نصوص مصرية فى مسرح 2019

غياب الكاتب المسرحى المصرى كان من أهم الظواهر التى برزت فى عام 2018 وتجسد ذلك واضحاً فى المهرجان القومى وجوائز الدولة، التى حجبت، بالإضافة إلى المسارح المغلقة، فماذا

غياب الكاتب المسرحى المصرى كان من أهم الظواهر التى برزت فى عام 2018 وتجسد ذلك واضحاً فى المهرجان القومى وجوائز الدولة، التى حجبت، بالإضافة إلى المسارح المغلقة، فماذا فعل المسئولون بشأن هذه الظاهرة فى 2019؟ وهل تغير الأمر.. ربما كانت القضية الكبرى بالنسبة لى فى 2018 هى غياب الكاتب المسرحى المصرى أو قل تراجعه، وكنت أتطلع فى 2019 إلى أن يكون عام الكاتب المسرحى المصرى.. وسوف أحاول قراءة بعض العروض التى اعتمدت على النصوص المصرية التى قدمت كعروض على خشبات المسارح وأهمها فى 2019 "شباك مكسور - نوح الحمام، ترنيمة الفلاح الفصيح، ماما، خيبتنا، ابن رشد، سينما مصر، عبور وانتصار، اهتزاز" وقبل أن ينتهى العام تم تقديم عرضين عن نصوص مصرية، "حريم النار" تأليف شاذلى فرح، و "ظل الحكايات" تأليف إبراهيم الحسينى.

شباك مكسور

كان أول هذه النصوص وأهمها مسرحية شباك مكسور أو صنع فى مصر الذى تناول حياة أسرة مصرية من خلال مجموعة من الشخصيات؛ أفراد العائلة الذين يجسدون شرائح المجتمع المصرى وأمراضه، بل كل شخصية ناتج ظاهرة من الظواهر التى أصابت المجتمع فى العقود الخمسة الأخيرة، وتدور الأحداث فى شقة هذه الأسرة وبالتحديد فى الصالة حيث الشباك المكسور الذى يطل على خرابة تراكمت فيها أكوام القمامة فكانت النتيجة رائحة نتنة اعتادها أهل البيت، وتستمر الحياة دون محاولة إصلاح الشباك الذى يتجاوز كونه مجرد نافذة. اعتمدت الكاتبة رشا عبدالمنعم فى هذا النص على أجزاء وأفكار درامية ساخرة من مقالات الكاتب الساخر جلال عامر "عودة الصول خميس، ليلة القبض على الخروف، هريدى والبوتاجاز" حيث تناول النص مشاكل المجتمع وأسئلة الواقع المعقدة والعميقة فى أسلوب ساخر اعتمد على المحاكاة التهكمية واقترب من الهجاء السياسى والاجتماعى للواقع وذلك من خلال إعادة صياغة الواقع المصرى ممثلاً فى عطية وأسرته حين قامت الكاتبة بتحوير مدلول المادة موضوع المحاكاة أى "مأساة الأسرة" إلى مجرد هيكل يخلو من الصبغة المأساوية التى كانت تطبعها، فمأسأة الأسرة/المجتمع تحولت إلى مادة للضحك المأسأوى ولأن مرجعية مادة هذه المحاكاة لدى الجمهور الذى يعيشها أيضاً فهو شريك أساسى فى هذه المرجعية، والعرض يؤكد على هذه الشراكة، وعلى الرغم من أن الإطار العام للحكاية يبدو مباشراً إلا أن الحبكة الرئيسية وبناء الأحداث وترتيبها فى النص يطرح رؤية عميقة لا تخلو من طابع فلسفى لقضايا الواقع اليومى فى مصر من خلال البناء الشعرى للشخصيات التى جسدت شرائح المجتمع المصرى بل أقرب إلى القراءة السسيولجية للمجتمع المصرى فى معالجة درامية وبالإضافة إلى الأستاذ عطية والأمين جمعة أو عم جمعة، هناك شخصية أبلة فاطمة الزوجة المدرسة التى تواظب على الدروس الدينية وترفض العمل فى الدروس الخصوصية ومع هذا وفقاً لتعبير زوجها "ليس لديها مانع تقلب الحصص فى المدرسة"! فهى نتاج طبيعى للتدين الزائف، أما الابنة الكبرى لواحظ التى حملت اسم الجدة القعيدة، فتجسد مأساة شريحة كبيرة من النساء اللائى دفعن ثمن أمراض المجتمع المصرى فى العقود الأخيرة سواء فى تعثرها فى التعليم أو فشل زواجها واختفاء زوجها أو حالة الهطل التى أصابتها، أما الابنة الصغرى التى تعتقد فى الخرافات والجن والعفاريت فهى نتاج طبيعى لفساد منظومة التعليم على مدى سنوات طويلة، والابن طالب الفلسفة صاحب النظريات العميقة والذى أصابه خلل من العمل السياسى والاعتصامات الدائمة مع الأب عطية النموذج الصارخ لرب الأسرة المصرى الذى استسلم لكل التناقضات التى عاشها المجتمع سنوات طويلة والعرض من إخراج شادى الدالى وبطولة أحمد مختار.


 مسرحية ماما

فضاء مسرحى يوحى بالثراء الفاحش والفخامة، وضع فيه حسن بيضون مصمم الديكور صالوناً يجسد هذه الحالة فى فضاء اللعبة، قريباً من الجمهور، ثم أحاط الفضاء المسرحى بستائر تبدو بيضاء، وأمامها تكوينات حديدية على شكل أعمدة أقرب إلى أجواء القصور.. وحرص مصمم الإضاءة شارلى ستروم على أن يؤكد منذ اللحظات الأولى على هذه الحالة التى تذهب بالمشاهد إلى عالم شريحة الأغنياء الجدد، مجسداً الفراغ الكبير فى مسرح الفلكى والإضاءة، حيث تدور أحداث مسرحية "ماما"، تأليف وإخراج أحمد العطار حيث يوحى الصالون ذو الطراز الكلاسيكى الذى يشير إلى غرفة الاستقبال المترفة الأنيقة بأنه سيكون مسرحاً للأحداث، وأننا سوف نشاهد مسرحية من عروض البوليفار فى صيغة حديثة تجسد الحياة الواقعية للبرجوازية الجديدة؛ شريحة الأغنياء الجدد من رجال الأعمال، وذلك من خلال طرح تفاصيل الحياة اليومية التى تبدو عادية وطبيعية لكنها لا تكشف فقط فساد الحياة الاجتماعية لهذه الطبقة، بل تشير إلى ممارسات سياسية واجتماعية عامة فى المجتمع من خلال شخصيات حرص الكاتب/ المخرج على أن تكون عميقة وثرية فى بنائها العميق، فعلى الرغم من أن العرض يوحى للمشاهد بأن حبكته الأساسية تدور حول الأم فإن جميع الشخصيات أبطال الحكاية، الأم، الأب، الابن، الزوجة، الأحفاد، الصديقات، الخادمات، السائق، هذا هو العالم، طبقة الأغنياء الجدد أو الطبقة البرجوازية، ثم الخدم الذين يجسدون طبقة الفقراء، وتقريباً الطبقة الأولى تحمل نفس الصفات.. الغرور، التدين الزائف، وأيضاً المشاعر الزائفة، والمعاناة من الفراغ، وإذا كان العطار وصف العرض بأنه محاولة لكشف علاقات السلطة المعقدة التى تشكل تعاملاتنا مع بعضنا البعض ومسئوليتنا المشتركة عن الأحداث وعجزنا الجمعى أمام تلك الأنماط، فإن العرض طريقة مختلفة لقراءة الواقع الحالى، نعم ولكن فى صيغة مضمونة النجاح عبر سنوات طويلة، فقد كان المخرج من الذكاء بأن وضع هذه الأفكار فى قالب البوليفار الأكثر شعبية والمناسب لطرح موضوعات هذه الطبقة التى تدور حولها الحبكة الأساسية، وإن كان العرض كما ذكرت قدم صيغة حديثة استفادت من المدارس المسرحية المعاصرة ومن التقنيات التكنولوجية لتقديم عرض لا يخلو من الانتقاد الاجتماعى والسياسى.

 انتصار العقل

اعتمد العرض"الحالة توهان" على نص الفيلسوف والفقيه الذى كتبه سيد إبراهيم حول صراع ابن رشد فى مواجهة قوى الجهل فى الأندلس، والذى انتهى بإحراق مؤلفاته التى أنقذت منها الإنسانية عدداً من النسخ أضاءت الطريق ليس فى العالم العربى بل فى أوروبا، وأضاف المخرج مجموعة من المشاهد والإطار العام للحكاية كمسرح وثائقى، سواء المحكمة الافتراضية أو نماذج من التاريخ، مثل مجموعة المحاكمات الحديثة، مع أغانى إبراهيم عبدالفتاح، ليجسد هذا الثلاثى النص المكتوب الذى اعتمد فى الأصل على نص سيد إبراهيم، وذلك من خلال مجموعة من المشاهد التى تجسد هذه الرؤية وتبدأ من رد إنجلترا على ثورة 1919 وكيف فشلت فى ضرب الوحدة الوطنية فأنشأت جماعة الإخوان المسلمين للنيل من هذا الشعب، ودعمتها بالمال والرعاية حتى صارت جماعة مسلحة، وفيما بعد كيف أنشأت أمريكا تنظيم القاعدة لضرب روسيا فى أفغانستان، وكيف أنشأت إسرائيل تنظيم داعش، حيث يسرد الراوى الفنان "جمال عبدالناصر" هذه اللمحة التاريخية على الجمهور، قبل أن يعود إلى أصل الظاهرة فى الأندلس موضوع نص الفيلسوف والفقيه، حيث يقف اثنان من فقهاء الأندلس فى فضاء المسرح على مقربة من الجمهور يميناً ويساراً لهجاء ابن رشد والفلسفة بشكل عام من خلال خطاب لا يخلو من الطابع الساخر الذى يؤكد جهل هؤلاء، ليعقبه مشهد محاكمة طه حسين حول كتاب الشعر الجاهلى عام 1926، وبين هذه المشاهد يعود المخرج سيد خاطر إلى اللحظة الراهنة مع المحكمة الافتراضية التى تحاول مناقشة هذه القضية مع أطرافها.

 الفلاح الفصيح

الأوبرا الفرعونية الطقسية "ترنيمة الفلاح الفصيح".. هذا التوصيف أو العنوان الذى حملته بطاقة عرض ترنيمة الفلاح الفصيح من إخراج سعيد سليمان، وموسيقى هانى عبدالناصر، وتأليف وأشعار محمد حمد، وديكور وأزياء رامة فاروق، من إنتاج مسرح الشباب.. هذا العنوان المركب يقودنا إلى قراءة العرض الذى استمر نحو ساعة، فنحن أمام قالب أوبرا، وأسطورة فرعونية، ومسرح طقسى، ثلاث مفردات نقرأ من خلالها العرض، وقد نجح هذا النص فى تجسيد هذا الطقس الفرعونى وإضفاء طابع معاصر من خلال التساؤلات التى طرحها من خلال ثنائية حور وخوان، وترجم سعيد سليمان هذه الرؤية بوضعها فى قالب الأوبرا التى قدمها الملحن هانى عبدالناصر الذى أدى أيضاً دور حور وأضفى عليه طابعاً فرعونياً من خلال الآلات التى استخدمها مع ديكور وأزياء رامة فاروق التى حولت فضاء مسرح الشباب، الخشبة والصالة، إلى معبد فرعونى، بل قل إلى مدينة فرعونية، حيث استغل المخرج هذا الفضاء للتواصل بين الخشبة والصالة. ورغم صعوبة هذا الطقس ومفرداته التى تحتاج من الجمهور إلى معرفة مسبقة حتى يتحقق التواصل بين الخشبة والصالة فإن مفردات المنظر المسرحى مع الحالة الموسيقية التى تورط فيها المشاهد منذ اللحظات الأولى أسهمت فى تحقيق التواصل.

 خيبتنا

عرض "خيبتنا لما فارقتنا" يقدم من خلال فصلين رسالة مباشرة وصريحة للشعب المصرى، والعربى أيضاً، قائلاً: "عندما تنظر فى المرآة وتجد نفسك مشوهاً.. هل ترى العيب فى المرآة فتكسرها؟ أم ترى الأصوب وتبادر بإصلاح نفسك" ويختار أسلوب المسرح داخل المسرح لكسر الإيهام والاشتباك مع الجمهور من خلال فضاء مسرحى أقرب إلى معبد فرعونى يحوى أعمدة وجدراناً من حضارات مختلفة، أفريقية وآسيوية وأوروبية فى إشارة للثقافات والحضارات المختلفة التى توالت على مصر، وأعضاء الفرقة يؤكدون هذه الدلالة من خلال الملابس التى تجسد بيئات وعصور متباينة فرعونية ورومانية وآسيوية وعربية، وفجأة يقتحم المخرج المشهد ويقرر إلغاء العرض بحجة أن عنوانه أثار جدلاً كبيراً على المستويين السياسى والاجتماعى، حين اعتقد الجميع أنه هو المقصود بـ "خيبتنا" وتبدأ التساؤلات والاقتراحات بين الخشبة والصالة فالمخرج يوجه حديثه للجمهور كى يكون شريكاً فى اللعبة أو قل يتم توريطه فى الحدث منذ اللحظات الأولى، وبعد اقتراحات لا تخلو من التنبيط السياسى، يقرر المخرج "محمد صبحي" أن الطفل أصغر أعضاء الفرقة "ثمانى سنوات" فى إشارة واضحة للانحياز للمستقبل، وهو من سيختار الفكرة التى سترتجل حولها الفرقة العرض وعلى الفريق أن يختبئ فى الكواليس ويختار كل منهم دوره، ليبدأ العرض "مسرحية داخل المسرحية" حيث الطفل أمام جهاز كمبيوتر يكتب مذكراته/العرض وخلفه شاشة تملأ عمق المسرح سوف يكون لها دور كبير فى الأحداث فهذه المادة السينمائية التى سيتم استخدامها عبر الشاشة ليس فقط مجرد محاولة لخلق مكان آخر للأحداث أو إيحاء بوجود عالم موازٍ للحدث الذى تدور وقائعه على خشبة المسرح، فالحوار الذى يقع بين الممثلين الواقفين على خشبة المسرح والواقفين داخل الشاشة، هذا التفاعل بين الممثلين ووسائط التكنولوجيا يعيد تشكيل التصورات عن الشخصيات الواقفة على خشبة المسرح الحى حيث تذهب الكاميرا إلى الماضى والمستقبل وتجسد عبر الشاشة شخصيات وحيوات تحاورهم وتشتبك مع من هم على خشبة المسرح.


 نوح الحمام

الفضاءات الثلاثة التى وضعها المخرج والمؤلف أكرم مصطفى كحيز للعب فى عرض نوح الحمام أقرب إلى المسرح الحميمى فى مواجهة المتفرج، تعمل بطريقة المونتاج المتوازى، حيث تتناوح هذه الفضاءات كما يشتد هبوب الرياح حول شخصية "وطنى" اللغز وهو القوة الفاعلة التى تحرك الأحداث دون أن يظهر، قوة خفية نتعرف عليه أو قل تتجلى شخصيته من خلال تناوح الفضاءات الثلاثة، حيث تتكامل الحكايات بين الأسرة والمجتمع والسلطة لترسم له صورة تحمل سمات البطل الشعبى الأقرب إلى الأسطورة التى تنسج حولها الجماعة حكايات تمزج بين الواقعى والمتخيل، بعضها منسوب إليه دون أن يفعله، بالإضافة إلى الصفات التقليدية مثل الشجاعة وعشق النساء والقدرات الجنسية الخارقة والجانب الإنسانى النموذجى! حيث يعطى لنا النص أمثلة تتناقلها المنصات الثلاثة، ففى المنصة الأولى غرامياته مع صافية العمة الكبرى التى أحرقت نفسها ثم صفية ابنة أخيها الحاضرة فى العرض من خلال حكايات لا تخلو من الخيال وتؤكد صفات البطل الشعبى من خلال لغة عارية تستعير لغة الجنس من الحكايات الشعبية وترسم له صورة زئر النساء، وفى فضاء السلطة كيف أطلق الرصاص على ضابط الشرطة وكان على بعد خطوات منه ثم عبر فوقه كأنه لم يفعل شيئاً قاصداً بيته، نام مع زوجته، وفى الصباح كان الضابط غارقاً فى دمه حمله وألقى به على باب المستشفى والمبالغة واضحة بما يتناسب والبطل الشعبى، أيضاً كيف قتل محمد شقيق سلام بعد أن استولى على سلاحه وكأنه بطل خارق للعادة، وحكايات الأطفال عنه "خلف البارمان" ليجد المشاهد نفسه فى هذا البناء الصلب من عمارة الكلام العارى من كل زينة أو بلاغة أمام شىء حقيقى كالواقع وليس أمام شىء خيالى أو تجريدى، بعد أن تم تجسيد المنصات أو الفضاءات الثلاثة بأقرب صورة لها فى الحقيقة، لأن ما سوف يحدث بعد ذلك إعادة تمثيل الواقع وتصويره، حيث جسد فادى فوكيه مهندس الديكور تفاصيل الواقع وكأنك تعيش فى هذه القرية مسرح الأحداث، الأول غرفة معيشة ريفية، مرآة للزينة وأريكتان وملابس الزوجة وجرة وطشت غسيل، وفى منصة سلام طالب الثأر بجلس أمام بيت وأمامه صفيحة بها أدوات الشاى وزير به ماء وخلف البيت كأنه حقيقة النافذة والباب، كل شىء واقعى وفى الحانة التى هى فضاء ضابط الشرطة جسد باراً حقيقياً ربما أكثر حداثة من حانات القرى، ليقدم المؤلف المخرج نموذجاً لأسلوب الإخراج الواقعى بكل الأعراف والتقاليد لهذا النوع.


 سينما مصر

فى مشروع تخريج الدفعة الثانية تمثيل، اختار خالد جلال السينما وتاريخها الحافل والعريق مادة أساسية لهذا المشروع من خلال عرض استمر أكثر من ساعتين قدم من خلالها مجموعة من أشهر المشاهد السينمائية التى يعرفها الجمهور والتى لا تجسد فقط أعماق الوجدان المصرى المرتبط بهذه الأفلام ولكن تؤكد عظمة السينما المصرية وتاريخها الحافل والمزدهر، حيث يمكن من خلال هذه المشاهد قراءة اتجاهات السينما المصرية على مدى ما يقرب من قرن من الزمان، ذكرت الحبكة الأساسية فكرة قوامها فقدان الذاكرة والرغبة فى استعادتها، الذاكرة بكل تجلياتها، واستخدم المخرج أسلوب الفرجة المسرحية معتمداً على المشاهد السينمائية التى تؤكد الهوية المفقودة مؤقتاً. قدم خالد جلال فرجة مسرحية ممتعة ومدهشة على مدى ساعتين حقق من خلالها بالإضافة إلى المتعة واستعادة الزمن الفنى الجميل ومشاهدة هذه الروائع الانتصار للسينما المصرية ليس فقط على المستوى الفنى الذى أثبت صلاحيته فى إثارة المشاعر رغم مرور سنوات عديدة بل من أيضاً ما قدمته وحفظته من أعراف وتقاليد وعادت رسمت صورة من لحم ودم لشخصية مصر الحقيقية.

 عبور وانتصار

عرض "عبور وانتصار" يجسد حدثاً تاريخياً عظيماً، موجهاً للأجيال الجديدة التى لم تعش أجواء الحرب وتعاصر عظمة الانتصار فى محاولة لتقديم صورة حية لهذا الحدث من خلال عدة مستويات، التاريخى والاجتماعى من خلال لوحات درامية، أقرب إلى المسرح الوثائقى، استعار العرض كل مفردات اللحظة التاريخية من أغانٍ جسدت رد فعل الشعب فى تلك المرحلة، بالإضافة إلى تفاصيل الحياة اليومية والأحداث التاريخية لتقدم صورة حية للأجيال الجديدة حول هذا الحدث الكبير، يطرح عرض "عبور وانتصار" تأليف وإخراج محمد الخولى ثلاثة مستويات للتعبير عن نصر أكتوبر فى الفترة التى تلت نكسة 67 وحتى أكتوبر 73، الأول يرسم صورة للشارع المصرى من خلال حارة شعبية تمثل شخصياتها رد فعل المواطن المصرى وتفاعله مع هذا الحدث، لعرض سلوك الإنسان الجماعى حيال التاريخ أو حيال هذا الحدث وهو الجزء الدرامى فى العرض والثانى ما يحدث على الجبهتين المصرية والإسرائيلية، أى الجزء الوثائقى، بالإضافة إلى مجموعة من اللوحات الغنائية والاستعراضية، حيث يبرز فى المستوى الأول مجموعة من الشخصيات المصرية التى تحمل صفات وطبائع خاصة يقرأ من خلالها المشاهد المجتمع المصرى فى تلك الفترة، فى محاولة لعرض التاريخ على المسرح باعتباره جزءاً من الحاضر بعد إلقاء الضوء عليه من خلال رؤية معاصرة، فالعرض يقدم رؤية معاصرة لحرب أكتوبر.

 اهتزاز

رأس ضخم يهتز، يتأرجح مضطرباً خلف ستار شفاف فى عمق المسرح على أنغام الموسيقى، رأس لا ينظر إلى الجمهور الذى يراه من الخلف، ليعلن من البداية عن اهتزاز العقل واضطراب الأفكار، وحين يضاء المسرح على غرفة معيشة سنجد باراً وفتاة تبدو مريضة نفسياً ويبدو هذا من تعبير الوجه والأداء الحركى، فتاة خائفة مريضة، مرتبكة، كأنها تقول للجمهور إن الرأس المهتز الذى كأن يتأرجح قبل إضاءة فضاء الحكاية رأسى، هكذا يبدأ عرض اهتزاز على مسرح الهناجر ونسمة الفتاة التى تجسد هذه الدراما النفسية تردد " الوقت يمر كالزئبق، أُحاول الإمساك به لكنى لا أستطيع، أنتظر أن ينتهى اليوم، ليبدأ يوم جديد، وحين ينتهى يجىء يوم آخر، فآلة الزمن لا تتوقف، وأنا أضطر أن أُشرق وأنتظر على أملٍ.. أنتظر.. أنتظر.. أنتظر" وهناك شخصية أخرى "ليلى" تبدو فى الظاهر أكثر توازناً من صديقتها لكن فى أعماقها لا تختلف كثيراً، أما الشخص الثالث فهو "سيف" الفتى الذى سوف يؤكد الحالة المرضية فهو يحب ليلى ويطمع فى نسمة.


 حكايات علينا

عرض "حكايات علينا" المأخوذ عن قصص الكاتبة سلوى بكر، وبالتحديد من مجموعة "الروح التى سُرقت تدريجياً"، الصادرة عام 1989، والذى عرض فى مسرح الفلكى من إخراج دينا أمين، يطرح التغيرات التى طرأت على المجتمع المصرى بدءًا من سبعينات القرن الماضى وحتى وقتنا هذا، من خلال قصتين، الأولى تحمل العنوان نفسه، والثانية "الحلم الأمريكى"، وحكاية أخرى كتبتها سلوى بكر لتكتمل الرؤية، حيث جاء العرض فى ثلاثة مشاهد تبدو منفصلة لكن تجمعها رؤية الكاتبة للواقع المصرى فى نصف قرن. حكايات يغلب عليها الطابع الاجتماعى من خلال ثلاث أسر مصرية تعيش أو قل تجسد التغيرات الاجتماعية التى طرأت على الواقع، ويبدو منها مشروع الكاتبة الإبداعى الذى يؤكد أن الوعى بالواقع يولد وعياً بإمكانية تغيره وتطويره، حيث جسدت هذه المشاهد منظومة معادلة للتغيير للسياسى والاجتماعى فى الواقع المصرى.

 


 	جرجس شكرى

جرجس شكرى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

طرح كمبوند مايان الشروق من STM إستلام فوري متشطب بالتقسيط على 10 سنوات

قصة مصورة - على نار هادية

المنطقة بعيدة عن الأحياءالسكنية المتكدسة، "هِو" كما يقولون.. والرصيف الذى يقف عليه الشاب، يطل على شارع واسع سريع، تملؤه السيارات...

«شاعر الكائنات الهشةوالتفاصيل الصامتة»..شعراء يضيئون تجربة فتحى عبد السميع

نحت لنفسه مسارًا متفردًا داخل قصيدة النثر المصرية فى المقدمة يناقش د. محمد فكرى الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمى...

نورا ناجى: «بيت الجاز» أعادتنى للحيـاة بعد إحباط وخذلان

أضع دائمًا جزءًا من نفسى فى كل بطل وبطلة لرواياتى كلنا يسعى للجوائز.. لكنها ليست الغاية الوحيدة