الموسيقار منير الوسيمى:صوت عبد الباسـط «تينور أول» وأقوى من محمـد رشدي

ربما احتاج المخرج السينمائى القدير مصطفى العقاد إلى وقت طويل وجهد بالغ لاختيار وتسكين شخصيات وأدوار فيلمه الشهير "الرسالة" (الذى تحكى أحداثه قصة الرسالة المحمدية من

ربما احتاج المخرج السينمائى القدير مصطفى العقاد إلى وقت طويل وجهد بالغ لاختيار وتسكين شخصيات وأدوار فيلمه الشهير "الرسالة" (الذى تحكى أحداثه قصة الرسالة المحمدية من خلال شخصية أسد الله حمزة بن عبد المطلب عم النبي)، سواء فى نسخة الفيلم العربية التى قام ببطولتها عبدالله غيث أو نسخته الإنجليزية التى قام ببطولتها أنطونى كوين، ولكنه مصطفى العقاد- لم يكن فى حاجة إلى وقت ولا جهد لاختيار الصوت الذى سيرفع به بلال مؤذن الرسول الأذان الأول من فوق مسجد النبى فى المدينة المنورة، فقد اتجه ذهنه مباشرة إلى الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، وطلب حضوره فورا إلى ليبيا حيث موقع التصوير ليقوم بتسجيل الأذان بصوته.

فى صوت الشيخ عبد الباسط وجد العقاد كل المواصفات المطلوبة، فهو صوت صادح، عذب، حنون، حاد، فيه نداوة وحلاوة وينفذ إلى شغاف القلب.. ولابد أنه الأقرب لصوت بلال.

(1)

رغم أنه وُجد فى زمن العباقرة، ووسط حشد من أجمل أصوات السماء، وكلهم تميز بأذان صار بصمة وعلامة، لكن أذان الشيخ عبدالباسط كان متفردا، وأداه من مقام الرست، وهو الأذان والمقام صار "نغمة رحيقية الإمتاع والحلاوة لمن يجيدون فنون الاستماع" على حد وصف أستاذنا الكاتب والإعلامى محمد الخولى.

وسمعت مرة شيخ عموم المقارئ المصرية السابق أحمد عيسى المعصراوى يحكى أنه فى زياراته للمراكز الإسلامية فى أوربا استوقفته تلك الظاهرة الغريبة، فالمسئول عن رفع الأذان فى تلك المراكز إذا ما حان الوقت فإنه يقوم بتشغيل أذان مسجل بصوت الشيخ عبد الباسط أولا من خلال جهاز تسجيل، وبعدها يرفع الأذان من جديد بصوته هو ..!

كانت الحكايات عن أذان الشيخ عبدالباسط  تتداعى أمامى فى حين كان الموسيقار والملحن الكبير منير الوسيمى يشكو لى من تلك الظاهرة التى باتت تزعجه بشدة ولا يستطيع كتمان غضبه منها وثورته عليها، وهى هؤلاء من أصحاب الأصوات القبيحة والمنفرة الذين يتسابقون لرفع الأذان فى الزوايا الموجودة فى كل شارع، وباستخدام مكبرات صوت عالية تقتحم على الناس بيوتهم وتصم أذانهم بتلك الأصوات المنفرة.. ثم يقول بأسي: نفسى ألا يكون رفع الأذان مستباحا بهذا الشكل، وألا تُسند تلك المهمة المقدسة إلا لمن تتوافر فيه حلاوة الصوت والإلمام بالحد الأدنى من المعرفة بالمقامات والأداء.. "شوف الفارق لما تسمع الآذان بصوت رفعت أو مصطفى إسماعيل أو النقشبندى أو عبد الباسط مع حفظ المقامات.. تحس أن صوتا سماويا يناديك للصلاة.. الصوت الجميل يفرق "

وأقول للموسيقار منير الوسيمي: طبعا الصوت الجميل يفرق.. فدلنى إذن على أسرار الجمال فى صوت الشيخ عبدالباسط عبد الصمد ؟

وجلست أستمع بإنصات إلى إجابته الطويلة الممتعة والبليغة والتى يمكننى تلخيصها فى النقاط التالية على لسانه:

- الصوت البشرى بشكل عام (بأنواعه الرجالى والنسائى والأطفالي) ينقسم إلى أربعة أقسام: غليظ جدا، غليظ، متوسط، حاد.. والصوت الطبيعى أو العادى يتكون من 13 درجة موسيقية إذا ما وضعناه على السلم الموسيقى وهو ما نسميه المنطقة الصوتية.. فى أصوات المطربين والمقرئين الأمر يختلف.. فلو حللنا صوت الشيخ عبد الباسط نجده متميزا فى الصوت الحاد، أو ما يسمى علميا "تينور أول"، وله قدرة على الوصول لدرجات "الأوكتاف العالى"، أى عالية الحدة، وممكن يوصل لحاجة نسميها "سولت بييز"، وعنده إمكانية الوصول لمرحلة الـ la  أو ما نسميها درجة الحسينى فى الأوكتاف العالي، وهذه قدرة استثنائية ونادرة، وحتى أقرب لك المسألة، يعنى لما تسمع مطربا بإمكانيات محمد رشدي، تجد أنه بكل ما عنده من طبقات صوتية حادة فإنه لا يتجاوز حد الـ fa ، مما يعنى أن صوت الشيخ عبد الباسط  أكثر قوة، ويصل للدرجات الأعلى وهو مستريح، مما يعنى قدرات هائلة فى المنطقة الصوتية .

- كما أنه يمتلك مساحة صوتية متنوعة وكبيرة.. دعنى أشرح الأمر ببساطة، هناك -عالميا-  نوعان من المقامات أو السلالم الموسيقية: السلم الكبير وهو ما نسميه فى موسيقانا الشرقية: مقام العجم.. والسلم الصغير، ونسميه فى الشرقي: مقام النهاوند.. لكن الأمر فى الشرقى يتميز بحاجة نسميها "الأجناس".. يعنى إحنا فى المزيكا الشرقى نقسم السلم الموسيقى إلى نصفين: الأسفل (بأجناسه: الرصد، السيكا، البياتي، العجم)، والأعلى (بأجناسه: الصبا، الحجاز، الكرد، النهاوند)، ونقوم بجمعهم معا، إما جمع متصل أو جمع منفصل، والموسيقى الشرقية قائمة على التنويع بين النصفين أو الفرعين واللعب عليهما .. والمقرئ يبدأ عادة من تحت.. بالقرار.. ثم يصعد وينتقل للأجناس القريبة أو الأعلى.. وفى حالة الشيخ عبد الباسط  كان صوته يتألق فى الجوابات، وفيها تشعر بقوته وحلاوته و"حرفنته"!

- ما أبرز ما يميز طريقة أداء الشيخ عبد الباسط هو ما نسميه "المحطات"، وبمعنى آخر "الوقفات"، ففى مقام ما أو جنس ما يتعمد أن يقف عند نغمة معينة، هذه نسميها المحطة، ومنها ينطلق إلى مقام آخر وجنس آخر.. هذه موهبة تظهر فيها شخصية المقرئ وفرادته وتميزه، ولا يقدر عليها إلا من كان على إلمام كامل بالمقامات وأسرارها.. ومما ساعد الشيخ عبد الباسط على التميز ما حباه الله من نفس طويل، وما كان يتمتع به من إمكانيات استثنائية فى المساحة الصوتية.. والمنطقة الصوتية.

- الشجن الذى يميز صوت الشيخ عبدالباسط كان يجعله يتألق فى مقامات الصبا والحجاز (والاثنان من مشتقات البياتي) ويتميزان بالشجن والحزن..

- وأنا أتصور أن كل مشايخنا الكبار من المقرئين كانت لهم ثقافة موسيقية حقيقية، فالشيخ رفعت مثلا كان يمتلك مكتبة سيمفونية، يعنى سمع بيتهوفن وموتسارت وباخ وغيرهم من أساطين الموسيقى الكلاسيكية ومؤلفاتهم.. الشيخ على محمود كان أستاذا فى الموسيقى والمقامات، ويعزف أيضا.. وأتصور أن  تدريس المقامات فى الأزهر مسألة ضرورية ولا حرج فيها بل ومهمة لمن يريد أن يفهم القرآن بوعى ويدرك موسيقاه.. بل وأقول إن القرآن الكريم وموسيقاه هو الأصل وصاحب الفضل على الموسيقى الشرقية وتطورها.. ومقرئ القرآن أصبح من شروطه، إلى جانب إجادة أحكام التلاوة والإتقان وسلامة اللغة وحلاوة الصوت، المعرفة بالمقامات الموسيقية.. هذا أمر ضرورى وليس ترفا.

(2)

لم يكن الشيخ عبد الباسط مقرئا شهيرا فحسب، بل صاحب مدرسة، أو ظاهرة فريدة كما وصفه مرة الشيخ أبو العينين شعيشع.

حقق الرجل مجدا يتعب كل من جاء بعده، فلا يمكن أن يتكرر هذا المشهد الذى حدث ذات ليلة فى المسجد الكبير بمدينة "لاهور" الباكستانية، حين احتشد 100 ألف شخص، ليستمعوا إلى الشيخ عبد الباسط!

أو ذلك المشهد الذى حدث فى أكبر مسارح باريس، حين تجمع 4 آلاف فرنسى، كثير منهم من غير المسلمين ومن غير العارفين باللغة العربية، وخلال أكثر من ساعة كاملة جلسوا مشدوهين إلى هذا المقرئ المعمم، مسحورين بصوته وطريقته، وبلا ترتيب مسبق راحوا يصفقون له من فرط الإعجاب لأكثر من عشر دقائق، فى واقعة غير مسبوقة..!

ولأنه مدرسة، ولأنه ظاهرة، ولأنه "شيخ طريقة" بين أكابر دولة التلاوة فإن كثيرين حاولوا تقليده، وكلهم فشلوا ولم يبق فى أسماع الناس ووجدانهم سوى الأصل.. غير القابل للاستنساخ أو التكرار.

وللمقرئ العراقى وخبير الأصوات معتصم العسلى تفسير معتبر، يقول فيه إن الشيخ عبد الباسط أتعب وأرهق كل من حاول تقليده، فالسير على منواله لمدة 5 دقائق هو بمثابة جهد نصف ساعة للمقلد، ذلك لأن صوت الشيخ عبد الباسط ليس له قرار، بل يبدأ من الجواب، هذا أمر طبيعى عنده ولا يحتاج منه لجهد، فإمكانياته الصوتية استثنائية، ولا يطيقها أحد غيره بتلك المهارة والبساطة والأريحية، ولذلك قال نقاد الموسيقى إنه "لم يكن يعتمد على كثرة التلوين وتنوع الطبقات فى أداء الجملة النغمية، بل كان يعتمد على تكرار النغمة فى الجواب الواحد، بحيث يكون جل التركيز والذروة النغمية فى نهاية الجواب وليس أثناء الجواب ".

ثم من يستطيع أن يقلد "صاحب التلاوة التى تستخرج الدمعة من العين، خصوصا عندما يرتل آيات الوعيد أو الترغيب على مقامات صوتية مثل الحجاز والنهاوند والسيكا، مع أداء حركى يوصل المعنى إلى أعماق القلوب والأذهان"..

ولذلك لا أستغرب من هذا الإجماع الذى يحظى به صوت الشيخ عبد الباسط، من كل الأجيال والأعمار، حتى بين أهل القرآن أنفسهم، فواحد من الأجيال السابقة فى قيمة وصوت الشيخ الهلباوى شهد له بأنه صوت كمعدن الذهب ثمين ونفيس ولا يصدأ ولا ينطفئ ولا يفقد قيمته بل يزداد قيمة ولمعانا.. وقال فيه الشيخ المعصراوى إنه مزمار من مزامير داود

وواحد من أبرز مقرئى الأجيال الجديدة، وهو الشيخ ممدوح عامر، وصل به الحماس والإعجاب بصوت الشيخ عبد الباسط أن قال فيه: إنه قارئ العالم الأول بلا منازع، ولم ولن يأتى مثله، صوت لامع رخيم ويتميز بالقوة والحنان وحين تسمتع إليه تشعر بفرح وسعادة.. إن صوته موسيقى فى ذاته ولا يحتاج إلى نغم كى يجمله.

ومرة سئل نجم الكرة السابق ولاعب النادى الأهلى الكابتن أسامة حسني، عندما قرر أن يتجه لتسجيل القرآن الكريم بعد اعتزاله الكرة، عن مقرئه المفضل، فقال بلا تردد ولا تفكير: أحب سماع الشيخ عبد الباسط، لأنه صاحب صوت مثل الندى، ويشعرك أنك تسمع القرآن قادما من السماء مباشرة، وفى أحيان كثيرة أردد وراءه حتى أستطيع ضبط القراءة الخاصة بى على نفس قراءته.

ولا يمكن أن أنسى هذا الوصف البديع الــــــــذى قاله عنه شــاعرنا الكبيــر عبد الرحمن الأبنودي، صديقه وبلدياته، قال بطريقته: صوت الشيخ عبد الباسط صوت رايق عامل زى أطراف موج البحر.

(4)

ورغم كل هذا المجد، وكل هذا الإعجاب، فإن مسيرة الشيخ عبدالباسط لم تخل من مطبات ومنغصات، خاصة من جانب أصحاب القلوب الغليظة من غلاة السلفيين والمتشددين والمتنطعين، فقد رأى شيوخهم أن الشيخ عبد الباسط يتغنى بالقرآن ولذلك اعتبروا تلاوته "غير شرعية"، وكان من المضحكات المبكيات أن ترى على المواقع السلفية فتاوى حول "حكم الاستماع إلى الشيخ عبد الباسط"، ورغم التنطع والتشدد فإنهم لم يجدوا فيها فى النهاية أى مانع أو خطأ، وأفتوا: التغنى بالقرآن مشروع، وعليه فإن قراءة الشيخ عبد الباسط كغيره من القراء لا بأس بها ويجوز الاستماع إليها، بل إن فى ذلك أجر الاستــــماع للقرآن والاستفادة مــــــــن تعليم التجــويد".

المدهـــــــش أن أحدا من ملايين البسطـــــاء من عشاق الشيخ عبد الباسط لم يهتم بهذا التنطع السلفي، وظل صوت الشيخ جزءا أساسيا من تفاصيل حياتهم اليومية، بل منهم من لا يعترف بالصباح إلا بعد سماع صوت الشيخ عبد الباسط وهو يصدح: والصبح إذا تنفس!

إنه القرآن يفيض من نهر جار.

إنه الصوت الصادح الأقرب إلى أوتار الكمان.

إنه صوت فى مذاق الخوخ كما وصفه محمود السعدنى.

وفى رواية الأبنودي: الرائق كأطراف موج البحر.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - كده وكده

بطول الرصيف الواسع الممتد، اصطفت الماشية: أغنام وأبقار تحديداً، وبما أن العيد الكبير، عيد الأضحية، اقترب، فالمنظر يبدو مقصوداً، وغريباً...

مثقفون فى الحج.. رحلة كبار الأدبــــاء إلى الأراضى المقدسة

تركت أثرها فى نفوسهم ووصفوها فى كتاباتهم طه حسين: كانت دعوة من خارج النفس.. دعوة «آمرة» أمير الشعراء خاف من...

السلطان عبد الحميد الثانى.. خَـــذل المصريين بفرمان عصيان عرابى

شخصيات لها تاريخ «102» مذابح الأرمن المسيحيين وقعت فى عهده وبتوجيه منه ورفض إقامة وطن قومى لليهود على أرض فلسطين...

شهادات تذاع لأول مرة «15» جلسة نفسية لتحليل الشيخ وأيامه من شاهد على العصر

إمام.. سيرة أخرى د. خليل فاضل: إمام لم يكن شيخًا ولا مطـــــــــربًا.. كان إنسانًا يبحث عن نفسه الشيخ إمام لم...