مصطفى إسماعيل.. ملك النهاوند وأذكى قارئ أنجبته مصر

يعرف أهل القرآن اسم د. طه عبد الوهاب، فهو المرجع الأهم لكل المقرئين على الساحة الآن، على يديه تلقوا دروسهم ونهلوا من خبراته وفيوضاته فى علوم المقامات والأصوات

يعرف أهل القرآن اسم د. طه عبد الوهاب، فهو المرجع الأهم لكل المقرئين على الساحة الآن، على يديه تلقوا دروسهم ونهلوا من خبراته وفيوضاته فى علوم المقامات والأصوات والقراءات والتجويد، وفى رحلة عامرة تمتد 43 سنة حصل خلالها على درجة الدكتوراه فى المقامات القرآنية، كأول من ينال هذه الدرجة العلمية فى هذا التخصص الفريد، وقبلها درس المقامات على يد نقيب الموسيقيين حلمى أمين، وعلم التوزيع الموسيقى على يد المايسترو سارى دويدار، وفى البدء والمنتهى كان القرآن الكريم حفظا وتجويدا وفهما، فأصبحنا أمام خبير له اعتباره ومكانته فى العالم الإسلامى كله فى المقامات والأصوات والتحكيم فى مسابقات القرآن الكريم ..

(1)

د. طه عبد الوهاب له فى علوم المقامات والأصوات نظـــــــريات واجتهادات وفتوحات، ودائما تحظى آراؤه بتقدير خاص ومعتبر، ولذلك فإنه عندما يتكلم عن صوت الشيخ مصطفى إسماعيل فيجب أن ننتبه وننصت ونتأمل، لأنه يتكلم من مقام العارف الخبير.. وعلى امتداد ساعة أفاض الرجل من علمه الغزير، ويمكننى أن ألخص ما قاله فى نقاط محددة:

  دائما ما أقول إن الشيخ مصطفى إسماعيل هو أذكى قارئ أنجبته مصر، ذلك لأنه سمع كل من سبقه من أكابر المقرئين وهضمهم وتعلم منهم ثم أضاف من روحه وإبداعه ولم يتوقف عند التقليد كما حدث لآخرين.. والشيخ مصطفى هو ابن مدرسة التصوير النغمى للقرآن.. وهى مدرسة عظيمة تلت ونافست مدرسة الإحساس التى أسسها الشيخ أحمد ندا وكان من أعظم من أنجبت الشيخ محمد رفعت.

  الشيخ على محمود، وتقوم على التعايش مع المعنى والإحساس بالآية واستخدام المقام الصوتى المناسب والمعبر.. أما مدرسة التصوير النغمى فكان من روادها الشيخ محمد سلامة والشيخ منصور بدار وتميز فيها الشيخ عبد الفتاح الشعشاعى المولود 1890 والذى يكبر الشيخ مصطفى المولود 1905 بخمسة عشر عاما.. لكن الشيخ مصطفى كان الأذكى وأضاف إلى ما قدمه هؤلاء العمالقة وتفرد بأسلوب وطريقة وفتوحات، وأقول بكل ثقة إنه كان من علماء القرآن.

 والشيخ مصطفى كان قارئا ملهما، والإلهام عنده لا يحدث إلا بين جمهور من السميعة، ولذلك كان يردد عبارته المشهورة: ربنا يبعت المزاج على قد السميعة.. فهو قارئ سرادقات وليس استديوهات، فإذا ما سمعته فى استوديو تحس أنه مجرد قارئ عادي، أما فى وجود جمهور فأنت أمام صوت فذ يأتى بالأعاجيب، وأنا تشرفت بحضور واحدة من تلك الحفلات الجماهيرية للشيخ مصطفى، كنت يومها فى سن 16 سنة، ولم يكن يفصلنى عنه سوى متر ونصف، وأيقنت بعينى هذه الحقيقة التى تقول إن الشيخ مصطفى يحتاج إلى وقت لـ "تسخين" صوته، ففى تلك الحفلات كان يقرأ ما يصل إلى ثلاث ساعات متصلة، وتستطيع أن تحسب مدة التلاوة من مدة التسخين، وقد حسبناها بالأرقام فوجدناها تعادل 8%، يعنى إذا كان سيقرأ ساعة فإنه يحتاج إلى تسخين صوتى لمدة 4 دقائق وربع تقريبا، والغريب أنه كان يحسبها بدقة شديدة وكأن معه "ستوب ووتش".. ودائما كان يبدأ تلاوته "من تحت" كما يقول أهل الكار، وكلما استوت طبقة فى صوته فإنه يذهب إليها إلى أن ينجلى الصوت وينطلق، تطبيقا لنظرية خبراء الصوت التى تقول: الصوت لا يؤمر بل يطاع.. مما يدل أنه كان ينفذ الشغل الأكاديمى بفطرته!

 من يتابع تسجيلات الشيخ مصطفى إسماعيل يدرك أنه يمتلك مخزونا غير عادى من النغم، عنده قدرة مذهلة فى التنوع والتنقل بين المقامات، وعنده استعداد أن يعيد الآية نفسها مئات المرات وفى كل مرة تجدها مختلفة عن سابقتها حتى لو داخل المقام الواحد.. وعنده الخبرة والدراية أنه فى أى مقام يذهب إليه يمس قلب سامعه.. وأحيانا كان يتعرض لحاجة نسميها فروع المقامات، وهذه قلما تجد قارئا متمكنا منها، الشيخ مصطفى كان أستاذا فى هذه المقامات المركبة مثل "العاشق المصري" المكون من البياتى والنهاوند، وأتصور أنه الذى عرّف جمهور السميعة على فروع المقامات.

 وهذا واحد من بين أسباب عديدة موضوعية تجعلنى على قناعة كاملة بأن الشيخ مصطفى درس فن المقامات وكان على دراية كاملة به، وبعض الناس ينكر ذلك، تسأله: هل الشيخ مصطفى درس مقامات؟، فيجيبك فورا: لا، ظنا منهم أن دراسة المقامات تقتضى عزف الموسيقى وآلاتها، وهو أمر يحتاج توضيحا وتصحيحا، أنا أقول بكل ثقة إن الشيخ مصطفى درس فن المقامات، ولكنها دراسة سماعية ساعدته عليها موهبته الفطرية الاستثنائية، فدخلته وانتقالاته بين المقامات تثبت أنه دارس ومتمكن، والذى يجيد الذهاب إلى فروع المقامات بهذه العظمة والدراية، والذى يعرف كيف يمهد للمقام قبل أن يستوى عليه، والذى يعرف المقام المناسب لكل آية بل كل كلمة، وينتقل بين المقامات بسلاسة مذهلة.. هو بلا شك دارس عظيم للمقامات وعارف بأسرارها.

 كثيرون يستغربون عندما يسمعون أن مطربين فى قامة عبد الوهاب وأم كلثوم كانوا يسعون إلى المقرئين ليتعلموا فنون الأداء والمقامات.. وأنا أستعجب لاستغرابهم، ذلك لأن الأصل فى الفن هم المقرئون وليس المطربين أو الموسيقيين، عبد الوهاب تعلم على يد الشيخ رفعت والشيخ على محمود، وأم كلثوم تعلمت على يد الشيخ أبو العلا محمد والشيخ زكريا أحمد.. وهما فى الأصل من أهل القرآن، فالنغم القرآنى هو الأصل.. يعنى أبو الموسيقى المصرية الحديثة اسمه الشيخ عثمان حسن المولود فى العام 1800وكان مقرئا ومحفظا للقرآن فى مسجد السلطان أبو العلا، وابنه هو الشيخ محمد عثمان أشهر من صنع الموشحات والأدوار (مثل كادنى الهوى)، وحفيده هو الفنان المعروف عزيز عثمان (صاحب أغنية: بطلوا ده واسمعوا ده التى غناها فى فيلم لعبة الست مع نجيب الريحاني).. وأنا بعينى رأيت صورا للشيخ أبو العينين شعيشع وهو يمسك العود ويغنى فى حفل.. لكنى أعود للتأكيد على أن دراسة المقامات لا تعنى أبدا وليس من شروطها العزف على آلة موسيقية.. وعلى أن الشيخ مصطفى إسماعيل كان أستاذا فى فن المقامات دون أن يعزف الموسيقى أو يتعلمها على طريقة الملحنين.

ينتمى صوت الشيخ مصطفى إلى فئة "الباريتون" حسب التصنيف الأوبرالي، ولكنه كان يتميز بالتمرد، فيذهب إلى الطبقات الحادة جدا التى يجتهد صاحب التينور ليصل إليها أو يمسك بها، فيضغط على صوته حتى لا يفلت منه الجواب أو جواب الجواب، خاصة فى جواب جواب البياتى والحجاز والكرد والصبا، كان قادرا على أن "يعفق" هذه المقامات ببراعة.. كما كان القارئ الوحيد الذى استخدم مقام السيكا فى الترتيل، لم يقل أحد غيره بهذا النغم فى القرآن المرتل إلا الشيخ مصطفى.

 أنا أعتبره ملك النهاوند.. وهذا المقام أنا أشبهه بصالة البيت، يعنى المكان اللى لازم تتحرك منه لأى حجرة أو مكان آخر، وكان الشيخ مصطفى يتقن فى النهاوند لأنه المقام المركزى الذى يتنقل منه إلى بقية المقامات، كل شويه يعدى عليه، وكل مرة يجود فيه، ولذلك أقول إنه أكثر من أثرى الناحية الفنية فى مقام النهاوند.. وأتصور أنه مقام يتناسب مع شخصية الشيخ مصطفى وتحليله النفسي، فالنهاوند هو مقام عاطفى ورومانسي.. والشيخ مصطفى كان رجلا تغلب عليه عاطفته وإنسانيته.

 وبشكل شخصى أحب سورة "ق" بالذات بصوت مصطفى إسماعيل، لأنها السورة التى سمعتها منه وأنا صبى فى تلك الحفلة ورأيته فيها رأى العين، ولما أسمعها أشعر أننى رجعت 44 سنة إلى الوراء.. وأتذكر ذلك اليوم السعيد الذى جمعنى بالشيخ مصطفى فى مقتبل حياتى.

 أغلب المقرئين أخذوا أسماءهم من أسماء قراهم.. الشيخ البهتيمى مثلا نسبة إلى قريته بهتيم.. المنشاوى نسبة إلى قريته المنشأة فى صعيد مصر.. وكذلك الفشنى والطاروطى وغيرهم كثير.. أما الشيخ مصطفى فهو الوحيد تقريبا الذى نسبت قريته إليه، فكتبوا على اليافطة فى مدخلها (ميت غزال.. قرية الشيخ مصطفى إسماعيل).

  (2)

هذا ملخص ما قاله لى د. طه عبدالوهاب فى شهادته القيمة عن الشيخ مصطفى إسماعيل، المدهش أننى بعدها بساعات كنت أقف أمام حوار نادر للشيخ مصطفى مع الإعلامى المعروف طارق حبيب، وجاء كلامه مؤيدا لكثير مما ذكره لى د. طه عبد الوهاب، فقال مثلا إنه لا "ينجلي" إلا أمام مستمعيه وفى القراءات الحية وأنه لا يفضل تسجيلات الإذاعة ولا يرضيه صوته فيها.. وقال مثلا إنه يحتاج إلى وقت فى بداية تلاوته لتسخين صوته (أو توضيبه حسب وصفه)، وبنص كلماته: لازم يمهلونى ربع ساعة على بال ما أملك نفَسي.. لازم أقعد شويه وأستلهم المدد من الله.. وقال مثلا إنه تعلم فنون المقامات سماعيا وبالممارسة العملية، وحكى أنه بدأ التلاوة مرة بالبسملة وفوجئ بمستمع يعترض ويقول له "ما تنفعش"، فأدرك أنه لم يختر الدخلة المناسبة، فراح "يكح" عدة مرات ثم بدأ القراءة من جديد واختار مقاما آخر نال الاستحسان..!

فتش عن السميعة فى تجربة الشيخ مصطفى إسماعيل، عن تفاعلهم معه وتجلياته وسطهم، إنه بين الناس يحلق ويبدع ويبلغ ذرى لم يبلغها غيره، وأحيانا كان بعض مستمعيه "يُسكره" الصوت المبدع فيُخرجه عن شعوره، مثلما حدث مرة عندما تجلى الشيخ فى سورة "يوسف" فقام واحد من الجمهور يهتف فى انفعال تلقائي: يعنى وبعدين معاك يا شيخ مصطفى؟!

تفاعل الجمهور مع صوت مصطفى إسماعيل فى حفلاته الجماهيرية كان مضرب الأمثال، ولم يجد أستاذ الأدب المقارن د. السعيد بدوى مثالا أوضح منه ليستعين به كنموذج فى مؤتمر عقد بكندا قبل أكثر من عشرين عاما موضوعه "العلاقة بين المؤدى والجمهور"، وأمام عشرات الباحثين من دول العالم عرض الباحث المصرى لورقته البحثية عن مدارس التجويد فى مصر وتفاعل الجمهور مع مقرئيها، ثم أدار جهاز تسجيل كان معه ليعرض مقطعا يقرأ فيه الشيخ مصطفى إسماعيل، وفوجئ الباحث المصرى بالحضور يستعيدون المقطع ويسألونه عن هذا الشيخ الذى أذهلهم صوته وطريقته وتمكنه وتفاعل الجمهور معه.

وحدث فى عام 2002 أن جاء رئيس جمهورية المالديف مأمون عبد القيوم للمشاركة فى افتتاح مكتبة الإسكندرية، وفوجئت إدارة المراسم برئاسة الجمهورية أنه وضع فى برنامج زيارته لمصر زيارة أسرة الشيخ مصطفى إسماعيل، وزالت الدهشة عندما تكشفت الأسباب، فقد كان الرئيس المالديفى من خريجى جامعة الأزهر فى السبعينيات، وأثناء إقامته فى مصر وقع فى هوى الشيخ مصطفى وصوته وكان يحرص على سماعه أثناء قراءاته فى الجامع الأزهر، وتواصل الإعجاب حتى بعد أن عاد لبلده، وكان يقتنى كل تسجيلات الشيخ، ورأى مرة صورته على غلاف كتاب بالإنجليزية عن نجوم المقرئين فاتصل بمؤلفته الإنجليزية كريستينا نيلسون، ولما عرف منها أنها على صلة بأسرة مقرئه المفضل طلب منها أن ترتب له لقاء معهم أثناء زيارته للقاهرة، وبالفعل ذهب الرئيس المالديفى لبيت الشيخ مصطفى إسماعيل وقضى ليلة فى ضيافة أسرته، وتناول العشاء معهم  بحضور الشيخ أحمد نعينع ود. على السمان ود. فتحى نجيب رئيس المحكمة الدستورية وقتها..

(3)

لا نبالغ عندما نقول إن الشيخ مصطفى إسماعيل هو المؤسس الحقيقى لمدرسة الفن فى التلاوة بحنجرته التى لا يعصى عليها نغم ولا تهرب منها قفلة كما يقول نقاد الموسيقى..

هو سلطان مملكة التلاوة.. وتكفيه شهادة د. رتيبة الحفني: كان الشيخ مصطفى إسماعيل وحده معهدا عاليا للموسيقى العربية!.


 	أيمن الحكيم

أيمن الحكيم

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

سقوط الثوابت: لماذا قد لا تكون دروس الماضي كافية للنجاح في أسواق 2026

رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...

كيفية الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج

الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...

صورة مصورة - الضحك من غير «سبت»

يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!

تكريم مستحق من نقابة الصحفيين مها حافظ.. أم مثالية في يوم المرأة

كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...