من بين مئات المقالات والعبارات والآراء التى قيلت فى صوت الشيخ محمود على البنا وعبقريته، فإن تلك العبارة القصيرة الموجزة التى كتبها أستاذنا وزميلنا الكاتب القدير أنور
من بين مئات المقالات والعبارات والآراء التى قيلت فى صوت الشيخ محمود على البنا وعبقريته، فإن تلك العبارة القصيرة الموجزة التى كتبها أستاذنا وزميلنا الكاتب القدير أنور الهوارى، أتصورها الأكثر جمالا ودلالة وبلاغة وصدقا، رغم أنها كانت مجرد تعليق عابر كتبه عقب سماعه لترتيل قديم للشيخ فى إذاعة القرآن الكريم، هزه الصوت وسحره النغم فكتب:
"لو كان للملائك أن تشدو بالقرآن المجيـــــــد لا أظنها تبلغ ما بلغ الشيخ "محمود على البنا" من فضل وسبق وملكـــــــــوت وسيع عميق محيط محلق آمن مطمئن مستقر، لا يعتل ولا يحزق ولا يشهق ولا ينقطع له نفس ولا يصعد له صدر ولا تتلاحق له أنفاس، متسق المطلع والمنزل منسجم البدء والختــــــــــام، متناغم الظاهر والبــــــــاطن، الوحى يتجدد تنزيلا علــــــى بشر..مع صوته أنهى الآن تلاوة ساحرة من سورة "الأنبياء"، خشع لها الجدار حجرا على حجر، وسكن لها الدار ركنا على ركن، عليه من الله الرحمة والرضوان".
الذين عاشوا زمن الشيخ البنا وأسعدهم زمانهم بالاستماع إليه فى تلاواته الحية وحفلاته الجماهيرية، لابد أن تستوقفهم تلك الاشارة فى كلمات أنور الهوارى عن الحالة الملائكية التى كانوا يعيشونها معه، خاصة فى تلاوات صلاة الفجر، حيث كان يتجلى فيها صوته غاية التجلى، ويصل بأدائه إلى ذرى بالغة الرفعة، وبشهادة مقرئ له اسمه ومقامه من معاصريه وهو الشيخ أبو العينين شعيشع: كانت تلاوة الشيخ البنا فى صلاة الفجر كأنها العسل المصفى من روعة أدائه وجمال تجلياته الخاصة وانفعاله مع القرآن، وكنت أحرص فى كل مرة بعد صلاة الفجر أن أتصل به لأهنئه على أدائه ".
لا أحد حتى الآن يعرف السر وراء تلك العلاقة المدهشة بين قرآن الفجر وصوت البنا، هو نفسه لما سُئل عنها تكلم عن "الحال" وليس السر، فقال: فى معظم قراءاتى أشعر بأننى أتلو القرآن للناس، عدا الفجر، الذى أشعر فيه بأننى أتلو القرآن وكأننى فى خلوة مع ربى.. رغم ازدحام المسجد بالمصلين ".
ولذلك لم يرفض أو يعتذر الشيخ البنا عن قرآن الفجر أبدا، مهما كانت ظروفه وارتباطاته، وكأنه لا يريد أن يفقد هذه الخلوة الإلهية وتلك الحالة الملائكية وذلك التجلى القرآنى، ولذلك لم تكن مصادفة – والحال كذلك – أن تكون المرة الأخيرة التى يقرأ فيها قرآن الفجر بمسجد السيدة نفيسة، وأن تكون آخر آية يقرأها وكأنه يختم بها حياته: "رب قد آتيتنى من الملك وعلمتنى من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليى فى الدنيا والآخرة توفنى مسلما وألحقنى بالصالحين".
(1)
وفى كل الأحوال، نحن أمام واحد من أكابر دولة التلاوة ومدرسة القرآن المصرية وأعمدتها الأساسية، بل هو نفسه كان مدرسة فى الأداء حاول كثيرون تقليدها لكنهم عجزوا جميعا عن الوصول إلى الأصل أو حتى الاقتراب منه، وكان شاعرنا الكبير أحمد فؤاد نجم يصفه بأنه "من أروع الصييتة فى عصره"، ولقب "صييت" فى عرف السميعة الكبار كالفاجومى لا يحظى به إلا ندرة من أصحاب الأصوات الاستثنائية، خاصة أن وصف نجم يأتى فى سياق قصيدة من المديح لصوت الشيخ البنا ، فهو عنده " واحد من القامات العالية فى دولة التلاوة ومن أساطينها.. والذين نفذوا وصية النبى (ص): زيّنوا القرآن الكريم بأصواتكم "، وظهر فى عصر أفرز لنا عمالقة التلاوة فى مصر من أمثال على محمود ومحمد رفعت ومصطفى إسماعيل والفشنى والبهتيمى وعبد العظيم زاهر، ولذلك أطلق عليه العصر الذهبى.. ونجح البنا فى أن يسطع بين هؤلاء العمالقة فى عصره، ويكتب اسمه بينهم بحروف من نور فكان واحدا ممن زخرفوا القرآن بأصواتهم الجميلة وحفروا أسماءهم فى ذاكرتنا".
و"الصييت"، كان درجة رفيعة وعالية المقـــام مـــــن المطربين والمقرئين والمنشدين، وتشترط فى من يبلغها أن يجمع بين قوة الصوت وحلاوته، وكذلك الثقة فى مواجهة جمهور عريض من المستمعين والسيطرة عليه وإيصاله إلى درجة النشوة والسلطنة، وكل تلك الصفات وأكثر كانت تتوافر فى الشيخ البنا، فأما عن قوة الصوت فإنه كان يمتلك مساحة صوت واسعة تتجاوز الديوانين وتصل إلى بدايات الديوان الثالث، مما يعنى بالمقاييس العلمية أنه كان صاحب صوت استثنائى فى قوته ومساحته، وحدث مرة أن كان الشيخ يقرأ فى سرادق ضخم بحى السيدة زينب فى مناسبة جماهيرية، وفجأة انقطع التيار الكهربي، وكانت مصر حينها تعيش فى توابع نكسة 1967 وتداعياتها، وبدأ الحاضرون فى الانصراف ظنا أن الليلة قد انتهت عند هذا الحد ولا يمكن للشيخ أن يقرأ بدون مكبرات الصوت، وإذا بصوت البنا يتواصل ويتحدى الظلام ويصدح بلا ميكروفون بل ويهز السرادق ويتسرب خارجه ليصل بسهولة إلى كل الأسماع، فتتصاعد التكبيرات والتهليلات وصيحات الإعجاب..
وأما عن حلاوة الصوت فيمكن أن نُحدث بلا حرج، فقد كان الشيخ "البنا" يمتلك واحدا من أعذب الأصوات وأجملها، صوت كالقطيفة فى نعومته ومتانته، كان قادرا على أن يهز القلوب ويبكى العيون، وحدث أن كان ملك المغرب محمد الخامس يزور مسجد مولانا الحسين، وتصادف أن كانت الزيارة فى وقت صلاة الفجر والشيخ البنا هو المقرئ، وحين وقف الملك يردد أدعيته أمام مقام الإمام جذبه الصوت المنساب من المسجد، فقطع أدعيته ووقف ينصت إليه، وكان الشيخ يقرأ بصوته القوى المنغم العذب آيات من سورة "الحج" فلما وصل إلى قوله تعالى "والذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم" فلم يستطع الملك أن يمسك دموعه من شدة التأثر، ولما انتهى من زيارته طلب أن يسلم على الشيخ البنا، وعبّر له عن إعجابه بصوته فى شكل دعوة ملكية لزيارة المغرب وتسجيل المصحف بصوته فى استوديوهات الإذاعة المغربية.
ولم يكن الإعجاب بصوت البنا قاصرا على تفجير الدموع فى القلوب والأحداق، بل كان رد الفعل من جمهوره مدهشا أحيانا، كالذى حدث مرة حين كان الشيخ البنا يقرأ فى سرادق للعزاء، يومها – 1958- كان الشيخ فى عز شبابه وصوته فى ذروة عنفوانه، واحتشد الآلاف من البسطاء فى قرى مركز "إيتاى البارود" ليستمعوا إلى الشيخ الشاب الذى يسمعونه فى الإذاعة، ومع تفاعل الناس وصل البنا إلى ذرى التجلى، فلم تملك تلك السيدة الريفية البسيطة الواقفة خارج الصوان مسحورة بالصوت والأداء، من طريقة تعبر بها عن إعجابها سوى أن تطلق زغروطة فرح، أسكرها الصوت وموسيقاه حتى أنساها أنها فى سرادق عزاء!
وكانت السنوات التى عمل فيها مقرئا للمسجد الأحمدى فى طنطا من أكثر فترات حياته تألقا، فقد ظل مواظبا على قراءة قرآن الجمعة فى رحاب شيخ العرب لمدة 23 عاما ( بين 1958 و 1981) وحظى بجماهيرية طاغية، وكانت جماهير السميعة تتوافد من كل محافظات الدلتا بل ومحافظات مصر كلها لسماع الشيخ البنا، وتسببت جماهيريته فى عمل توسعات فى المسجد وساحته الخارجية لتستوعب التزايد الكبير فى عدد المصلين من "سميعة" البنا..!
وكان للشيخ حال عجيب مع مستمعيه فى مسجد السيد البدوى، فكان تفاعلهم معه وتفاعله معهم مدهشا، فيستعيدون منه الآيات كما يستعيد جمهور كبار المطربين الكوبليهات، بل بحماس أشد وأوسع، وحدث مرة أن تسلطن الشيخ وهو يقرأ "يا أيها النبى إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا"، وكلما تخطى الآية يهتف المستمعون يطالبونه بإعادتها، فأعادها ثمانى مرات، وبمقامات وطرق أداء مختلفة فى كل مرة، فأبكى الحاضرون من فرط التأثر.ولم يتمالك دموعه هو الآخر، وكان الشيخ فى كل جمعة يجد صعوبة بالغة فى الخروج من المسجد بعد الصلاة بسبب الحشود التى تتدافع للسلام عليه والتعبير عن إعجابها له، وغالبا كانت قوات الأمن تتدخل لإخراجه سالما من مظاهرة الحب الأسبوعية.
(2)
لم أستغرب، بل توقعت أن هذا الأداء المنغم لابد وأن يخرج من فنان، وصدق توقعى عندما عرفت أن الشيخ "محمود على البنا" درس المقامات الموسيقية على يد واحد من أعمدتها وأساطينها، وهو الشيخ درويش الحريري، الأستاذ المعلم الذى درس على يديه أكابر أهل الطرب وفى القلب منهم الأستاذ عبد الوهاب، الذى حكى فى مذكراته أنه كان يجلس تحت أقدام هذا الشيخ ليشرب منه أسرار الموسيقى ومقاماتها.
وعندما جاء الشيخ البنا ليبدأ مسيرته فى القاهرة وسط "عتاولة" المقرئين فى هذا الزمن، أدرك أنه لكى ينافس وينتزع له قدما فإنه لابد أن يكون مختلفا ومميزا ولا يشبه أحدا، وكما كان حريصا على أن يحصل على إجازة تجويد القرآن من الأزهر الشريف، كان حريصا كذلك على أن يتخرج كذلك فى أكبر معهد للموسيقى فى زمنه اسمه الشيخ درويش الحريرى.
فلا يمكن أن يخرج أداء الشيخ البنا إلا من فنان، عارف بفنون الأداء والمقامات الموسيقية، مثلما يعرف ويحفظ عن ظهر قلب أسرار القراءات القرآنية وأحكامها، وهو المعنى الذى كان يشير إليه الإذاعى الكبير عمر بطيشة وكان من أقرب أصدقاء الشيخ البنا وعارفى فضله وأسرار صوته عندما قال عنه: تميز الشيخ البنا بطابع خاص فى أدائه جعله مختلفا ومتفردا بين قراء جيله، فكان لصوته قدرة مدهشة على التنقل بسهولة بين المقامات الأصلية والفرعية المختلفة بلياقة ومرونة فائقة، مع الالتزام بأصول علم القراءات ومع إبراز معانى الآيات، فيزداد الإحساس لدى المستمع بعظمة القرآن، فكان لتلاوته تأثير وجدانى عميق وساعده على ذلك قدرته الفائقة على تنظيم تنفسه أثناء الأداء فكان النفس الطويل أحد مزايا صوته.
وليس سرا أن الشيخ البنا كانت تربطه صداقة وعلاقة إعجاب متبادل بموسيقار الأجيال الأستاذ عبدالوهاب، خاصة والاثنان من تلاميذ الشيخ درويش الحريرى وخريجى مدرسته الموسيقية، وليس سرا كذلك أن الشيخ البنا كان لا يخفى إعجابه بصوت السيدة أم كلثوم، ومن المرويات فى سيرة الشيخ أنه كان فى سهرة بمنزل صديقه وجاره الضابط المرموق عبد المنعم شحاتة وكان من كبار سميعة أم كلثوم ويقتنى أسطوانات أغانيها، وبوحى الحالة بعد سماع إحداها وتجاوب الشيخ البنا معها طلب الحضور منه أن يؤدى بصوته قصيدة لها وألحوا عليه وحاصروه حتى استجاب لهم وغنى قصيدة لأم كلثوم فأطرب الجميع بصوته وطريقة أدائه وتمكنه من المقامات..
روح الفنان فى شخصية الشيخ البنا تجلت حتى فى أناقته الملفتة، فكان لا يرتدى إلا أفخم الثياب ولا يتعطر إلا بأغلى العطور ولا يركب إلا أغلى السيارات، وكان من رأيه أن أهل القرآن ينبغى أن يظهروا فى أبهى صورة وأجمل شكل ومنظر، وكانت الإعلامية القديرة آمال فهمى من أوائل من لفت نظرهم أناقة الشيخ البنا حين كانت مسئولة فى بدايات الخمسينيات عن البرامج المسجلة فى الإذاعة وبينها تسجيلات كبار المقرئين، فأطلقت عليه "الشيخ الأنيق".
(3)
والذى لا شك فيه أن الوعى الكبير للشيخ البنا بالموسيقى ومقاماتها كان سببا مهما وأساسيا فى طريقة أدائه، التى تتميز بالفخامة والأناقة، والتى تجمع بين دقة أحكام التلاوة وتنوع المقامات.
ثم فى تلك البراعة الخاصة فى "القفلات"، فكان من أمرائها المتوجين.. وعن قفلات الشيخ البنا يمكنك أن تجد آراء واجتهادات ودراسات، فيقول أهل الاختصاص إنه أحد كبار القراء القفّالين، صُناع القفلات بروية وحنكة وإتقان، وقفلاتُهُ كثيرة ومتنوعة، كما يمتاز ببراعة فى القفل على المد العارض للسكون، والذى يهرب منه أكثر القراء.
وقفلاته صعبة أيضا، فإنه يبدو فى كثير من قفلاته ونقلاته مهندسًا وخرَّاطًا، يخرط القفلة والنقلة على بناء نغمى دقيق كما يفعل الخراطُ بحِلية الخشب أو الرخام، وتكثر قفلاته وتتنوع فى معظم المقامات، على أنه فاق وأوغل وأبعد فى نمط مختلف من القفل ليس كثيرًا من يُعنى به من القراء، وهو قَفل ختام التلاوة، فتجده إذا اقترب مِن ختام التلاوة عاد إلى مقام البياتى، وهو مقام الختام الطبيعى كما أنه مقام الاستهلال، وهو أشد المقامات خشوعًا وسكينة، فينزل إليه مِن موضعه نزولًا مدروسًا مُركزَ الخشوع والحنان، كأنما اجتمع إليه البياتى بأسراره فى هذه الدقائق الأخيرة، ويُطيل كالذى يحُطُّ بطائرة حتى تستوى على مَدرَجها وتمشى هادئة حتى لا يبقى إلا الوقوف، وقد يُطيلُ فى ختام التلاوة جدًا حتى يبلغ الختام وحده ثمانى دقائق وعشر دقائق.
وكثير من تسجيلات الاستوديو تجد ختام التلاوة وحدة فنية قائمة بذاتها، يمكن استعادتها منفردة مرات ومرات.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد