الحصري ..صاحب الأداء الفذ فى القراءة المتقنة والإلتزام الصارم بالأحكام

لسنــوات طالـت، كنت أستغرب لتلك المعلومة التى تقول وتؤكد أن صوت الشيخ الحصرى ظل منفردًا بإذاعة القرآن الكريم منذ إنشائها ولمدة عشر سنوات متصلة، ووجه الغرابة أن تلك

لسنــوات طالـت، كنت أستغرب لتلك المعلومة التى تقول وتؤكد أن صوت الشيخ الحصرى ظل منفردًا بإذاعة القرآن الكريم منذ إنشائها ولمدة عشر سنوات متصلة، ووجه الغرابة أن تلك المرحلة كانت تمثل العصر الذهبــــــــــــى لمدرسة القرآن فى مصر، فى حضور وتألق أصوات بقيــــــــــمة مصطفى إسماعيل والمنشاوى والبنا وعبدالباسط عبد الصمد وغيرهم، فلماذا انفرد الحصرى وحده بذلك الشرف؟!

بدا لى الأمر لغزا، إلى أن عثرت على حله وإجابته، وذلك فى سياق شهادة لرئيس إذاعة القرآن الكريم السابق د.إبراهيم خلف، كشف فيها عن ظروف وملابسات إنشاء أول إذاعة للقرآن الكريم فى مصر، فقد حدث فى أول الستينيات أن ظهرت فى بعض الدول طبعات فاخرة ومحرفة من المصحف الشريف، كان باديًا أن هناك جهات أجنبية تدعم نشرها وانتشارها لأسباب غامضة ومريبة، وهى ظاهرة سببت قلقًا بالغًا فى مصر، عاصمة المقرئين وبلد الأزهر، وتعددت الآراء حول سبل مواجهة هذه الهجمة الخبيثة، واستقر الرأى بأن إصدار طبعات صحيحة من المصحف ليس الحل الكافى، ولابد من طرق جديدة أكثر انتشارا وتأثيرا، فظهرت فكرة تسجيل القرآن الكريم، استغلال للتقدم الهائل والثورة الملفتة فى أجهزة وأشرطة التسجيل والتطور التكنولوجى، فبدأ أول جمع صوتى فى التاريخ للقرآن، وتطورت الفكرة لبث هذه التسجيلات من خلال إذاعة خاصة بالقرآن تنطلق من مصر وتصل إلى أنحاء العالم، ومن هنا انطلقت إذاعة القرآن فى 25 مارس 1964.

ولم يكن اختيار الشيخ محمود خليل الحصرى لمهمة تسجيل القرآن مرتلا وإذاعته عبر أثير الإذاعة الجديدة مصادفة أو عشوائيًا، بل كان بناء على اعتبارات ومعايير موضوعية، ففضلا عن ما كان يتمتع به الشيخ الحصرى من مكانة متميزة بين صفوة المقرئين المصريين وقتها، بوصفه مقرئًا معتمدا فى الإذاعة منذ الأربعينات، ومقرئا لمدة عشر سنوات للمسجد الأحمدى فى طنطا ثم لمسجد سيدنا الحسين منذ العام 1955، فإنه فوق ذلك كان يحمل مؤهلات علمية ومهنية تجعله الأقدر والأجدر والأصلح لتلك المهمة المقدسة.

ففى تلك الفترة من مسيرته شغل الشيخ الحصرى منصب مفتش المقارئ المصرية سنة 1957 ثم وكيلا لها فى العام التالى، وفى عام 1959 عُين مراجعًا ومصححًا للمصاحف بمشيخة الأزهر وخبيرا للجنة القرآن والحديث بمجمع البحوث الإسلامية، إلى أن اُختير شيخا لعموم المقارئ المصرية.

ويمكننا أن نضيف سببًا موضوعيًا لا يقل أهمية، وهو أن الشيخ الحصرى كان من العلماء المعدودين والمعتبرين فى علوم القراءات القرآنية، وله مؤلفات ودراسات قيمة تعد مراجع لا غنى لها، بينها مثلا "أحكام قراءة القرآن الكريم" و"القراءات العشر من الشاطبية والدرة " و"معالم الاهتداء إلى معرفة الوقف والابتداء"، وكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت مقدمة لكتابه "مع القرآن"، وكانت الجامعات الإسلامية تستضيفه كمحاضر صاحب مكان وذى شأن.

الآن يمكننا أن نحل اللغز القديم، وأن نفهم سر تلك المكانة التى يحتلها صوت الشيخ الحصرى فى إذاعة القرآن الكريم حتى اليوم.

(1)

رحلة البحث فى سيرة الشيخ محمود خليل الحصرى المولود فى 27 سبتمبر 1917 بقرية شبرا النملة فى محافظة الغربية) قادتنى إلى تفسير لغز لا يقل صعوبة وأظن أنه يحير كثيرين، ويمكن أن نلخصه فى هذا السؤال الذى تفوح منه رائحة الفخر والإعجاب: ما سر تلك المكانة المرموقة التى تتمتع بها مدرسة القرآن المصرية؟ ولماذا يجلس المقرئون المصريون بالذات، وبالأخص مقرئى العصر الذهبى، على العرش فى العالم الإسلامى؟

بعيدا عن الشوفينية والتعصب والانحياز لكل ما هو مصرى، فإن الشيخ الحصرى له تفسيرا ذكيا وموضوعيا فى هذه المسألة، إذ يُرجع هذا التميز إلى عادة مصرية قديمة ومتوارثة ربما منذ زمن الفراعنة، وهى هذا الاحتفاء المتفرد بالموت، ومع دخول الإسلام جرى تطويع هذه العادة فى "المأتم" الذى يقيمه أهل المتوفى ويودعون فيه فقيدهم بتلاوة القرآن.

ويشرح الشيخ الحصرى فكرته ببراعة: ليس بالعالم قراء يصلون إلى ما وصل إليه قراء مصر، والسبب هو أن "من انقطع لشىء أحسنه"، حيث توجد فى بلادنا عادة إحياء ليالى المآتم بتلاوة القرآن وكذلك الأفراح، هذه العادة هى التى مكنت القراء من حسن الأداء وأكثرت من حفظته حتى أصبح قراء مصر لا يدانيهم أى قارئ فى أى بلد آخر،  ولو امتنع الناس عن إحياء ليالى المآتم بتلاوة القرآن فلن تجد قارئا يُحسن أداء التلاوة بعد سنوات.. وفى البلاد العربية لا يتبعون مثل هذه العادة، ولذلك تجد هناك أن كل من حفظ القرآن وأحكامه وله موهبة فى صوته لا يجد له عملا يزاول فيه القراءة لينمى موهبة حسن الصوت والأداء، ويتجه لعمل آخر كالتجارة أو الوظيفة كمصدر لرزقه، وبعد فترة ينسى ما حفظه وتُقبر موهبته حتى يصبح بلا صوت".

مقرئ القرآن هى إذن ظاهرة تنفرد بها مصر عن سائر الأمم الإسلامية.. ويؤكد الشيخ فكرته الذكية: إن قارئ القرآن ينتعش ويزدهر ويتألق من خلال احتكاكه بالجماهير.. منذ عشرين وثلاثين وأربعين سنة كانت عادات الناس خلاف عاداتهم هذه الأيام، كانت القراءة ثلاثة أيام فى ليالى المآتم وقد ترقى إلى أسبوع، وما يكاد القارئ يفرغ من مأتم إلا لينتقل إلى آخر، وجاءت الإذاعة بعد ذلك فكانت سببًا فى شهرة أصحاب الأصوات الممتازة والكفاءات العالية فى الأداء فازدادت الفرص وحلت بركة القرآن".

وكان الشيخ الحصرى على قناعة تصل لحد الإيمان ببركة القرآن، فهى السبب الأهم فى ما ناله من شهرة وما حققه من ثروة، بل كانت سببًا فى إنقاذ حياته مرات من موت محقق، فما حدث للشيخ فى يوم 22 أكتوبر 1978 لا تفسير منطقى له، يومها كان الشيخ فى مسجد السيدة زينب فى طريقه إلى الدقى، وما أن دخل سائقه إلى شارع المبتديان حيث يمر خط قطار حلوان، فإنه بلا تفكير قرر أن يعبر المزلقان إذ لا توجد أى إشارة عن قطار قادم، وعندما كانت السيارة على القضبان حتى جاء القطار، وفوجئ السائق لا بمجىء القطار فقط وإنما بتعطل السيارة كذلك، وأصبح الموت هو النهاية الحتمية، بل ميتة بشعة تحت عجلات القطار، ولذلك كانت نجاة الشيخ وسائقه معجزة بكل المقاييس، صحيح أن القطار أطاح بمؤخرة السيارة وهشمها، وصحيح أن الشيخ أصيب بجرح فى فروة الرأس ونُقل للعلاج فى مستشفى المنيرة، إلا أن بقاءه على قيد الحياة بعد هذا المشهد لم يكن له من تفسير عنده، إلا أنها بركة القرآن!

وحدث أيضا أن كان مرة فى زيارة لماليزيا، وتكريما له أو زيادة فى الإكرام جعلوا إقامته فى بيت فخم منعزل على ربوة عالية، وقبل الحفل الذى سيقرأ فيه الشيخ بحضور رئيس الوزراء أمطرت السماء بغزارة، واستمر هطول الأمطار الرعدية ثلاثة أيام متواصلة، وكادت الربوة التى تحمل البيت تتعرض لانهيار، وأرسل رئيس الوزراء طائرة هليكوبتر عسكرية لإنقاذ الشيخ ونقله لمكان الاحتفال، ونجا الشيخ بأعجوبة، ومن جديد حضرت بركة القرآن.

ولابد أنها كانت حاضرة فى ذهنه كذلك وهو يكتب وصيته الأخيرة فى الدنيا، ويوصى بثلث ماله وثروته لخدمة القرآن الكريم، فى شكل بناء لمعاهده ورعاية لحفظته، لتظل بركته موصولة به وبأسرته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

(2)

لم يكن الشيخ الحصرى مجرد مقرئ شهير، ولكنه كان صاحب مدرسة فى التلاوة، أهم ما يميزها هو الإتقان الشديد والانضباط الكامل، بل هناك من يعتبر قراءة الشيخ الحصرى هى "الميزان" الذى يمكنك أن تقيس عليه وتحتكم إليه، وهو المعنى الذى قصده الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت فى تقديمه لكتاب الشيخ الحصرى "مع القرآن الكريم" حين كتب: "كثير من الناس أتاهم الله حظ الدنيا والآخرة، ومنحهم السعادة فيهما عن هذا الطريق المستقيم.. طريق القرآن الكريم، فحفظوه وجودوه ورعوه حق الرعاية، واستمروا دائبين يخدمونه ويسعدون به، لأنه دائما يهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم..وكان ممن عرفت من هؤلاء ولدنا الشيخ محمود الحصرى.. عرفته قارئا مجيدا يخشى الله فى قراءاته ويتبع السلف الصالح فى طريقتهم فى قراءة كتاب الله تعالى، فما يحيد عنها قيد أنملة ولا يبتعد عنها ما استطاع لذلك سبيلا، تملأ قراءته القلوب سكينة وأمنا وطمأنينة، وتفتح أمام أعين سامعيه سبل الهدى والرشاد".

ويميزها كذلك الخشوع والتدبر، ولم يكن الشيخ الحصرى يخفى معارضته من ما يمكن تسميته الأداء الطربى للقرآن، وهو الأداء المجود الذى يقترب من الغناء والطرب، وكان يرى أنه لا يتفق مع جلال القرآن، ويبعد المستمع عن التدبر والتفهم لكتاب الله، إذ يصبح صوت المقرئ وكأنه آلة موسيقية يشنف آذان المستمعين فيحجب المعانى عن القلوب.

وامتلك الشيخ الشجاعة لأن يعلن: رأيت بعض قراء هذا العصر يجورون عن القصد، ويميلون عن الجادة وينحرفون عن الصواب فى تلاوة القرآن الكريم، إذ يقرأون من الآيات ما يوافق هواهم دون رعاية للترتيب، وهم بذلك يقطعون ما وصل الله، ويعمدون إلى إعادة الآية وتكرارها بروايات مختلفة وقراءات متنوعة فى المجلس الواحد، وتلك بدعة محدثة لم تؤثر عن سلف الأمة الصالح".

وطوال 55 عاما فى خدمة القرآن الكريم ظل الشيخ يقوم بدور "الحارس" لكتاب الله، فأصدر 11 كتابا فى علوم القرآن وأحكامه وتجويده، وسجل القرآن عشر مرات على 230 أسطوانة طبع منها ملايين النسخ فى أنحاء العالم الإسلامى، وكان له الفضل فى تسجيل المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم، ورواية ورش عن نافع، وبرواية قالون والدورى، ولا نتجاوز عندما نقول إن الشيخ الحصرى كان كشيخ الكُتاب لعموم المسلمين، إنه الشيخ المُعلم الذى عليك أن تجلس إليه وتأخذ عنه وتحفظ على يديه.

ربما لم يُرزق الشيخ الحصرى بجمال صوت الشيخ رفعت، الذى كان يعتبره أستاذه ومثله الأعلى والأقرب من المقرئين إلى قلبه، لكنه كان صاحب أداء فذ، برزانة صوته وقراءته المتقنة والتى يتجلى فيها - كما يقول أهل الاختصاص ـ حسن أدائه لمخارف الحروف، ومراعاته التامة لأحكام الغنات ومراتب التفخيم والترقيق وغير ذلك من أحكام التجويد التى أتقنها غاية الإتقان.

ولذلك يظل الشيخ الحصرى هو المرجع الأول لمن يريد حفظ القرآن (كما أُنُزل)، ومن هنا يمكن أن نفهم سر الشهرة التى يتمتع بها فى العالم الإسلامى، فهو فى بلدان آسيا الإسلامية شيخ المقرئين أو الشيخ المعلم، وحدث مرة أن كان الشيخ فى زيارة لإحدى الجمهوريات الإسلامية بالاتحاد السوفييتى، وبعد أن انتهى الشيخ من تلاوته أمام حشد من الناس، توافد عليه بعضهم للسلام عليه والتبرك به، ووقف رجل مهيب أمامه وأطال الوقوف وهو يتحدث بلغة لم يفهمها الشيخ، إلى أن ترجموا له رجاء الرجل بأنه يتمنى لو كان يستطيع تقبيل لسانه الذى يرتل به القرآن الكريم، إعجابا وتقديرا.

(3)

لزميلنا الكاتب والناقد الموهوب أحمد النجمى، نجل الناقد الموسيقى الأشهر كمال النجمى، رأى بديع عن دولة التلاوة فى مصر، يقول فيه: إن للتلاوة دولة تسكن الوجدان المصرى، يبدو الشيخ مصطفى إسماعيل رأس هذه الدولة، ويبدو الشيخ محمد رفعت كعاصمة لها، وترتسم صورة الشيخ الحصرى - بما عرف عنه من صرامة فى أحكام التلاوة وقدرة على تعليمها للناس- كوزير حاسم فى تلك الدولة.

وهو رأى معتبر وله وجاهته فى وصف الشيخ الحصرى ودوره ..إنه حقا حارس القرآن ووزير دولة التلاوة.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

لماذا تتكرر أعطال الأجهزة المنزلية رغم الصيانة؟ متخصصون يوضحون الأسباب

في كثير من المنازل السعودية تتكرر شكوى شائعة بين المستخدمين، وهي أن بعض الأجهزة المنزلية تتعطل مرة أخرى بعد فترة...

السعودي شو وتجربة شراء اشتراك نتفلكس بطريقة أكثر اطمئنانًا

في عالم الاشتراكات الرقمية، لا يبحث العميل عن المنتج فقط. هو يبحث عن تجربة كاملة تبدأ من لحظة دخوله إلى...

صلاح عبد الصبور.. الفارس النبيل الذى انكسرت أحلامه سريعا

فى ذكرى ميلاده الخامس والتسعين أحدث نقلة فى المسرح الشعرى العربى.. وحرر المسرحية الشعرية من القصيدة الغنائية كان سابقا فى...

نوران خالد: رواياتى ترصد سعى الإنسان نحو الحرية

الرواية التاريخية مغرية لأى كاتب لا يوجد قالب جاهز أو كتالوج يلتزم به الكاتب اعتبر نفسى كاتبة نسوية