محمد فريد .. عاشق مصر الذى مات فقيرًا فى الغربة

الزعيم الوطنى محمد فريد، (1868-1919) له تمثال يقف فى وسط القاهرة، واسمه مدون على محطة من محطات مترو الأنفاق، وفى كتب "التاريخ" المقررة على تلاميذ المدارس يرد ذكره فى

الزعيم الوطنى محمد فريد، (1868-1919) له تمثال يقف فى وسط القاهرة، واسمه مدون على محطة من محطات مترو الأنفاق، وفى كتب "التاريخ" المقررة على تلاميذ المدارس يرد ذكره فى سطر واحد بالنص "أكمل مسيرة الزعيم مصطفى كامل فى قيادة الحزب الوطنى"، لكن "محمد فريد" يستحق أن يعرف الناس قصة كفاحه وحكاياته الكثيرة وعمره الذى أفناه فى سبيل استقلال الأمة المصرية؛ مشيرين إلى أن ذكرى وفاته الـ«101» تحل فى منتصف نوفمبر المقبل.

عجيبة هى "مصر"، كل عشاقها، كانوا ينتمون لأعراق أخرى غير"العرق القبطى" و"العرق العربى"، على سبيل المثال، كان "مصطفى كامل" أمازيغيا، ينتمى لقبيلة "كتامة" المغربية، وكان خليفته فى قيادة الحزب الوطنى "محمد فريد" تركى الوالدين، ونسى عشاق "مصر" أصولهم وأعراقهم وضحوا فى سبيل "الأمة المصرية"، ومحمد فريد كان واحدا من هؤلاء العشاق الكبار،.. اسمه "محمد أحمد فريد"، واسم أمه "بمبه هانم"، التحق بمدرسة الإدارة "كلية الحقوق حاليا"، وعقب تخرجه التحق بوظيفة "مترجم فى قلم قضايا الدائرة السنية" و"الدائرة السنية" هى الجهة التى كانت تتولى الإشراف على الأطيان التى يملكها "الخديو"، والخديو فى تلك الفترة كان اسمه "عباس حلمى الثانى" وهو ابن "الخديو محمد توفيق" الذى استدعى قوات الجيش البريطانى لتحتل مصر، خوفا من "عرابى" ورفاقه الأحرار، فدام الاحتلال لمدة أربعة وسبعين عاما، وتنقل "محمد فريد" بين الوظائف، فعمل فى "محكمة مصر الابتدائية، ونيابة الأزبكية، وأصبح "وكيل نيابة " وتزوج من السيدة "عائشة هانم" وأنجب منها ولدين وأربع بنات، ورغم هذا النجاح الوظيفى والاجتماعى والثروة الطائلة الموروثة عن الوالدين، انغمس "محمد فريد" فى العمل السياسى والنضال من خلال "الحزب الوطنى" الذى أسسه "مصطفى كامل" فى العام "1907"، وكانت جذوة الثورة العرابية "المهزومة" حية فى القلوب والنفوس، وكان "النديم" صحافيا وخطيب الثورة العرابية هو من تبنى الشاب "مصطفى كامل" وغرس فيه روح الوطنية، وهكذا هى مصر، لاتعرف الرضوخ أبدا، فإذا هزمت فى حرب، استيقظت فى وقت قصير واستعدت للجولات القادمة، لا تبكى "مصر" على اللبن المسكوب، بل هى دائما تفكر فى الخطوة المقبلة، وكان "الحزب الوطنى" الذى أسسه "مصطفى كامل" امتدادا للحزب "الوطنى الأهلى" الذى ناضل به قادة الثورة العرابية، ورغم الهزيمة، ظهر الحزب الوطنى من جديد، بروح جديدة، وكان "محمد بك فريد" من هؤلاء الشباب الذين قرروا تحرير مصر من الاحتلال والخديو والجاليات الأجنبية التى كانت تمتص خيرات الشعب المصرى ولا تترك له غير الفتات، وعقب وفاة الزعيم "مصطفى كامل" اختار أعضاء الحزب الوطنى "محمد فريد" ليكون زعيما للحزب، وكان هذا الاختيار، دعوة لهذا الشاب ليتفرغ للنضال من أجل حقوق الأمة، وينفق أمواله التى ورثها عن والديه فى سبيل القضية الوطنية، واستهل الزعيم الجديد للحزب الوطنى نضاله بإرسال "تلغراف" إلى وزير الخارجية البريطانى، يؤكد له فيه أن "الحزب الوطنى" عازم على استكمال مسيرة الكفاح، حتى تتحرر الأراضى المصرية من قبضة الجيش البريطانى، وكتب ـ فريدـ مطالبا وزراء الحكومة المصرية بالاستقالة احتجاجا على قيام "المعتمد البريطانى" باغتصاب سلطة ليست من حقه، سمحت له بأن يكون صاحب اليد العليا فى البلاد، وأن يكون "الحكم" بين المراقبين الأجانب والمستشارين العاملين فى الوزارات والوزراء المصريين فى حال نشوب نزاع بين الطرفين، وحرر المناضل الوطنى "محمد فريد" عريضة تضمنت مطالبة "الخديو" بوضع دستور للبلاد، وانتخاب مجلس نيابى، وطرح هذه العريضة للتوقيع عليها، واستجاب الشعب لها، وتم تقديم العريضة للخديو، وكان "الدستور" هو مطلب الشعب المصرى الأول الذى طالبت به الثورة العرابية، ولأن "عباس حلمى الثانى" لايختلف كثيرا عن والده "الخديو محمد توفيق"، فلم يستجب لمطلب الشعب، لكن الكفاح الوطنى استفاد من هذه العريضة، فقد تحولت إلى "مفجر" لروح الثورة، وظل الشعب يطالب بالدستور والمجلس النيابى، حتى تفجرت ثورة 1919 وصاغ المصريون "الدستور" وشكلوا "المجلس النيابى" ودافعوا عنه ضد الملك "فؤاد"، ولأن الكفاح الوطنى عبارة عن حلقات فى سلسلة، فإن "الحلقة" التى يمثلها "محمد فريد" كانت مهمة، فهى التى وصلت بين "الثورة العرابية" و"ثورة 1919" بدليل أن "مصطفى النحاس" كان عضوا فى "الحزب الوطنى"، و"سعد زغلول" كان من شباب الثورة العرابية، وواصل "محمد فريد" دفاعه عن الاقتصاد الوطنى ضد الشركات الأجنبية التى استولت على السوق المصرية واستولت على الموارد والثروات ونهبت الخيرات وتركت المصريين جوعى فى بلادهم، ودافع عن "الفلاحين" الذين خسروا أراضيهم لصالح البنوك الأجنبية التى كانت تعمل فى مصر، وتمنح الفلاحين القروض بفوائد باهظة يعجزون عن سدادها، فتصادر البنوك الأراضى وفاء للدين ويصبح الفلاحون أجراء مدينين بعد أن كانوا يعيشون عيشة طيبة ويملكون الأرض ويعيشون حياة طيبة، ورغم ضعف "الطبقة العاملة" المصرية، بسبب قلة عدد المصانع وقيام الاحتلال الإنجليزى بإغلاق المصانع الوطنية حتى يفسح السوق المصرية أمام بضائعه ومنتجاته، إلا أن "محمد فريد"، حاول أن يبث روح الوطنية وروح المطالبة بالحقوق الاقتصادية فى صفوف العمال المصريين ونقل لهم خبرة العمال الأجانب فى تنظيم الاعتصامات والإضرابات، وفى العام 1912 خطب ـ فريدـ فى المؤتمر السنوى للحزب الوطنى خطبة طالب فيها الشعب بالكفاح حتى تحرير البلاد من قبضة المحتل، فانزعج "المعتمد البريطانى" من تزايد النبرة الوطنية، وقرر اعتقال زعيم الحزب الوطنى، وبالمصادفة وحدها، كتب "محمد فريد" مقدمة لديوان شعرى للشاعر "على الغاياتى" حمل عنوان "وطنيتى" وكانت مقدمة محمد فريد مكتوبة تحت عنوان "أثر الشعر فى تربية الأمم"، ووجد "المعتمد البريطانى" المبرر لمحاكمة "فريد" طبقا لقانون معيب اسمه "قانون المطبوعات" كان الهدف من إصداره قتل الروح الوطنية والقضاء على الحركة الشعبية المناهضة للاحتلال، وصدر الحكم بسجن "فريد" وهو موجود فى أوربا، ونصحه أصدقاؤه بعدم العودة حتى يسقط الحكم الصادر ضده، لكن إحدى بنات ـ فريدـ كتبت إليه رسالة طالبته فيها بالحضور لتنفيذ الحكم الصادر ضده حتى لا يتهمه أحد بالخوف والجبن، واستجاب الزعيم لنداء ابنته وحضرإلى القاهرة، ومكث فى السجن ستة شهور، وعن السجن كتب "محمد فريد" فى مذكراته:

ـ مضى علىّ ستة شهور فى غيابات السجن ولم أشعر بالضيق، إلا بعد اقتراب خروجى، لعلمى أنى خارج إلى سجن آخر، وهوسجن الأمة المصرية، الذى تحدده سلطة الفرد ويحرسه الاحتلال، فأصبح الشعب مهددا بقانون المطبوعات، ومحكمة الجنايات، محروما من الضمانات التى منحها القانون للقتلة وقطاع الطرق.

ومن المهم هنا التوقف قليلا لمعرفة الإطار الفكرى الذى عمل به "محمد فريد" والمناضلون فى صفوف الحزب الوطنى، والحقيقة أنه إطار فرضته الظروف، فقد كانت "الخلافة العثمانية" هى صاحبة الولاية على مصر منذ العام 1517 بعد هزيمة "الغورى ثم طومان باى"، وجاءت بريطانيا بالقوة المسلحة لتقطع الطريق على الثورة العرابية التى نادت بالقضاء على "الاحتلال الاقتصادى الأوربى" لمصر، وهو احتلال نتج عن "استدانة" الخديو إسماعيل من بيوت المال الأوربية، حتى أصبحت "مصر" مرهونة لهذه البيوت والبنوك، ولهذا كانت "الخلافة" حاضرة فى عقيدة الحزب الوطنى، لكنها ممزوجة بالوطنية المصرية، وهذا الفكر كان سائدا فى صفوف العرابيين، فلم يكن أحد من الساسة المصريين يستطيع الصدام مع "خليفة المسلمين"، لكن الفكرة الوطنية هى التى تغلبت فى النهاية، وعرف الناس أطماع الخليفة العثمانى، ونشأت حركة وطنية مستقلة، ولو رصدنا المنجز النضالى للزعيم الراحل "محمد فريد" فسوف نجد أن هذا الرصيد كبير ومهم، فهو الذى نشر المدارس الليلية ليتعلم فيها أبناء الشعب، وهو مؤسس أول نقابة، نقابة "عمال الصنائع اليدوية" فى العام 1909، ومقرها "بولاق أبوالعلا" بالقاهرة، وكان عدد أعضائها "800 عامل" وكانت تلك النقابة هى النواة الأولى للنقابات المصرية، ويقدر المؤرخون والمعاصرون نضال ـ محمد فريدـ بقولهم إنه استطاع أن يجعل المجتمع المصرى يهتم بقضية الاستقلال وطرد الجيش البريطانى من مصر، ويجعل العالم المتحضر يعرف ممارسات بريطانيا ضد الشعب المصرى من خلال الوفود المصرية التى كانت تطوف عواصم أوروبا ومقرات الصحف والأحزاب، شارحة تفاصيل حيوات المصريين تحت قبضة المحتل البريطانى، ويقولون إنه لو كان موجودا فى مصر لتفجرت الثورة فى العام 1913 بدلا عن "مارس 1919" ولو أنه كان موجودا فى ظل زخم ثورة 1919 لاختاره الشعب زعيما لها، وعاش الزعيم غريبا، وأصبح فقيرا لايملك ثمن الدواء بعد أن داهمته أمراض الكبد والكلى، وفى 15 نوفمبر 1919 مات الزعيم ولم تجد أسرته المال اللازم لنقل جثمانه إلى "مصر" التى عشقها، وضحى بروحه وحياته وماله من أجلها، وتبرع التاجر المصرى "خليل عفيفى" بتكاليف نقل جثمان الزعيم إلى أرض الوطن، والآن يا عزيزى القارئ تستطيع أن تمر فى الشارع الطويل الفاصل بين "مسجد السيدة عائشة" و"مسجد السيدة نفيسة" بمدينة القاهرة، وهناك سوف ترى مدفن "محمد بك فريد" رحمة الله عليه.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - صلاة الطفولة

  ليس سواهما فى المقام، مأخوذيْن بالوجد كأنهما ليسا مجرد طفلة وطفل، أخوين، ارتبطا بالمكان كأنهما عاشا فيه ألف سنة، فصار...

سهيلة الرملى: «اتكلمى» ركزت على المسكـوت عنه فى كتب التاريخ

الموسوعة كشفت لحظات الاعتراف فى حياة مينا وحتشبسوت ونفرتارى

«السيد فى حقل الأدب».. شهادات وقـراءات كاشفة لعالم صبرى موسى

ابن بور سعيد الذى خط لنفسه طريقًا مختلفًا فى الرواية العربية

خالد أمين: وقعت فى غرام الـرعب والغموض

أرفض تقسيم الفن لدرجات عندما تشتد وطأة الواقع يلجأ الناس للخيال الرعب النفسى يجعلنا نواجه أسئلة لا نطرحها فى المعتاد