لسنوات طويلة – جميلة – ارتبط اسم شريهان بشهر رمضان، وكانت أخبار تصوير فوازيرها الجديدة علامة وبشارة على اقتراب الشهر الكريم، تماما كالفوانيس والزينات التى تعلق فى
لسنوات طويلة – جميلة – ارتبط اسم شريهان بشهر رمضان، وكانت أخبار تصوير فوازيرها الجديدة علامة وبشارة على اقتراب الشهر الكريم، تماما كالفوانيس والزينات التى تعلق فى الشوارع والحارات، وقمر الدين والمكسرات التى تزين رفوف المحلات.. ثم كانت الفرجة على فوازيرها طقسا رمضانيا محببا تجتمع حوله الأسرة المصرية، وتتنافس فى حلها وفى المسارعة بإرسال حلولها عسى أن يفوزوا بجوائزها.
ورغم غيابها الذى طال فما زالت شريهان تحظى بمكانة خاصة فى قلوب المصريين، حاضرة بتلك الموهبة المتفردة فى فن الاستعراض، وبتلك الطلة الآسرة كممثلة، وبذلك الخليط المدهش من الحلاوة والشقاوة والأنوثة والبراءة و.. العفرتة!
تحتاج شريهان إلى إعادة اكتشاف لتجربتها وسيرتها وموهبتها، فالأضواء الساطعة التى أحاطت بها طيلة عمرها الفنى المبكر جدا، وما أحاط بحياتها الشخصية نفسها من صخب شديد، لا شك فى أنه ظلمها وغطى على موهبتها وتجربتها، فلم تنل ما تستحق من تقييم وتكريم.
إعادة اكتشاف على طريقة سامى السلامونى، الناقد السينمائى المرموق، الذى خدعته هو الآخر تلك الأضواء وذلك الصخب فلم ير الصورة كاملة وكتب عنها بكثير من الحدة وكثير من الاستهانة، إلى أن فوجئ بدورها فى فيلم "خلى بالك من عقلك" (بطولة عادل إمام وإخراج محمد عبد العزيز 1985)، فراجع موقفه منها وكتب عنها: "الاكتشاف الحقيقى فى هذا الفيلم هو شريهان، التى فاجأتنى شخصيا بأنها ممثلة وليست مجرد طفلة جميلة.. بل إنها ممثلة جيدة أيضا وتؤدى شخصية صعبة ومركبة ببراعة مدهشة تجعلها البطلة الحقيقية للفيلم، وهى مكسب جديد وهام وتستحق أن أعتذر لها عن شكوكى السابقة فى قدراتها".
(1)
إن أول ما يستوقفك فى تجربة شريهان وسيرتها هى تلك المفارقة المدهشة شديدة الغرابة والتناقض والتى يمكن أن نلخصها فى تلك التساؤلات: كيف استطاعت تلك الصبية أن تصنع كل تلك البهجة وسط كل تلك المآسى التى عاشتها وطاردتها فى كل مراحل حياتها؟!. كيف حولت أحزانها الواعرة إلى حالة متوهجة من السعادة الغامرة منحتها للجميع إلا نفسها؟!
إننا هنا إذن فى رحلة بحث عن سر سيدة الأحزان المبهجة..!
ظاهريا، فإن شريهان أحمد عبد الفتاح الشلقانى، المولودة فى 6 ديسمبر 1964، جاءت إلى الدنيا وفى فمها كل الملاعق الذهبية، فوالدها واحد من وجهاء المحامين وأشهرهم وأغناهم، ووالدتها سيدة مجتمع مرموقة وجميلة، وفرت لها كل مظاهر الحياة الناعمة المرفهة، وألحقتها بأغلى مدارس الزمالك، ورغباتها مجابة ولو طلبت لبن العصفور.
لكن عمليا وفعليا، فإن "شيرى" الصغيرة كانت منذ سنواتها الأولى على موعد مع قسوة الحياة.. وكان عليها أن تدفع ثمنا باهظا لمشكلات لا ذنب لها فيها، و أكبر من استيعاب عقلها الصغير وقلبها البرىء.. بل وسبقت مجيئها للحياة.
كانت والدتها السيدة عواطف هاشم قد خاضت ثلاث تجارب زواج انتهت جميعا بالفشل، أولها من المصور السينمائى المرموق أحمد خورشيد، وأنجبت منه أولادها "عمر خورشيد" عازف الجيتار الأشهر، و"جيهان" التى تزوجت من المذيع المعروف فايز الزمر، و"هويدا" زوجة المخرج السينمائى كريم ضياء الدين، ولما نكث أحمد خورشيد عن وعده لها بأن يجعل منها نجمة سينمائية أصرت على الانفصال.. ثم تزوجت بعده من عبد الرحمن الصبان نجل وزير المالية السعودى سرور الصبان، وبعد عشر سنوات من زيجتها دخلت فى مشكلات مع الزوج الخليجى، اقتضت أن تبحث عن محام شاطر، فكان أحمد عبد الفتاح الشلقانى هو محاميها ثم زوجها ومنه أنجبت "شريهان"..آخر عنقود أولادها.
لم تنعم شريهان بحنان الأب الذى انفصل عن والدتها وهى طفلة، ثم رحل فى 11 مايو 1978 قبل أن تحفظ ملامحه، وبرحيله وجدت نفسها فى دوامة من المحاكم والقضايا لإثبات نسبها، بعدما رفض عمها الاعتراف بها، إذ كانت والدتها قد طلبت بأن يكون زواجها من المحامى الكبير عرفيا لسبب عاطفى، فقد كان ابنها عمر مصابا بمرض نادر اسمه "حمى البحر المتوسط" فخافت أن يُطلب للتجنيد بزواجها الرسمى، وارتضت أن يظل عرفيا حتى يعفى من الخدمة العسكرية باعتباره العائل الوحيد!
وكان على شريهان الطفلة أن تكون طرفا فى 19 دعوى قضائية لإثبات نسبها واسترداد ميراثها، ظلت متداولة فى المحاكم حتى حكمت لها – بعد 9 سنوات كاملة – بثبوت النسب فى العام 1980.
وربما لهذا السبب كان أخوها الأكبر عمر خورشيد يشعر تجاه "شيري" الصغيرة بنوع من الذنب وأنه كان أحد أسباب تلك المأساة التى عاشتها منذ طفولتها، فحاول – بفارق السن الكبير- أن يكون لها بمثابة أب، وأن يعوضها عن الحنان الذى حرمتها المقادير منه، فكان يصحبها معه فى كل مكان، وخاصة بلاتوهات السينما واستديوهات التسجيل، وكان أول من تنبه إلى ما تملكه من موهبة بدت فى قدراتها الاستثنائية على التقليد والرقص والغناء، وكان عمر أول من باحت له برغبتها فى التمثيل، ويومها حملها إلى صديقه عبد الحليم حافظ وأمام العندليب قدمت "شيري" فاصلا من تلك الموهبة فحملها بين ذراعيه بحنان وسعادة وأطلق نبوءته: انتى ح تكونى نجمة فى السما.. انتى عندك مواهب تجنن!
وكادت تطير من السعادة عندما وافق على أن يحضر بنفسه المسرحية المدرسية التى تشارك بالتمثيل فيها مع زملائها من تلاميذ مدرسة "آمون" بالزمالك، ويومها "انقلبت" المدرسة بوجود النجم الوسيم معشوق النساء، وجلس عمر خورشيد فى صفوف أولياء الأمور، وبإحساس عارم بالمسئولية مثلت "شيرى" بكل ما تملك من موهبة وحماس، فأبدعت ونالت أجمل تصفيق فى حياتها، ثم تلك الشهادة التى كانت أول جائزة تنالها، إذ حملها عمر فرحا ومبتهجا ومندهشا وفخورا بهذه "العفريتة" الصغيرة التى لم يكن عمرها يزيد على سبع سنوات، وسألته بفضول: عجبتك يا أبيه؟.. فأطلق ضحكة عالية وهو يجيب: عجبتينى بس؟.. ده فاتن حمامة لازم تقلق من النهارده لأن بقى لها منافسة عنيدة!
أصبح عمر خورشيد هو الأستاذ الأول والداعم الأول والأب الروحى لموهبة شريهان والراعى الإنسانى والفنى والمثل الأعلى، فهو الذى قدمها للوسط الفنى فاستفادت من شهرته وعلاقاته ونجوميته ورصيده الضخم، كما أنه بخبرته أراد لها أن تصقل موهبتها بالدراسة العلمية وكان يجهزها للالتحاق بمعهد الفنون المسرحية لتدرس التمثيل على يد أساتذته، وحدث أنه صحبها لواحد من اسطوات المهنة وشيوخها ليعدها لدخول المعهد، لكن عبدالوارث عسر بعدما شاهدها وسمعها نصحها بألا تدرس التمثيل، وبعيون الأستاذ رأى أن تلك الصبية الصغيرة تمتلك موهبة استثنائية، ولديها تلقائية متفردة فى الأداء، وبالتالى فإن الدراسة يمكن أن تفسد عليها أكبر وأهم مميزاتها، وهى النصيحة نفسها التى سبق ليوسف شاهين أن أعطاها للوجه الجديد نادية لطفى عندما أخبرته أنها تنوى السفر إلى أمريكا لدراسة التمثيل فى أكبر معاهده، فاعترض بشدة وكانت وجهة نظره أن الدراسة ستفسد تلك التلقائية والطزاجة فى أدائها، واعترفت لى نادية لطفى بأن تلك النصيحة أفادتها كثيرا وأنقذتها من تحولها من ممثلة مبدعة إلى مجرد ممثلة محترفة أو "صنايعية" على حد وصفها.
وكأن الدنيا استكثرت عليها الأخ والسند فحرمتها منه بقسوة وجلافة مروعة، وكانت شريهان الصغيرة بمفردها عندما تلقت خبر مصرع أخيها الأحب إلى قلبها فى حادث سيارة مروع وغامض، إذ كانت أمها موجودة يومها فى كفر الدوار، وظل هذا اليوم – 29 مايو 1981- واحدا من أسود وأسوأ أيام حياتها، على كثرة أيام المصائب التى عاشتها وواجهتها وصدمتها، فقد ظل كابوسا يطارها ولم تعد حياتها بعده كما كانت قبله.
(2)
وإذا ما اعتبرنا عمر خورشيد هو الجناح الأول الذى حمل شريهان فى بداية حياتها ومشوارها وساهم فى صناعة نجوميتها، فإن الجناح الثانى لم يكن يقل أهمية بل يزيد، وصاحبته هى والدتها السيدة عواطف هاشم، وإذا كان صاحب الجناح الأول – أخوها – كانت مساهمته معنوية وأدبية وإنسانية فى الأساس، فإن والدتها جمعت بين الدعم المعنوى والإنسانى والدعم المادى بحكم أنها كانت أول منتجة فى مشوارها الفنى، ودشنتها بطلة منذ طلتها الأولى، واختصرت عليها سنوات من تعب الصعود التدريجى.
ويبدو أن الوالدة كانت تحس هى الأخرى بنوع من الذنب تجاه ابنتها، وأنها كانت سببا فى ما عانته من مشكلات وأزمات، حرمتها من طفولة سعيدة تستحقها وأدخلتها فى نزاعات طاحنة جعلت حياتها كعواصف الشتاء ونواته.
ولذلك قررت أن تعتذر لها بشكل عملى، وتعوضها عن عذابات لم تكن تستحقها، فأصبحت "شيري" هى طفلتها المدللة ومشروع حياتها، بل قررت أن تكون هى "العوض" عن حلمها القديم المُجهض.. ففى يوم حلمت عواطف هاشم بالسينما، وظنت أن أحمد خورشيد هو الفارس الذى سيحملها على حصانه إلى هذه الدنيا المسحورة لتكون إحدى نجماتها، لكن سرعان ما خاب أملها، إذ رفض – بعد زواجها منه – أن يحقق حلمها، وحولها بالتدريج إلى مجرد ست بيت مهمتها رعاية أولاده وبيته.
واستيقظ هذا الحلم فى ابنتها الصغيرة الجميلة، بعدما اكتشفت أنها ورثت عنها جينات عشق الفن، بل سرعان ما اتضح لها أنها تمتلك مواهب استثنائية، تبدت لها وهى تشاهدها تقف أمام المرآة وفى الجلسات العائلية وفى حفلات المدرسة، ترقص وتغنى وتقلد النجوم ببراعة لافتة، تجعل منها نسخة مصرية من معجزة زمانها شيرلى تمبل.. لم تكتف الأم بالتصفيق والانبهار، فقد قررت أن تمول موهبة شيرى وترعاها وتنميها مهما كلفها من أموال، فألحقتها بمدرسة الباليه، واستعانت بواحد من أهم مصممى الرقصات والاستعراضات – إبراهيم بغدادي- ليعلمها أصول الرقص الإسبانيولى والكلاكيت.. وشجعتها على المشاركة فى برامج الأطفال.. بل وأسست شركة إنتاج فنى خصيصا لتنتج لها أولى بطولاتها وعمرها لا يزيد على تسع سنوات، وكانت باكورة إنتاجها مسلسلا من بطولة شريهان اسمه "المعجزة" (عام 1973) من إخراج أحمد طنطاوى، حقق الهدف الأساسى منه بتقديم شريهان إلى عالم الأضواء والشهرة.. بطلة وليس مجرد سنيدة.
ثم أنتجت لها فيلما سينمائيا اسمه "الخبز المر" من إخراج أشرف فهمى قدمها أيضا كبطلة.. وفكرت الأم كذلك فى أن تقدمها كبطلة على خشبة المسرح، ووصل طموحها إلى أن تستأجر مسرحا من بابه، يحمل اسم شريهان، وتقدم عليه عروضها الخاصة، تماما كما كان يفعل نجوم المسرح فى عصره الذهبى كالريحانى ويوسف وهبى وإسماعيل ياسين وفاطمة رشدى.. فهى ليست أقل منهم، ولولا أن الداء اللعين أصاب الأم وشغلها علاجه وأنفقت عليه الكثير لحققت رغبتها فى إنشاء مسرح شريهان شو كانت مستعدة لأن تضع فيه مليونى جنيه هى أغلب ثروتها!
كانت عواطف هاشم سيدة قوية الشخصية، كانت مستعدة لأن تقاتل الدنيا من أجل ابنتها، ودخلت فى حرب طاحنة مع عائلة الشلقانى بكل قوتها وسطوتها لتنتزع حقوق ابنتها ونسبها لأبيها، وهى التى أصرت على أن تلتحق "شيري" بكلية الحقوق، لتثبت لهم أنها جديرة بالنسب وبالمهنة التى برعوا فيها.. ولذلك كان رحيل هذه السيدة بمثابة كارثة كسرت ظهر شريهان وأفقدتها توازنها، فلم تكن عواطف هاشم مجرد أم.. بل كانت هى الحياة!
(3)
وكأن شريهان أرادت أن تحقق حلم هذه السيدة ولو بعد رحيلها.. فأصرت أن تكون نجمة استعراض استثنائية.. وتحقق حلمها ليس فى المسرح وحده.. إنما فيما هو أكثر شهرة وتأثيرا: فوازير رمضان التلفزيونية..وتلك قصة أخرى!
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...
الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى
ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية
أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد