على مذهبها "الشيعى الإسماعيلى"، واستطاعت هذه القبائل التى تحركت تحت راية "بنى هلال" أن تقضى على تمرد "ابن باديس"، وفى حركتها نحو الماء والمرعى شرقا وغربا، عادت فروع من هذه القبائل إلى "مصر" فاستقرت فى "الفيوم، بنى سويف، المنيا، أسيوط، وسوهاج، وقنا، وأسوان"، وبقى "القتال" ملمحا من ملامح هؤلاء "العربان" واحترفوا القتل، واعتبروه صفة من صفات "البطولة"، فالفرس والبندقية ـ بديل السيف ـ والعباءة، والعصا، هى أدوات الفرسان العربان، من أفراد هذه القبائل، و"الكرامة" بوابة للقتل والثأر، فكل ما يظنه "العربى" عدوانا على "الكرامة" هو مبرر للقتل، وكل تقاعس عن "الثأر" هو "جبن وضعف" لايليق بالرجل، ومن هذه المحطة، تشكلت "عصابات أولاد الليل" فى "أسيوط" و"سوهاج" ولكن "الوحدة الاندماجية" التى تمت بين عصابتى "الشيخ عواد" و"محمد منصور الخط"، جعلت مهمة "الداخلية" صعبة، فى ظل هذا الواقع القاسى، الذى جعل الموت أسهل من الحياة، وجعل القتل عملا يوميا، لايختلف عن تعاطى "الأفيون" وشرب الشاى، فالقسوة التى فى القلوب، سهلت الموت وبررته وجعلت "أولاد الليل" هم الأبطال، الذين يحاربون "الحكومة"، ولكن "محمد منصور الخط" وجد دعما من بعض "عمد القرى"، وانضم إليه آخرون من المطلوبين للقتل فى جرائم الثأر، ولأن "جهاز الشرطة" كانت إمكاناته ضعيفة، والأهالى كانوا ناقمين على "الحكومة"، فكان قادرا على الهرب والاختفاء فى مغارات "جبل الشيخ بخيت"، الأمر الذى جعل الحكومة تستعين بقوات الجيش الموجودة فى منطقة "منقباد" حيث  يوجد مقر "قيادة المنطقة الجنوبية" العسكرية، وبالفعل، دكت "الطائرات" بعض مناطق الجبل الذى يتمركز فيه "الخط" ورجاله، وخصصت "وزارة الحربية" ألف جندى، ووضعتهم تحت تصرف "مديرية أسيوط" للمشاركة فى عملية القضاء على "الخط"، ورغم هذا كله، لم تتمكن "الداخلية" من "قنص" المجرم "محمد منصور الخط" إلا بمساعدة من "حمدى خليفة"، عمدة قرية "جحدم" التابعة  لمركز "منفلوط"، الذى سهل مهمة "فرقة الموت" واستدرج "الخط" فأخرجه من "وابور ملطى" ـ وابور مياه لرى الأرض الزراعية ـ بحيلة، قال له إن أهل الطفل الذى خطفه منذ فترة، جاءوا ليسلموه "مائة وخمسين جنيها" مقابل تسليمهم الطفل، وصدق "الخط" وكان معه "أبوالصالحين" مساعده وتابعه الأمين، وانطلقت رصاصات ستين  بندقية يحملها ستون رجلا من رجال "فرقة المطاردة" التى شكلتها الداخلية، واستطاعت قتل "الخط" و"أبو الصالحين"، وانتهت حكاية "الخط" لتتحول إلى أسطورة، ومنها خرج  فيلم "الوحش" للمخرج "صلاح أبوسيف" وقام ببطولته "محمود المليجى" و"أنور وجدى" و"سامية جمال"، ورغم هذا لم يعبر الفيلم عن "الدراما" التى صنعها المجرم "محمد منصور الخط" الذى أقام الدنيا ولم يقعدها إلى الآن!


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد