انتفض الوسط الثقافي الأسبوع الماضي على وقع خبر مؤلم للجميع، حيث جرى إعلان اكتشاف إصابة الشاعر والمترجم الكبير رفعت سلام بسرطان الرئة. إصابة الشاعر الكبير بهذا المرض
انتفض الوسط الثقافي الأسبوع الماضي على وقع خبر مؤلم للجميع، حيث جرى إعلان اكتشاف إصابة الشاعر والمترجم الكبير رفعت سلام بسرطان الرئة. إصابة الشاعر الكبير بهذا المرض المتوحش فجعت الجميع، لكن الفاجعة الأشد إيلاما كانت البحث عن طريقة لعلاجه على نفقة الدولة، بعد أن أكد الطبيب المعالج أن العلاج الأنجع لحالته هو العلاج الجيني الذي من المتوقع أن يقضي على المرض بعد ثلاث جرعات، وكل جرعة عبارة عن حقنة ثمنها مائة ألف جنيه، أي أن إجمالي التكلفة ثلاثمائة ألف جنيه.
يبدو رقم الـ300 ألف زهيدا فى مقابل إنقاذ حياة شاعر كبير فى قامة ومكانة رفعت سلام، الذى أثرى المكتبة العربية بمؤلفاته وترجماته القيمة، لكن الفاجعة أنه لا توجد جهة تتحمل دفع هذا الرقم، وكالعادة حدثت الكثير من المناشدات لجهات عديدة لعلاج الشاعر الكبير على نفقة الدولة، لكنها باءت بالفشل، اتحاد الكتاب تنصل بحجة أن سلام ليس عضوا فيه، نقابة الصحفيين لم ترد رغم إنه عضو فيها، فهو مؤسس القسم الثقافى فى وكالة أنباء الشرق الأوسط قبل خروجه للمعاش منذ سنوات قليلة.
تواصل عدد من المثقفين مع الفنانة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة، التى تواصلت بدورها مع وزارة الصحة لعلاج سلام على نفقة الدولة، لكن "الصحة" ردت بأن العلاج الجينى الذى قرره الطبيب المعالج ليس مدرجا على لائحة العلاج على نفقة الدولة، وقالت إن المتاح فقط هو العلاج الكيماوي، الذى ربما لا يتحمله جسد الشاعر فى المرحلة الحالية، كما أنه أقل جدوى لحالته حسبما قرر طبيبه المعالج.
رجع الجميع لنقطة الصفر مرة أخرى، والحسرة تملأ الحلوق، فما حدث من فوضى رديئة مع صاحب "وردة الفوضى الجميلة" يمكن أن يتكرر مع الكثيرين بعد ذلك، كما حدث مع الكثيرين قبله، مثلما حدث مع الروائى يوسف أبورية رحمه الله، الذى لم تسعفه القوانين واللوائح، وكما حدث مع الشاعر الراحل محمد أبودومة الذى تكفلت المملكة العربية السعودية بعلاجه وقت مرضه، والمترجم الراحل خليل كلفت الذى عولج فى إيطاليا فى إحدى أزماته الصحية قبل وفاته.
قرر العديد من المثقفين الاعتماد على أنفسهم، فى ظل الإحراءات البيروقراطية العقيمة، وأطلقوا العديد من المبادرات، ليس فقط لعلاج سلام ولكن لإثبات أنهم يمكنهم الاعتماد على أنفسهم، وتحمل تكاليف علاج بعضهم إذا سقط أحدهم مريضا فى المستقبل، ورفعت المؤسسات المعنية يدها كالعادة، فأعلن الشاعر أحمد سراج عن ندوة عن مشروع سلام الشعرى وتباع فيها نسخ من كتاب "النهار الآتي" الذى يتناول التجربة الشعرية للشاعر الكبير بسعر يحدده المشترى، على أن توجه حصيلة بيع الكتاب لعلاج سلام.
ومن جانبه أعلن الشاعر الشاب محمد المتيم عن مبادرة دعا فيها المثقفين لأن يبيع كل منهم جزءا من مكتبته ويوجه حصيلتها لنفس الهدف، كما أطلق الناشر عاطف عبيد مبادرة لعمل "معرض سريع مكون من إسهامات كل الناشرين وتكون حصيلة المعرض لدعم هذا المبدع العظيم ويكون المعرض باسم "فى محبة رفعة سلام" وتكون سنة قابلة للتكرار. وقال الشاعر سمير درويش إن "هناك اتصالات بجهات عربية داعمة، وبرجال أعمال مصريين، خصوصًا أن احتياجات العلاج محددة بالضبط، وليست كبيرة، أتمنى أن تسفر عن نتيجة خلال الساعات القادمة. الاتصالات شخصية، خارج المؤسسات".
هذه المبادرات، على بساطتها، ورغم إن العائد منها لم يكن ليكفى لدفع تكاليف العلاج، فلن تجمع كلها الـ300 ألف المطلوبة، لكنها كانت تعبيرا عن مكانة سلام فى خريطة الثقافة المصرية، شاعرا ومترجما، والأخطر أنها كانت تعبيرا عن حسرة المثقفين وهوانهم على مؤسسات قائمة على وجودهم وإسهاماتهم، فقرروا أن يجمعوا من بعضهم جنيهاتهم القليلة لعلاج واحد منهم، بعد شعورهم بأنهم غير مرحب بهم أحياء، وليسوا موضع اهتمام فى مرضهم ومحنتهم.
وفى خطوة لافتة، جاء الحل لهذه المعضلة من الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، الذى تواصل مع عدد من المثقفين لعلاج الشاعر الكبير على نفقة الجامعة العريقة، التى كان سلام أحد خريجيها فى سبعينيات القرن الماضي، لم تكن مبادرة الخشت فقط إنقاذا لحياة سلام فى ظرفه الصحى الدقيق، لكنه كان إنقاذا لصورة الدولة العريقة والكبيرة..
المناشدات المكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعى لعلاج الشاعر، والاتصالات الشخصية التى أجراها كثيرون من رموز الثقافية أثمرت أيضا عن مبادرة رجل الأعمال سميح ساويرس بالتكفل بنفقات علاج سلام، فقد اكدت انباء صحفية أن "الكاتب محمد سلماوى تواصل مع سميح ساويرس، بهذا الشأن، وبادر بطلب رقم الحساب لتحويل المبلغ اللازم للعلاج وقيمته 300 ألف جنيه لتغطية ثمن 3 حقن لعلاج الشاعر، بعد إصابته بسرطان الرئة".
بعد مبادرتى الخشت وساويرس المحمودتين، اطمأن الجميع على أن علاج سلام سيسير فى طريقه الصحيح، وأن هناك من سيتحمل تكاليف العلاج، لكن أحدا لم يطمئن على مستقبله وحياته وصحته إذا جاء عليه الدور، ووقع فريسة مرض عضال، فى ظل فقر المثقفين ماديا، فهم فى معظمهم يعيشون على الكفاف ولا يطالبون الدولة بشيء فى حياتهم، يقومون بدورهم فى التنوير بإخلاص ودأب، دون شكوى من ضيق الحال، لكنهم يريدون بالتأكيد أن يطمأنوا على حالهم إذا مرض واحد منهم فكل مبدع يسأل نفسه: إذا جاء علىّ الدور ووقعت مريضا ماذا سأفعل وهل ستتكفل الدولة بعلاجي؟ وإذا رفعت الدولة يدها فهل ستجدى مناشدات زملائى وأصدقائي؟ فالفوضى التى صورها سلام فى شعره على أنها فوضى جميلة شعريا اتضح أنها رديئة فى الواقع، وكل مثقف ينتظر هاويته الآتية لا محالة، ليقول لها مأساته.
يذكر أن رفعت سلام ولد بمدينة منيا القمح فى محافظة الشرقية عام 1951، ويعد أحد أهم رموز شعراء جيل السبعينات، ويستحق أن تذهب له إحدى الجوائز التى تمنحها الدولة منذ فترة كبيرة، سواء كانت جوائز الدولة التقديرية عن إسهاماته الشعرية وفى الترجمة، أو جائزة ملتقى الشعر الذى تستضيفه القاهرة، وربما يكون هذا الوقت المناسب لمنحه أى من الجائزتين، ليس من باب منحة المرض كما قد يتصور البعض، لكن من باب الاستحقاق الشعرى والأدبى عن جدارة.
سلام كان أحد الفرسان المؤسسين لجماعة ومجلة "إضاءة 77" التى ساهمت فى بلورة وتقديم جيل شعرى مميز، أثرى الشعرية العربية بدواوين فارقة لأبناء هذا الجيل، ومنذ ديوانه الأول "وردة الفوضى الجميلة" التفتت الأوساط الأدبية والنقدية لتجربة سلام الشعرية، وتوالت أعماله الشعرية فأصدر - "إشراقات رفعت سلاَّم"، و"إنها تُومئ لي"، و"هكذا قُلتُ للهاوية"، و"إلى النهار الماضي"، و"كأنَّها نهاية الأرض"، و"حجرٌ يطفو على الماء"، و"هكذا تكلم الكركدن"، و"أرعى الشياه على المياه".
كما أصدر سلام عدة كتب نقدية منها: "المسرح الشعرى العربي"، و"بحثًا عن التراث العربي: نظرة نقدية منهجية"، و"بحثًا عن الشعر"، مقالات وقراءات نقدية. أما على مستوى الترجمة فقد ترجم العديد من الأعمال المهمة، لأبرز شعراء ونقاد العالم مثل: بوشكين "الغجر.. وقصائد أخرى"، وماياكوفسكى "غيمة فى بنطلون.. وقصائد أخرى"، وكربرشويك "الإبداع القصصى عند يوسف إدريس"، وليرمونتوف "الشيطان.. وقصائد أخرى"، ويانيس ريتسوس "اللذة الأولى، مختارات شعرية"، و"هذه اللحظة الرهيبة، قصائد من كرواتيا"، ويانيس ريتسوس "البعيـد، مختارات شعرية شاملة"، وسوزان برنار "قصيدة النثر من بودلير حتَّى الآن: مراجعة وتقديم"، وجريجورى جوزدانيس "شعـرية كفافي"، ودراجو شتامبوك "نجومٌ منطفئةٌ على المنضدة"، وشارل بودلير "الأعمال الشعرية الكاملة".
وحاز الشاعر الكبير على جائزة "كفافيس" الدولية للشعر عام 1993، وجائزة أبى قاسم الشابى عام 2019.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
رصد دقيق لكيفية تعديل المتداولين لاستراتيجياتهم لمواجهة تقلبات الأسواق الحديثة والخاطفة، وكيف تمنحكم JustMarkets بوصلة النجاح في عالم مالي لم...
الحصول على منحة دراسية ممولة بالكامل بالخارج لم يعد حلمًا بعيدًا كما يعتقد كثير من الطلاب، لكنه يحتاج إلى تخطيط...
يمشى محاطاً ببضاعته، في كتلة واحدة، كأنه مربوط فيها!
كرمت نقابة الصحفيين الزميلة مها حافظ نائب رئيس التحرير في مجلة الإذاعة والتلفزيون، ضمن الأمهات المثاليات من الصحفيات، في احتفالية...