الشيخ عنتر مسلم.. «مقرئ الغلابة» الذى أحرج «رموز التلاوة»

إذا صدَّقنا العبارة القديمة التى تقول: "نزل القرآن فى مكة، وطُبع فى اسطنبول وقُرئ فى مصر".. فإننا يجب أن نصدق هذه الحكاية العجيبة، عن شيخ كفيف لم يكمل تعليمه استطاع

إذا صدَّقنا العبارة القديمة التى تقول: "نزل القرآن فى مكة، وطُبع فى اسطنبول وقُرئ فى مصر".. فإننا يجب أن نصدق هذه الحكاية العجيبة، عن شيخ كفيف لم يكمل تعليمه استطاع أن يحرج رموز التلاوة ويغير نظرة المجتمع إلى قارئ القرآن الكريم فى مصر.

القارئ الشيخ عنتر مسلم (1936 ـ 2002)، المولود فى قرية "العِمة" مركز "قطور" فى محافظة الغربية، استطاع أن يفعل ذلك، بأن يثيرَ أكبر ضجّة "ثقافية ـ فنية" فى زمنه، ويجمع آلاف المريدين حول طريقته الفذة فى قراءة القرآن، وهى الضجة التى رافقته طوال حياته، وامتدت آثارها إلى ما بعد رحيله بسنوات طويلة، وهى التى صنعت له جماهيرية غفيرة بين القرى والنجوع، فى كثير من المحافظات منتصف الثمانينيات، بعيداً عن القراء الرسميين فى "الإذاعة المصرية"، إلى أن كادت هذه الضجة أن تَخْفت، وأوشك صوت هذا الرجل على الاندثار، حتى جاء الكاتب طايع الديب ليفاجئ الأوساط الثقافية المصرية بكتاب جميل عن الشيخ الذى رحل عن دنيانا دون أن يُكمل تعليمه الأزهري، ومن دون أن يدرى أن جماهير محبيه أصبحوا موجودين فى بلدان كثيرة حول العالم، ومن دون أن يعلم أنه سيصبح يوماً ما، دليلاً لا يطوله الشك على الظلم الذى تعرض له من قبل تيار سلفى قوى ومتشدد داخل مؤسسة "الأزهر الشريف"، على الأقل، قبل أكثر من عشرين عاماً.

أظن أننا أمام كتابٍ يحكى ببساطة آسرة ولغة أدبية راقية، قصة كفاح مقرئ شجاع وشريف، حاول بكل قوته ـ وهو رجل كفيف البصر ـ تقديم تصور جديد لكيفية تقديم قراءات للقرآن الكريم، بالاعتماد على قراءات الصحابة، وعدم الاكتفاء بشكل واحد للقراءة أو حتى بـ "القراءات السبع"، أو حتى "العشر"، وأظن أن تلاميذ "مدرسة الشيخ عنتر مسلم فى التلاوة"، الذين يتزايدون يوماً بعد يوم، قد يجعلون قصة كفاح هذا الرجل مُرشحة للصعود إلى الواجهة من جديد، رمزاً للرجل الذى راح ضحية الفهم السلفى لقراءة القرآن الكريم، وهى قضية لها أبعادها الثقافيّة والتجاريّة والسياسيّة، المرتبطة بشكل الحياة السياسية فى مصر منذ نهاية الملكية 1952، وحتى عقد التسعينيات من القرن العشرين.

أحسب أنه بدلاً من أن يبدو المسئولون عن تجديد الخطاب الدينى فى "الأزهر الشريف"، وكأنّهم لا يجدون مساراً يبدأون منه العمل، أعتقد أنه بات من الممكن اليوم، أن تبدأ المؤسسة إعادة قراءة هذا الكتاب، ربما طرأ لها أن تغيِّر شيئا من موقفها من هذا الشيخ المبدع الكبير، أو أن تعدل رأيها فى تجريم القراءات الأخرى، غير المعتمدة من قبل الأزهر، حيث اتخذ الأزهر من الشيخ عنتر موقفاً يتناقض عكسياً مع موقف الجماهير، لدرجة أن الشيخ اضطر إلى نشر "إعلان توبة" رسمى فى الصحف القومية الثلاث "الأهرام، الأخبار، الجمهورية"، فى سابقة لم تحدث من قبل لمقرئ مصرى على مدار التاريخ الطويل لـ"دولة التلاوة" فى مصر، نظراً لتحالف عدة قوى ضده، على رأسها صراعات بعض المشايخ وغيرتهم الشخصية من هذا الشيخ الكفيف، الملم بالقراءات والذى تسبب فى قطع عيش الكثيرين منهم.

لقد كان الكاتب طايع الديب موفقاً جداً فى الإشارة إلى أننا أمام قصة تنطوى على نوع من القسوة والتعسف ضد الشيخ عنتر، ليس من قبل مؤسسة واحدة فقط، بل من جهات عدة، وعلى مستويات الصراعات الاقتصادية بين شركات "توزيع الكاسيت" التى كانت التجارة الأكثر ربحية فى سوق ذلك الزمان، فسرعان ما تبيّن أن الموقف الظالم من الشيخ كان ينطوى أيضاً- على مصالح تجارية محضة، وعلى موقف من تلك الشركة الصغيرة فى الغربية، التى كانت تحصد مكاسبها من مبيعات الكاسيت التى تحققها شرائط الشيخ عنتر، بينما تعانى بضاعة الشركات الكبرى فى القاهرة "كبار القراء" نوعاَ من الكساد، ملمحاً إلى أن هذه الشركات ربما استعانت ببعض محررى الصفحات الدينية فى الصحف القومية، فى ذلك الوقت، لمهاجمة الشيخ عنتر، بعد أن تقدم نحو 20 من قراء محافظات الدلتا الذين أوقف مُسلم حالهم، بشكوى جماعية موقعة إلى شيخ الأزهر، قالوا فيها "إن شيخاً كفيفاً جاهلاً يقيم فى مدينة قطور، امتهن قراءة القرآن فى المناسبات، ورغم أنه لم يُكمل تعليمه الأزهري، إلا أنه يرخّص لنفسه وضع قراءات من عند نفسه، ويقرأ بروايات غير موجودة فى كتب العلماء الثقات، ولم يتلقها عن شيوخ القراء المعتمدين".

 "حفص" والمزاج العثمانى

رغم أن الشيخ عنتر "القارئ الكفيف"، غادر دنيانا العام 2002، فإننا يجب أن نوجه الشكر لصاحب كتاب "الكروان الممنوع قصة الشيخ عنتر مسلم"، لأنه استطاع أن ينكأ الجرح المصرى العميق، المتجذر فى تراثنا وهويتنا، وهو أننا لا نعرف الكثير عن تراثنا الثقافى العربى -للأسف الشديد- وأن ما نعرفه منه كان ولايزال رهين ما سمح لنا به المستعمرون، الذين تناوبوا على اغتصاب أرضنا لنهبها واغتصاب ثقافتنا لتشويهها وتشويه أجيالنا المقبلة، لدرجة أننا لانزال نعتبر "رواية حفص عن عاصم"، هى القراءة المُعتمدة فى العالم العربي، لأنَّها هى تلك القراءة التى اختارتها "الدولة العثمانية" لذائقتنا، وأننا لانزال نقرأ القرآن بهذا المزاج العثمانى وحده، لا لشيء سوى لأنه ظل المزاج الرسمى للسلطنة العثمانية، التى ظلت تنهب بلادنا وتخرب عقولنا أكثر من أربعة قرون.

الحق أن هذا الكتاب يطرح المزيد من الأسئلة الملحة على الثقافة المصرية، أليس من الأجدى بنا أن نبدأ التفكير فى ذلك المزاج المفروض علينا بقوة الاستعمار القديم؟؟.. واحتفالاً ولو بمرور أكثر من قرن على زوال ذلك المستعمر العثمانى عام 1914، أليس من المخجل ألا يدرس مثقفونا ما سرقه المستعمرون من ماضينا وتراثنا وأغانينا، خلال كل هذه العقود الطويلة، أليس من المخجل حقاً أن نغمض أعيننا عن ذلك التنوع الهائل فى القراءات القرآنية، بحجة الخوف من ارتباك العامة أو اضطراب القراءة، وهى حُجة زائفة، لأن العامة ينفرون - كما رأينا- من تلك الذائقة الواحدة المفروضة بقوة السلطة، والتى تستبعد التعدد، أى تستبعد الأصل القويم فى الأشياء، ومنها قراءة القرآن بقراءات متعددة، على الأقل لتكريس ذلك التنوع الهائل الذى يحمله النص.

إن أكبر دليل على قوة القضية التى قدَّمها صوت هذا الرجل وطريقته فى قراءة القرآن، حيث كان يعيد قراءة الآية الواحدة سبع مرات على القراءات السبع، وأكبر دليل على قدرته الاستثنائية على تحقيق الشهرة والانتشار مصرياً وعربياً وعالمياً، بعد انتشاره على شبكة الانترنت، أن جماهير الشيخ عنتر بين قراء القرآن كانوا فى تزايد مستمر، حينما كان يقرأ فى المآتم، وكما ينقل الكاتب كانت جماهيريته تعادل فى الثمانينيات من القرن الماضي، جماهيرية المطرب أحمد عدوية بين جماهير المطربين.

يرصد الكاتب حكايات طريفة على ألسنة مُحبى الشيخ عن إعجاب الناس به ومحبتهم له، لدرجة أن بعض الناس كانوا يدفنون موتاهم ويؤجلون العزاء لمدة تصل إلى ثلاثة أيام، لحين فراغ مسلم من إحياء المناسبات التى اتفق عليها مسبقاً، وكان هذا غريبا على أرياف الدلتا، حيث يوجب العرف السائد إقامة العزاء فى نفس يوم الوفاة، لذلك كانت هناك حالات طريفة تحدث، منها أن عمدة قرية "كوم الطويل" فى "كفر الشيخ"، أجَّل عزاء والده، العمدة السابق، ووضع الجثمان فى الثلج 3 أيام وأثار هذا التصرف الغريب عضب أقارب الرجل وشيوخ القرية، لكنه قال لهم إن والده أوصاه ألا يقرأ أحد فى عزائه سوى الشيخ عنتر، حتى جاء مسلم فى اليوم الثالث، وتم دفن المتوفى أخيراً، وأقيم عزاء لا مثيل له، حضره عشرات الآلاف بعد أن كادت تصبح فتنة فى البلد".

 سرادقات مبهجة..!!

رغم كل هذه السنوات من الغياب (رحل الرجل عام 2002)، هاهو الكاتب طايع الديب يستعيد الحكاية المؤثرة لهذا الشيخ، متتبعاً الآثار الهائلة التى تركتها أشرطة الكاسيت التى تحمل قراءته بعض آيات الذكر الحكيم على جماهير من ثقافات مختلفة، لافتاً إلى اهتمام كثير من الباحثين الغربيين بالشيخ كظاهرة "لا غنى عنها لرصد التاريخ الثقافى المصري"، مشيراً إلى ما حدث معه شخصياً بمجرد الإعلان عن إعداده كتاباً عن ذلك القارئ المثير للجدل، يقول الديب: "بمجرد الإعلان عن كتاب يحكى قصة الشيخ عنتر مسلم، تواصل مع المؤلف عشرات الأشخاص، مصريون وعرب وأجانب، منهم الدكتور "أندرو سايمون"، الباحث فى برنامج "دراسات الشرق الأوسط"، بكلية "دارثموت" الأمريكية، الذى قال إنه يعمل على كتاب يسجل تاريخ مصر الثقافى خلال الخمسين سنة الأخيرة وإن فى الكتاب فصلاً عن مسلم، باعتباره قارئاً مثيراً للجدل، مختلفاً عن عصره، مختلفاً معه".

لقد كانت طريقة قراءة الشيخ عنتر -على ما يبدو- مصرية حتى النخاع، تشيعُ جواً من البهجة لا تخطئها عينٌ، لدرجة أن كاتبنا يخصص فصلاً فى الكتاب بعنوان "سرادقات عزاء ذات بهجة"، وربما كان هذا الملمح المصرى القديم هو السبب الذى أثار غضبة السلفيين من ذوى الأصول الصحراوية، تلك الغربان السود التى رأينا كيف أدمنت العيش فى الظلام، من كهوف تورا بورا إلى جبال العراق وسوريا، إلى كهوف اليمن، هؤلاء الذين تدربوا على الجريمة ثم لطخوا بها ثوب الإسلام، ثم جاءوا إلينا هنا ليكفروا شيوخنا المبدعين، ها هو الصوت السلفى الجهورى الشيخ عبدالحميد كشك، يطالب بإعدام الشيخ عنتر مسلم، لأنه يفترى على الله ورسوله وقرآنه كذباً".

الحق أنه فى ظل هذه الرغبة السلفية العارمة والمحمومة فى تشويه الرجل، صدر قرار الأزهر، ومن ثم صدر قرار بمنع أشرطة الشيخ عنتر من التداول، وتم ضبط كمية منها، وينقل الكاتب الواقعة المنشورة فى جريدة "الجمهورية" حين "قررت نيابة أمن الدولة وقتها تحت إشراف المستشار يحيى عارف المحامى العام بالإسكندرية، مصادرة الأشرطة، وأصدرت إدارة البحوث والنشر بالأزهر قرارها بمنع القارئ من القراءة، وحظر تداول أشرطته نهائياً فى الأسواق".

لكن الشيخ العنيد لم يفقد إيمانه بقوة موقفه أبداً، ظل قادراً على التلوين النغمى فى قراءاته، وظل يضع كبار القراء ومنهم الشيخ محمود الطبلاوى فى حرج شديد، بسبب هذا التلوين النغمي، وينقل الديب شهادة كاتبنا الكبير الراحل خيرى شلبى عن مزايا التلوين فى القراءات القرآنية ودلالاته، يقول:

"إن تلوين الأداء على السبع أو العشر ليس مجرد استعراض لألوان القراءات من "ورش" إلى "حفص"، وليس مجرد إشارة إلى اختلاف لهجات العرب، ومرونة القرآن الكريم فى تقبله للقراءة على جميع لهجات القبائل التى نزل عليها الذكر الحكيم بلغتها، إن تلوين الأداء بهذا الأسلوب المنفرد إثراء للسان العربي، وانعاش لذاكرة العرب، وعودة باللغة إلى بداوتها الأولى".

أما المفارقة المضحكة التى يُفضل أن ننهى بها هذه القصة العجيبة، هى أن الشيخ عنتر مسلم الذى منع الأزهر أشرطته ظل يعمل موظفاً فى وزارة الأوقاف طوال ربع قرن، كان يمارس خلالها عمله الحكومى فى المهمة ذاتها التى عوقب بسببها، وهى القراءة، ويرجع السبب فى هذه الكوميديا الحكومية، إلى ذلك الخلاف التليد بين جناحى المؤسسة الدينية فى مصر: "الأزهر الشريف" ووزارة الأوقاف.


 	محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

قصة مصورة - أطفال النول

تلتفت الطفلة ضاحكةً لدعابة زميلها، الطفل الذي من سنها، تقهقه، من أعماق قلبها تقهقه، بينما يداها على "النول"، تعرفان طريقهما...

«ذلك هو البعد».. قصيدة نثر تغازل ماضيها «الصوفى».. وتُعاتبه

استعانت بالنفرى فى عنوان ديوانها الجديد يمكن قراءة القصائد عبر منهج يدرس «طقوس التعرف» الشعرى

هند مختار: أكتب لمتعتى الشخصية

أصدرت «سيرة المرأة العجوز» بعد 15 سنة من روايتها الأولى أهتم فى كتاباتى أن تكون اللغة بسيطة وتخاطب كل الناس...

التأمل.. تجربة الصمت والهدوء الممتع

تشير الدلائل الأثرية على بعض جداريات كهوف الهند إلى حوالى 5000 سنة ق.م وتظهر الحفريات أشخاصا فى وضعيات تأملية بعيون...