الطبلاوى.. سلطان المقرئين الأخير وصاحب «النغمة المستحيلة»

من بين عظماء دولة القرآن فى مصر، يحتل الشيخ محمد محمود الطبلاوى مكانة خاصة وتفردا ملحوظا، ليس بسبب صوته الفياض بالحلاوة والطلاوة، وأسلوبه المتفرد والذى صار علامة

من بين عظماء دولة القرآن فى مصر، يحتل الشيخ محمد محمود الطبلاوى مكانة خاصة وتفردا ملحوظا، ليس بسبب صوته الفياض بالحلاوة والطلاوة، وأسلوبه المتفرد والذى صار علامة مسجلة باسمه، وشعبيته الطاغية التى جعلت منه آخر سلاطين دولة التلاوة المصرية، أو على حد وصف أستاذنا محمود السعدنى: آخر حبة فى سبحة المقرئين العظام

ولكن فوق هذا كله وقبله، هناك تلك الصفة التى ينفرد بها بين هؤلاء العظماء، ونقصد بها ذلك الكبرياء الآسر الذى يميز شخصيته وطبعه، فلم يكن كسابقيه يغلب عليه انكسار الزاهدين، وإنما كان على العكس منهم - يحمل هذا الشموخ المدهش، العارف بقيمة مقرئ القرآن وتأثيره وفضله على الناس أجمعين.

(1)

هذا الكبرياء الآسر الذى جعله يعلن بكل فخر: أنا صاحب مدرسة فى التلاوة، ولى مئات الخلفاء من المقرئين، وبعضهم يدعى قرابتهم لى ويستخدم اسمى حتى يرفعوا من أجورهم ومكانتهم.. لكن هناك طبلاوى واحدا.. ممكن تلاقى صوت فيه ريحة الطبلاوى، لكن لا يمكن أن يصل للأصل، فلكل صوت بصمة لا تتكرر، ومن يدعى غير ذلك عليه أن يعرض نفسه على طبيب أنف وأذن ليعالج ما يعانيه من عيب فى السمع!".

هذا الكبرياء الآسر الذى جعله يفاخر بلقب  "أغلى مقرئ فى مصر" ، يوم كان أجره هو الأعلى والأغلى بين كبار المقرئين، ويقول بلا لف ولا دوران: المسألة عرض وطلب، فإذا كان الطبلاوى أجره غاليا عليك فيمكنك أن "تفكه" بعشرين مقرئا، فلا أحد يجبرك ولا "ضربك على إيدك".. ثم لماذا تريدون لمقرئ القرآن أن يكون متسولا؟.. إن من حق المقرئ أن يتقاضى الأجر المناسب، وهذا ليس عيبا ولا حراما، والنبى عليه السلام قال فى الحديث الصحيح: إن خير ما أخذتم عليه أجرا هو كتاب الله ".. ولا يستكثر على المقرئ أن يحصل على أجر أو يحرمه عليه إلا ناقم أو متشدد".

وفى حين لم يكن الشيخ (المولود فى 14 نوفمبر 1934) يخجل من نشأته المتواضعة لأسرة بسيطة فى قرية "ميت عقبة"، ومن البيت المبنى بالطوب اللبن، ومن لمبة الجاز الذى كان يحفظ القرآن على نورها الخافت، ومن الخمسة قروش التى كانت أول أجر يتقاضاه فى حياته كمقرئ وهو صبى، ولا من الحمار الذى كان يتنقل عليه بين قرى الجيزة ليصل إلى المأتم الذى سيقرأ فيه، ولا من الوظيفة البسيطة التى اضطر للعمل بها فى شركة "ماتوسيان" للدخان مقابل بضعة جنيهات ليساعد فى نفقات أسرته.. لكنه فى المقابل لم يكن يخفى ما أنعم به عليه الله بعدما ذاع صيته واشتهر، فمن البيت البسيط فى ميت عقبة انتقل إلى فيلا كبيرة بحديقة وارفة فى حى المهندسين الجديد وكان يدفع فيها 26 جنيها فى سنوات الستينيات وكان مبلغا مهولا بأرقام تلك الأيام، قبل أن يبنى عمارته فى المهندسين، ثم أخرى فى الهرم، وزع  شققهما على دستة الأبناء التى أنجبها من زيجتين.

ويقول لك إنه يركب أفخم نوع من السيارات، ويدفع أكبر ضريبة على دخله، وبلغ مجموع ما دفعه لمصلحة الضرائب فى الثمانينيات أكثر من ثلاثين ألف جنيه، وهو مبلغ خرافى لم يسبق أن دفعه مقرئ، وأنه يمتلك "شاليه" فى "بلطيم"، لكنه نادرا ما يذهب إليه خوفا من الفتنة وهربا من المعجبين والمعجبات، بعدما حرمته الشهرة من حريته الشخصية، ويحكى لك أنه نزل مرة فى أفخم فنادق سويسرا، وأراد أن ينزل إلى شاطئه الخلاب، وبمجرد أن دخل الشاطئ حتى فوجئ بمن يقول له: إزيك يا شيخ طبلاوى، وكانوا مجموعة من النزلاء العرب تعرفوا عليه وأحاطوا به وطلبوا التصوير معه، فهرب إلى حجرته وهو يداعبهم: أنتم ورايا حتى فى سويسرا؟!

ويعترف لك أنه فرحا بزفاف حفيدته (سنة 1999) اشترى لها فستان الزفاف من باريس، ومن أغلى بيوت الأزياء، وكان مرصعا بالألماس، واشترى لعريسها (وكان من أحفاده كذلك) بدلة فرح من "بيير سان كاردان"، وأقام حفل زفاف غاية فى الفخامة يليق بأحفاد الطبلاوى!

ومن باب "وأما بنعمة ربك فحدث"، يقول لك بزهو، إنه لا يعرف عدد "جوازات السفر" التى استهلكها ولا عدد الدول التى دعى إليها، بل الأسهل أن تسأله عن الدول التى لم يزرها، فيجيبك أنها: غانا وغينيا وموزمبيق، واعتذر عن السفر إليها بسبب جوها الحار ليس إلا.


ويقول لك إن الرئيس السادات تقديرا له وإعجابا بصوته - عرض عليه عضوية البرلمان، وكلف مدير مكتبه فوزى عبد الحافظ بأن يخير الطبلاوى بين عضوية مجلس الشعب أو الشورى، وكرر العرض مرتين، وفى المرتين اعتذر بحسم: سامحونى.. دى مش شغلتى!

وفى زمن مبارك، فإنه طالما اعتذر وتهرب من القراءة فى المناسبات الرئاسية، رغم رغبة الرئيس فى وجوده بالذات، فكان يختلق الحجج للاعتذار رغم محبته لمبارك، لأن موافقته كانت تعنى أن يخضع لإجراءات أمنية صعبة وغير منطقية تجبره على الحضور قبل موعد التلاوة بثلاث ساعات على الأقل!

فلم يكن الطبلاوى يسعى للشهرة بل إن الشهرة كانت هى التى تسعى إليه!.

فقد كان هو المقرئ المصرى الوحيد الذى طلبه بالاسم الملك حسين عاهل الأردن ليقرأ فى عزاء والدته الملكة زين.. وطلبه الرئيس السورى حافظ الأسد ليقرأ فى عزاء ابنه "باسل"، وكان الحسن عاهل المغرب وفهد خادم الحرمين وقابوس سلطان عمان والشيخ زايد مؤسس دولة الإمارات وجابر الأحمد أمير الكويت وعلى عبدالله صالح رئيس اليمن من سميعة الطبلاوى ومعجبيه!

بل إن شهرته تخطت الحدود، ويمكنك أن تسمع منه حكاياته ونوادره عما جرى له فى بلاد الدنيا وأربعة أركان المعمورة ، ففى المركز الإسلامى بلندن عندما سافر بدعوة منه فى شهر رمضان فوجئ بأكثر من ألفى مسلم بريطانى يحتشدون للصلاة خلفه بعد أذان المغرب، وكان على المركز أن يجهز ألفى وجبة إفطار لهؤلاء الصائمين، القادمين من أجل الطبلاوى.. وفى الهند، عندما كان ضمن وفد دينى مصرى كبير يرأسه وزير الأوقاف د. زكريا البرى، وفوجئ الوفد بآلاف المصلين بعد صلاة الجمعة، وبعد أن قرأ الطبلاوى قرآنها فسحرهم، يتزاحمون لتقبيل يد الطبلاوى والتقاط الصور معه، وسأل وزير الأوقاف بفضول: أنتم هنا تعرفوا الشيخ الطبلاوى؟، فإذا به هو قارئهم المفضل ويقتنون أشرطته بشغف، وبعد عودته أصدر وزير الأوقاف قرارا بتعيين الطبلاوى فى منصب شيخ عموم المقارئ المصرية وعضوا بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.

أما الأغرب فهم علاقة الطبلاوى بالملياردير اليونانى الشهير "جون لاتسيس" مالك أكبر أسطول للسفن فى العالم، والذى جاء مرة فى زيارة عمل لمصر (1978) للمشاركة فى تطهير قناة السويس بعد عودتها للملاحة، وأثناء وجوده بالفندق كان جهاز التليفزيون ينقل تلاوة للطبلاوى، فاستوقف الملياردير صوته وسأل عنه وطلب مقابلته، ودعاه لزيارته فى اليونان واتفق معه على أن يبدأ تدشين أى سفينة جديدة له بتلاوة للطبلاوى، كنوع من جلب البركة، وصار صديقا للشيخ ويتفاءل به وبصوته، وأحيانا كان يرسل له طائرته الخاصة ليقرأ القرآن على متن يخته الفاخر "ماريانا"، وإعجابا بالطبلاوى وتقديرا للبركة التى حلت على أعماله بفضل تلاوته قرر الملياردير اليونانى أن يبنى مسجدا فى أثينا!

(2)

فى سنوات السبعينيات، بالذات، كان الطبلاوى ينافس فى شهرته نجوم السينما والغناء والكرة.. وكان من الأسباب القوية لتلك الشهرة: أشرطة الكاسيت، تلك الثورة التكنولوجية الهائلة حينها، والتى صنعت نجوما ساطعين، لعل كان أبرزهم الشيخ الطبلاوى مقرئا، وأحمد عدوية مطربا!

ربما كان الشيخ الطبلاوى يغضب من تلك المقارنة ويراها لا تليق، ولكنها كانت حقيقية بعيدا عن تلك الحساسية، ففى ذلك الوقت من نهايات الستينيات كان عدوية ممنوعا من الإذاعة وغير معترف به كمطرب، وبدرجة ما كان الشيخ الطبلاوى غير معترف به كمقرئ وترفض الإذاعة اعتماده، وهنا تأتى ثورة الكاسيت التى حملت الصوتين الممنوعين رسميا- إلى الجماهير العريضة، وبأرقام توزيع هائلة على قاعدة الممنوع والمرغوب!

صحيح أن الشيخ الطبلاوى جرى اعتماده مقرئا بالإذاعة عام 1970 بعد عشر سنوات من الرفض، فإن الكاسيت إلى جانب سطوة الإذاعة وانتشارها، ضاعفا من شهرة الطبلاوى وأوصلا صوته للقاعدة العريضة، خاصة وأن هذا الانتشار تزامن مع غروب شمس نجوم دولة التلاوة حينها وعلى رأسهم الشيخ مصطفى إسماعيل.

وحمل الكاسيت صوت الطبلاوى إلى نجوم دولة الموسيقى، فلفت نظرهم وسمعهم هذا الصوت الاستثنائى فسعوا إليه، وكان منهم موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، الذى طلب من صديقه محمود السعدنى أن يأتيه بالطبلاوى، وربما كان السبب الذى جعله يختار السعدنى بالذات لتلك المهمة هو أنه كان صديقا لكبار المقرئين، بعد أن كتب عنهم كتابه المهم والرائد "أصوات السماء".

وتصور السعدنى أن الطبلاوى سيطير فرحا بمجرد معرفته أن عبد الوهاب يطلب مقابلته، لكنه فوجئ بالطبلاوى يعتذر لسبب لم يخطر له على بال، فبدافع الكبرياء الآسر قرر الطبلاوى أن يتنازل عن هذا الشرف، فقد سمع أن الأستاذ عبد الوهاب "يركن" ضيوفه وأن عليهم أن ينتظروا ربما لوقت يصل لساعتين قبل اللقاء، وهو أمر لا يقبله على كرامته الشخصية ولا يرضاه لعمامته الأزهرية، فقناعته التى لا تقبل المساومة أن أهل القرآن هم أهل الله، ولو ظن حامل القرآن أن أحدا أُعطى خيرا منه فقد حقّر ما عظمه الله-.

ثم إنه سمع كذلك أن الأستاذ عبد الوهاب معجب بأسلوبه وطريقته فى التلاوة ويريد أن يطورها له موسيقيا ويدله على مقامات ونقلات جديدة، وهو أمر أثار قلق الطبلاوى وهواجسه، خاصة ما كان يثار عن محاولات لعبد الوهاب فى تلحين القرآن، وحتى لا يجد نفسه متورطا فى حقل ألغام وفى ملف قد يثير ضده العواصف قرر أن يهرب من عبد الوهاب!

ولنفس الأسباب هرب من بليغ حمدى عندما عرض عليه المشاركة فى أوبريت غنائى عن الحج، يؤدى فيه الطبلاوى بعض التواشيح والأدعية، ورغم أن الطبلاوى كان معجبا بتجارب مقرئين كبار فى أداء التواشيح والابتهالات، خاصة تجارب طه الفشنى وكامل يوسف البهتيمى والشيخ الفيومى، بل وتجربة بليغ مع النقشبندى فى مولاى إنى ببابك، إلا أن فكرة وجود الموسيقى وآلاتها كانت كفيلة بأن يهرب من بليغ!

لكنه لم يهرب من أم كلثوم، واستجاب بلا تردد لدعوته لزيارتها فى فيلتها بالزمالك، وكانت تتصل به كثيرا بالتليفون وتبدى استحسانها لصوته وقراءته المنغمة، واعتبر شهادتها عن صوته وساما يطوق عنقه: "الفرامل" بتاعتك مضبوطة يا شيخ محمد!

والفرامل التى تقصدها أم كلثوم تعنى "القفلة"، وكان رأيها يسعده لمعرفته أن أم كلثوم "خبيرة" فى الموسيقى والقرآن معا، فقد كانت تربية كُتاب من صغرها وتحفظ كثيرا من سور القرآن.. بل كان الطبلاوى لا يتحرج فى سماع أغانيها، وخاصة قصيدتها "رباعيات الخيام" ويضبط نفسه يدندن معها فى البيت الذى يقول: إذا الإيمان ضاع فلا أمان / ولا دنيا لمن لم يحيى دينا!

لكنه رغم هذا الإعجاب، فإنه لم يتنازل أبدا عن كبريائه الآسر.

(3)

ولذلك علينا أن نسارع هنا لنصحح ونوضح بأن هذا الكبرياء الآسر الذى ميّز الطبلاوى لم يكن يعنى الكبر والتكبر، بل يمكن أن نصفه بأنه الاستعلاء بالقرآن، فقد كان الرجل على قناعة بمكان ومكانة مقرئ القرآن، أو قل إنه كان يريد أن ينتصر للقرآن وأهله، ولتلك المهنة ورسالتها وسموها ونبلها.

ثم إنه حتى إذا لم يصرح كان يمتلك أسبابا موضوعية لهذا الاستعلاء، فى القلب منها صوته المتفرد، الذى يستحق أن نقف عنده طويلا، نبحث فيه عن ذلك السحر الذى وصفه عبد الوهاب بأنه صاحب النغمة المستحيلة!


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - العتب ع المطر

لا تبحث في الصورتين عن الرؤوس أو الوجوه، فقد اختفت في "الجواكت" في ظروف غامضة!

«السماء الثامنة ».. أول رواية مصرية عن مأساة غزة

سلماوى يسجل تاريخ القضية فى قصة حب عاصفة قصة غرام «إيمان» و «عمر» تبدأ بمظاهرة لنصرة غزة 2006 وتنتهى ب...

سمير غريب مفكر كشف الستار عن أهم جماعة فنية فى الأربعينات

عاون فاروق حسنى وتولى رئاسة أربعة أجهزة ثقافية كبيرة ألقى الضوء على رواد السريالية ومؤسسى جماعة الفن والحرية فى كتابه...

ماجدة حسانين: أصعب ما يواجه الشاعر أن يظل صادقًا وسط الضجيج

أصدرت 3 دواوين وتكتب المسرح والقصة القصيرة الشعر ليس وزنًا وقافية بل أن ترى العالم بعين أكثر انتباهًا حضور المرأة...