مدينة "القاهرة" هى ذاتها "المحروسة" و"مصر المحروسة" و"مصر"، وكلها أسماء دالة على المدينة "النداهة"، التى ندهت الفنانين والمبدعين والمغامرين والتجار، والصعايدة
مدينة "القاهرة" هى ذاتها "المحروسة" و"مصر المحروسة" و"مصر"، وكلها أسماء دالة على المدينة "النداهة"، التى ندهت الفنانين والمبدعين والمغامرين والتجار، والصعايدة والبحاروة، والعرب من المحيط إلى الخليج، وبعد أن ندهتهم، ارتموا فى أحضانها، منهم من صعد وعلا نجمه ومنهم من انتهى به المشوار عند حدود معينة، فلم يحقق ما جاء من أجله ومنهم من هرب إلى "واشنطن" و"لندن " و"باريس"، ومنهم من انزوى فى إحدى الحوارى الضيقة، وتنازل عن حلمه وعاش عيشة رجل الشارع العادى.
(1)
الكتابة عن "القاهرة" من أصعب ما يصادفه الكاتب، لكن الأصدق والأيسر هو أن يكتب كل كاتب عن "قاهرته" التى "ندهته" فالتصق بها وأصبح منها وأصبحت منه، ونحن أبناء "الجنوب المصرى"، نولد وفى قلوبنا حلم السفر إلى الشمال، أى شمال، المهم هو أن يكون هذا الشمال بعيدا عن جبال بلادنا وجفاف صحرائها وقسوة قلوب غالبية أهلها، وهى قسوة نابعة من قسوة الطبيعة وقسوة الحياة بتفاصيلها، وكل صاحب حلم أومشروع أو فن، هجر الجنوب إلى "القاهرة" أو "الإسكندرية"، لكن "القاهرة" هى العاصمة التى فيها كل شىء، و"الإسكندرية" هى الأكثر رحمة بالصعايدة لكنها مثلها مثل بقية البلاد المصرية تحتاج القاهرة ولا تستغنى عنها.
(2)
جئت "القاهرة" للمرة الأولى، فى ثمانينيات القرن الماضى، ضمن وفد "عائلى" استهدف زيارة "معرض القاهرة الدولى للكتاب"، واشتريت كتابا عن حياة الشاعر الكبير "بيرم التونسى"، كنت آنذاك تلميذا فى المرحلة الثانوية، وزرتها عدة زيارات أيام كنت طالبا جامعيا، وندهتنى للبقاء فيها فى أواخر العام 1991، وكان فى انتظارى على "رصيف 11" بمحطة السكة الحديد، الصديق الشاعر والصحفى الدكتور "فارس خضر"، وكنت عرفته فى "قسم الصحافة" بكلية الآداب، جامعة أسيوط ، فرع سوهاج، وكان معنا أصدقاء أعزاء يعملون فى مجلة الإذاعة والتليفزيون "الغالية على قلوبنا وبيتنا الكبير" ومازالت تجمعنى بهم المودة والمحبة والاحترام، لكن "فارس خضر" هو دليلى للقاهرة، هو من علمنى كيفية استخدام تذكرة "مترو الأنفاق" وكانت محطة "حدائق الزيتون" هى قبلتى الوحيدة كلما ضاق بى الحال، وفى "حدائق الزيتون" بيت عائلة "فارس" الذى استضافنى كثيرا وعرفت فيه معنى الكرم والمحبة الحقيقية.
(3)
سكنت فى أحياء قاهرية عديدة، وكان مسكنى الأول فى "شـارع عليــش، عين شمس الغربية"، وكان "فارس خضر" هو من رافقنى فى تلك الرحلة الأولى من "رصيف 11" حتى البيت الذى أقمت فيه ليلتى الأولى، وانتقلت منه إلى "المطرية" وكانت إقامتى قصيرة المدة، وأقمت فى "حلوان" و"المقطم "، وأقمت فى مناطق أخرى تتبع محافظة الجيزة، منها "بولاق الدكرور" و"فيصل" و"ناهيا "، والقاهرة كانت بالنسبة لى "القضاء والقدر"، ولا مفر من القضاء، ولا مهرب من القدر، رأيت فيها ما لم أره فى حياتى السابقة فى الصعيد، وعشت التطبيق العملى للمثل الشعبى القائل "اللى مارباهش أبوه وأمه، تربيه الأيام والليالى"، و"الأيام والليالى" التى عشتها فى هذه المدينة، ربتنى وعلمتنى وعرفتنى ما لم أعرفه قبل إقامتى فيها وقبل أن أصبح واحدا من سكانها.
(4)
ويا عزيزى القارئ القاهرى، وغير القاهرى، إليك قصة ميلاد مدينة "القاهرة" حسب ما رواها الكاتب "شحاته عيسى إبراهيم" فى كتابه المشهور الذى حمل عنوان "القاهرة ":
تتألف "القاهرة" من أربع مدن قديمة، كل واحدة منها كانت عاصمة، لفترة من الزمان، وكل واحدة منها تمثل طورا من أطوار حياة المصريين فى العهد الإسلامى، هذه المدن هى "الفسطاط، العسكر، القطائع، القاهرة المعزية" وجميعها تقع على شاطئ النيل الشرقى وتلال المقطم، والقاهرة الحالية ابتدأت من "الفسطاط" وامتدت باتجاه الشمال، والفسطاط أنشأها "عمرو بن العاص" وهى أقدم الحواضر الإسلامية، وظلت مركزا للسيادة والحكم طوال عصر الخلفاء الراشدين والدولة الأموية، فلما أفل نجم الأمويين، وقامت على أنقاضها دولة بنى العباس، أنشأ "أبوعون عبدالملك بن يزيد" ـ والى مصر الممثل للخليفة العباسى ـ مدينة "العسكر" واتخذها مقرا لولايته، وفى عهد "أحمد بن طولون" أنشئت مدينة "القطائع"، ولما غزا "الفاطميون" مصر، كان أول ما قام به "جوهر الصقلى" قائد جيوش المعز لدين الله الفاطمى، هو تحديد مكان العاصمة "القاهرة" والشروع فى بنائها، ولما انتهى العصر الفاطمى ودخل "صلاح الدين الأيوبى" البلاد، قرر أن يجمع المدن الأربع داخل سور عظيم، امتد من منطقة "أثر النبى" جنوب "الفسطاط"، حتى منطقة "قلعة المقس" التى يوجد مكانها فى الوقت الحالى مسجد الفتح فى ميدان رمسيس، وبنى "صلاح الدين" جزءا من هذا السور، وأكمل خلفاؤه ما تبقى منه، وامتدت "القاهرة" حتى التقت بمحافظتى الجيزة والقليوبية".
(5)
فى "القاهرة" حضور كبير للتاريخ الذى عاشه المصريون، ومن شواهد هذا التاريخ "شجرة مريم" و"الكنيسة المعلقة" و"الجامع الأزهر" و"مسجد عمرو بن العاص" و"بانوراما حرب أكتوبر" و"وكالة الغورى" و"سبيل محمد على" ومسجد "أحمد بن طولون" وغيره من الآثار ذات القيمة العلمية والثقافية الكبرى .
(6)
وفى القاهرة مصانع كبرى، وأرض زراعية "15ألف فدان"، وفيها فرص "أكل العيش" وفرص التعليم والتدريب، وكل هذه الإمكانات جعلت سكانها يتزايدون حتى بلغوا عشرة ملايين نسمة "حسب إحصاء العام 2018"، وهناك عشرة ملايين يدخلون القاهرة صباحا ويغادرونها فى المساء بعد انقضاء مصالحهم وإنجازهم ما جاءوا من أجله من بيع وشراء وزيارات للمرضى وختم أوراق رسمية من جهات حكومية مركزية .
(7)
ولعلك يا عزيزى القارئ عرفت من أخبار "الخديو إسماعيل" الكثير، لكن لك أن تعرف أنه الذى بنى "وسط القاهرة" حسب حلمه القديم "أن تكون مصر قطعة من أوروبا "، وقد استطاع بالفعل أن يجعل "وسط القاهرة" شبيها بمدينة "باريس"، وأنشأ الشوارع وهدم البيوت التى كانت تعترض سير هذه الشوارع الكبرى، ومن أشهرها "شارع عبدالعزيز" ومنطقة "العتبة " كلها .
(8)
وتضم "القاهرة" أربعة وثلاثين حيا سكنيا، منها "الأزبكية، الوايلى، الموسكى، باب الشعرية، عابدين، بولاق، الزيتون، حدائق القبة، الشرابية، الزاوية الحمراء، الساحل، شبرا، روض الفرج، دار السلام، حلوان، السيدة زينب، الحسين، الخليفة، مصر القديمة، المعادى، طرة، التبين، الأميرية، وكل حى من هذه الأحياء يضم خليطا من أبناء الأقاليم المصرية المختلفة من الشمال والجنوب والشرق والغرب، وسكان القاهرة القدامى تجدهم فى أحياء بولاق أبوالعلا والسيدة زينب والباطنية والأزهر والغورية والحسين وكل ما يحمل مسمى القاهرة الفاطمية، وهذه الأحياء القاهرية الفاطمية تختلف عن الأحياء المنشأة حديثا، وأول مظاهر هذا الاختلاف يتمثل فى التعاون والترابط بين أبناء هذه الأحياء وسيادة أعراف موروثة تتحكم فى سلوك الجميع، فهى أحياء تحمل سمات "المجتمعات" والأحياء الحديثة تحمل سمات "التجمعات" التى جمعتها ظروف اقتصادية واجتماعية ولم تتعمق العلاقات بين ساكنيها بما يجعلها مجتمعات تحكمها قوانين وأعراف وتربط بينهم مصالح وروابط قوية.
(9)
والمبدعون من الشعراء والروائيين القادمين من الدلتا والصعيد كتبوا عن القاهرة ووصفوها بأنها مدينة بلا قلب "الشاعر أحمد عبدالمعطى حجازى" وأنها مدينة الأسمنت ومدينة الغواية، والنداهة "يوسف إدريس"، ورغم هذا المنتج الإبداعى المتشائم، لم يغادر هؤلاء المبدعون القاهرة ولم يرجعوا ثانية لقراهم الرحيمة ومدنهم الطيبة، لأن القاهرة القاسية فيها ما ليس فى المدن المصرية الأخرى، وهى المدينة التى تصنع نجومية النجوم وتمنح النجاح والثروة لكل قادرعلى فهم قوانين العيشة فيها.
انفوجراف
القاهرة عاصمة جمهورية مصر العربية، تقع فى شمال أفريقيا، تأسست فى العام 969 الميلادى وتحتل المرتبة الأولى بين المدن العربية من حيث المساحة، وتبلغ مساحتها 453 كيلو متر "مربع"، وترتفع عن مستوى سطح البحر "23 مترا" وحملت عدة ألقاب على مدى تاريخها منها "مدينة الألف مئذنة، مدينة مصر المحروسة، قاهرة المعز".
كانت القاهرة عاصمة للدولة الفاطمية والأيوبية، وكانت مقر حكام ينوبون عن الخلفاء العباسيين، وكانت مقر حياة المماليك الذين تسلموا حكمها من الأيوبيين ومازالت آثارهم الإسلامية باقية فى أحيائها القديمة من مساجد وقباب ومقابر.
تضم القاهرة ثلاث جامعات كبرى هى "جامعة الأزهر" و"عين شمس " و"الجامعة الأمريكية".
فى القاهرة مقرات لعدة هيئات ومنظمات دولية، منها جامعة الدول العربية، منظمة الصحة العالمية، منظمة الأغذية والزراعة، منظمة الطيران المدنى والدولى.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات
المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...
نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...
أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة